من المتوقع أن تحمل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الملفات المهمة ومنها تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والمالي والسياسي بين بغداد وواشنطن، وذلك مقابل التزام العراق ببعض الشروط والمطالب الأمريكية وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل المسلحة وفك ارتباط العراق بإيران ووقف عمليات تهريب الدولار لإيران، إلى جانب تمهيد المجال للاستثمارات الأمريكية من خلال محاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة العراقية.

ومنذ تسلم الزيدي رئاسة الحكومة العراقية في أيار الماضي، كان ملف حصر السلاح بيد الدولة وشن حملة فعلية وحقيقية ضد الفساد من أبرز العراقيل التي تواجه طريقه، نظرا لطغيان سلطة السلاح ونفوذ جهاتها السياسية على سلطة الدولة، فضلا عن أن الفساد في العراق لم يك مجرد حالات فردية، إنما منظومة متكاملة لا قدرة للدولة بسلطاتها كافة على مواجهتها نظرا لتورط غالبية القوى السياسية التي تملك السلطات والمؤسسات في حالات الفساد وسرقة وهدر المال العام منذ ما يزيد على العقدين من الزمن.

وبحسب البيانات والمواقف الأمريكية، فإن العراق يواجه ضغطا أمريكيا في مجال تفكيك السلاح وإنهاء وجود الفصائل خارج إطار الدولة وحصر سلاحها، على الرغم من أن محلليين ومراقبين للشأن العراقي يرون في الإجراءات الأمريكية إجراءات ناعمة لا ترقى لتحدي إنهاء وجود الفصائل المسلحة في البلاد.

وتعهدت الحكومة العراقية ورؤساء الوزراء والقضاء والبرلمان والجمهورية خلال الفترة الأخيرة بتنفيذ شعارات حصر السلاح بيد الدولة في مدة أقصاها الثلاثين من أيلول المقبل، وهو الموعد المحدد لإنسحاب القوات الأمريكية من العراق بشكل كامل.

فصائل ترفض وتحذر الدولة

بالمقابل، ترفض فصائل مسلحة أخرى التخلي عن سلاحها، باعتباره "سلاح المقاومة" الذي يدافع عن الدولة و"النظام الشيعي الحاكم" في البلاد، بحسب رؤيتها، كما أنه بقائه يأتي في سياق الاصطفاف إلى جانب إيران في مواجهة ما تسميه المخطط الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي الذي يستهدف المنطقة ومنها العراق.

وخلال الساعات الماضية، طالب مسؤول كتائب حزب الله المعروف باسم أبو حسين الحميداوي، الحكومة العراقية بوجوب الانصياع للمقاومة.

وقال الحميداوي في بيان: إن "الكتائب تأسست على يد المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وبقرار منه، فكان رجالها وما زالوا يوالون هذا الخط"، وتابع: أنه "في هذا المنعطف التاريخي، نلفت أنظار القادة السياسيين والمسؤولين الحكوميين إلى وجوب الانصياع لإرادة شعب المقاومة والجهاد، والحذر الشديد من الانجراف في ركاب المشاريع الاستكبارية أو التماهي مع أجنداتها الخبيثة، ونحذرهم بأن شعبنا سيقول كلمته وقراره إذا ما انحرفت البوصلة"، في إشارة إلى خطة تسليم السلاح.

ورفضت كذلك ما تعرف بـ "المقاومة الإسلامية في العراق" والتي تضم مجموعة من الفصائل التي تبنت نهجا قريبا من إيران، تسليم سلاحها، وقالت في بيان: إنها "متمسكة بنهج المقاومة، وليعلم الأعداء أن قوى محور الحق كالجسد الواحد، وفق الأطر الجهادية التي خطها لنا قائدنا (خامنئي)، ولن تثنينا الخطوب، ولن تزيدنا إلا إصراراً على مواصلة نهجنا لنصرة المستضعفين، وطرد المحتلين من العراق والمنطقة"، وشدد البيان على أن "سلاح المقاومة لم يك يوماً خياراً للمساومة، بل هو عقيدة وعهد في أعناقنا، وبه سنمضي لنكسر قيود الهيمنة، ونكبح جماح المستكبرين".

وأكدت "المقاومة العراقية" أن "عدم الوقوف عند حدود ما وصلنا إليه، بل ستعمل على تطوير قدراتها العسكرية والأمنية كماً ونوعاً، ورفع الجاهزية بما يتناسب مع حجم التحديات والتهديدات المتصاعدة".

ماذا تخسر الفصائل إذا تخلت عن سلاحها؟

تطرح العديد من التساؤلات عن أسباب تمسك بعض الفصائل بالسلاح، وإمكانية تنفيذ الدولة لشعارات حصر السلاح من عدمها، إلى جانب تساؤلات عن الخسائر التي ستلحق بالفصائل في حال تخليها عن سلاحها.

يستبعد مراقبون للشأن العراقي من بينهم الباحث السياسي عادل كمال إمكانية تنفيذ الدولة لحصر السلاح وإنهاء وجود الفصائل التي تطلق على نفسها "المقاومة"، وشدد كمال على أن "الفصائل ستخسر الدعم الإيراني وستكون خارج منظومة ومعادلة السلطة والنفوذ في العراق إذا ما قررت التخلي عن السلاح".

وقال كمال في حديث لشبكة "الساعة": إن "السلاح الذي تمتلكه الفصائل العراقية في الواقع انتهت الحاجة إليه، على اعتبار أن تلك الفصائل حملت السلاح لقتال داعش، واليوم انتهى التنظيم بشكل كامل ولا يوجد أي مبرر لبقاء أي سلاح خارج الدولة لقتال تنظيم لم يعد قائما".

وأضاف: أن "الفصائل تتذرع بمواجهة المشروع الأمريكي في العراق، ولكن ما يفند قولها هو أن تلك الفصائل لم تطلق رصاصة واحدة على القوات الأمريكية عندما كانت تحتل العراق بعد 2003"، وبين أن "الفصائل تستخدم ذريعة الوجود الأمريكي القائم بطلب من الحكومة العراقية كحجة للإبقاء على سلاحها".

وتابع كمال: أن "سلاح الفصائل أصبح منذ حمله أداة لفرض النفوذ وتحقيق الأموال وكسب التمويل، والأهم من ذلك الوصول إلى السلطة والحكم، وهو ما حصل على أرض الواقع، لذلك فإن الفصائل لا تتخلى عن سلاحها خشية خوفها خسارة النفوذ والمال والسلطة والحكم"، مشيرا إلى "هذه الخسارة من شأنها أن تعرض الفصائل إلى الملاحقة والاستهداف داخل العراق وخارجه ويجعلها هدف سهلا للسلطات العراقية، وبعض الجهات الداخلية التي تختلف بحدة معها وربما يصل الأمر إلى التصفية وتسوية الحسابات فيما بينها في حال التخلي عن مراكز القوة والنفوذ".

ونوه كمال إلى أن "السبب الآخر والمهم الذي يدفع الفصائل للتمسك بسلاحها يتمثل بأنها لا تمتلك القرار بشأن مصير السلاح، فهي تأخذ الأوامر بهذا الصدد من الجانب الإيراني، ومن المعلوم فإن طهران لن تترك الساحة العراقية شاغرة، بل ستبقى تشاغل الجانب الأمريكي في العراق عبر الفصائل وسلاح ما يسمى بالمقاومة".

فصائل ترفض التسليم حتى شكليا

وفي هذا الصدد، استبعد الكاتب والمحلل السياسي الناصر دريد إمكانية تفكيك الفصائل أو نزع سلاحها، مؤكدا أن الزيدي يسعى للحصول على الموافقة الشكلية من الفصائل والإعلان الشكلي عن نزع السلاح.

وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما يتم الإعلان عنه من محاول لنزع السلاح هو جل اهتمام حكومة علي الزيدي ومن يقف ورائها، فالزيدي يسعى لتحقيق نزع طوعي وسلمي للسلاح"، وأضاف: أن "غاية الزيدي هو الحصول على موافقة رسمية من الفصائل للتخلي عن سلاحها ثم يتحرك نحو واشنطن باعتباره قد أنهى هذه المهمة وإن كانت هذه المهمة في الحقيقية تتضمن نزعا شكليا للسلاح".

وأشار دريد إلى أن "الزيدي لم يستطع لغاية الآن الحصول على الموافقة الشكلية لنزع السلاح، إذ أن بعض الفصائل ترفض التخلي عن سلاحها ولو شكليا، وذلك لأن العامل الخارجي الإيراني حاضر وبقوة في هذا الملف"، وأوضح أن "الإعلان ولو كان شكليا لنزع السلاح من الفصائل مرفوض من قبل إيران، لأن الإيرانيين يرون أن الإعلان ولو بالكذب عن التخلي عن السلاح سيعتبر خسارة لإيران بشكل كبير أمام جمورها ومحور المقاومة والرأي العام، ولهذا إيران تمنع نزع السلاح الذي تتحدث عنه الحكومة العراقية".

لا تسليم قبل الانسحاب

الأسبوع الماضي أشار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دخول حكومته في حوار مع الفصائل التي سينتقل عملها لاحقاً إلى الميدان السياسي والاجتماعي، وأكد الزيدي أنه بانتهاء المهلة المحددة لنزع السلاح وتسليمه إلى المؤسسات الأمنية الحكومية، فإن السلاح سيكون محتكراً بشكل تام لدى مؤسسات الدولة الرسمية وقواتها المسلحة والأمنية المختصة.

واستجابة لحراك حصر السلاح، أعلنت حركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي وسرايا السلام بزعامة مقتدى الصدر، تسليم سلاحها للدولة وإنهاء العلاقة بين تلك الحركات السياسية والألوية المسلحة التابعة لها.

غير أن وجهة نظر بعض الفصائل ترى أن التخلي عن السلاح مرهون بإنهاء وجود القوات الأمريكية من العراق ولا سيما من إقليم كردستان، وهذا نوه إليه المحلل السياسي القريب من الفصائل والإطار التنسيقي حيدر البرزنجي.

وقال البرزنجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "عملية حصر السلاح بيد الدولة يتم بإشراف الحكومة وبتأييد الإطار التنسيقي، وأن عملية حصر السلاح بيد الدولة مستمرة وفق آلية تنظيمة تم الاتفاق عليها".

وأضاف: أن "التوقيت بشأن حصر السلاح يعتمد على انسحاب قوات التحالف من العراق ومن كردستان تحديدا"، مؤكدا أن "بعض الفصائل ترى أن إعلانها التخلي عن سلاحها مرهون بإكمال الانسحاب الأمريكي".