منذ أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من عمليات عسكرية وتغييرات سياسية شهدها الشرق الأوسط، يجري الحديث بقوة عن خطوات أمريكية لإنهاء النفوذ الإيراني في العراق كما حصل في سوريا ولبنان ولكن ليس بالتدخل العسكري والثورة العسكرية، وإنما عبر الضغط السياسي والاقتصادي على بغداد.

ولكن الواقع في الداخل العراقي يشير إلى أن إيران ما تزال حاضرة بقوة في العراق، وأنها لغاية الآن صاحبة المبادرة والمناورة الأقوى في العراق، وأن ما يحدث من ضغوط أمريكية هادئة على العراق لم يؤثر بشكل جوهري على نفوذ إيران في العراق وإنما دفعها لتغيير أدواتها وإعادة ترتيب أوراقها بشكل يتناسب مع الضغط الأمريكي.

وتظهر الحكومة العراقية السابقة، أو الحالية نفسها بموقف الرافض لأي تدخلات خارجية سواء أمريكية أو إيرانية، غير أنها لم تتخذ أي إجراءات رسمية لوقف تلك التدخلات على أرض الواقع، لكنها توعدت بأنهاء السلاح وتفكيك الفصائل المسلحة خلال الشهرين المقبلين مما سيؤثر بشكل كبير على حجم النفوذ الإيراني في العراق.

تسريبات منع دخول قاآني

مؤخرا، كشفت تقرير لإذاعة "مونت كارلو" الفرنسية عن احتدام الخلاف بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد رفض الزيدي دخول موكب تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى العاصمة بغداد لتلافي الحرج مع واشنطن.

وأشارت "مونت كارلو" نقلا عن مصادر في كتلة الإعمار والتنمية برئاسة محمد شياع السوداني: إن "الزيدي أبلغ عراقجي برفض حكومته مشاركة قائد الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني في تشييع خامنئي المقرر في مدينتي كربلاء والنجف باعتباره شخصا غير مرغوب فيه.

وبحسب "مونت كارلو" فإن القرار أرفق بقرارات أخرى بينها حظر أي لقاءات بين قيادات إيرانية وبين الحشد الشعبي والفصائل العراقية، ومنع زيارة مسؤولين وزعماء جماعات عراقية إلى إيران، إلا بعلم وموافقة الحكومة العراقية.

بالتزامن مع تلك التسريبات، كشفت صحيفة الشرق الأوسط السعودية عن رفض الحكومة العراقية لدخول المسؤولين الإيرانيين إلى العراق خارج القنوات الرسمية.

وقالت الصحيفة تنقلا عن مصادر خاصة: إن "قاآني وصل إلى بغداد بعد أيام قليلة من زيارة عراقجي، من دون الإعلان عن الزيارة ويُعتقد أنها الزيارة الأولى من قائد قوة القدس إلى العراق منذ تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة"، وأشارت إلى أن "بغداد دعت طهرانَ إلى اعتماد القنوات الدبلوماسية الرسمية لتنظيم زيارات مسؤولين إيرانيين اعتادوا عقد لقاءات سرية في بغداد".

وأكدت الصحيفة أن "عراقجي وقاآني حاولا خلال زيارتهما إلى بغداد إجراء تعديلات على الخطة العراقية لحصر السلاح بعد أن حددت الحكومة العراقية 30 أيلول المقبل موعداً نهائياً لإنهاء ملف السلاح خارج سلطة الدولة، كما طلبت طهران تقليص قوائم الاعتقال التي قد تشمل شخصيات سياسية وحكومية لها صلات وثيقة بـالحرس الثوري الإيراني"، ولفت المصدر إلى أن "الجانب العراقي رفض تغيير الخطط بشأن السلاح وملاحقة الفساد".

لكن ائتلاف الإعمار والتنمية في العراق نفى صحة الأنباء التي تحدثت عن وجود قرار رسمي يقضي بتصنيف قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني، كشخص غير مرغوب فيه داخل الأراضي العراقية.

وأكد المتحدث الرسمي باسم الائتلاف، فراس المسلماوي، أن الخبر الذي تداولته وسائل إعلام دولية نقلاً عن مصدر داخل الائتلاف عارٍ عن الصحة ولا يمت للحقيقة بصلة، وأن كيانهم السياسي لم يصدر عنه أي موقف أو تصريح رسمي بهذا الخصوص.

وأختلفت الآراء بين من يرى أن ما ورد من معلومات تشير إلى بداية واضحة لتراجع النفوذ الإيراني في العراق وتحرك الحكومة العراقية بضغط أمريكي لوقف التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي، وبين من يرى من المبكر الحديث عن هذا الموضوع في ظل المعطيات الحالية.

حديث مبكر عن إنهاء النفوذ الإيراني

وتعليقا على ما إذا كانت تلك المعلومات تؤشر لوجود تحرك عراقي لوضع حد للتدخلات الإيرانية، يرى الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي أن المعلومات المسربة السابقة وفي حال صحتها لن تكن إعلانًا لنهاية التدخلات الخارجية، بل خطوة ضمن مسار أوسع لتعزيز سيادة الدولة.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "حتى الآن لا توجد معلومات رسمية مؤكدة تثبت صحة ما يُتداول بشأن رفض الحكومة العراقية دخول شخصيات إيرانية باعتبارها غير مرغوب فيها، أو رفض تدخل طهران لحماية شخصيات متهمة بقضايا فساد، لذلك ينبغي التعامل مع هذه الانباء بحذر إلى حين صدور موقف رسمي".

وأضاف التميمي: أنه "وفي حال ثبتت صحة هذه المعلومات فإنها تُعد إجراء طبيعيا ينسجم مع مبدأ سيادة الدولة"، مبينا أن "من حق العراق تنظيم دخول أي مسؤول أجنبي عبر القنوات الرسمية، ورفض أي تدخل خارجي في عمل القضاء أو في ملفات مكافحة الفساد".

ولفت إلى أن "إصرار الحكومة والقضاء العراقيين على عدم القبول بأي تسويات أو ضغوط لحماية متهمين، مهما كانت الجهة الداعمة لهم سيكون مؤشرًا على ترسيخ استقلال القرار العراقي وتطبيق القانون على الجميع".

وتابع التميمي: أن "المعلومات السابقة وفي حال تأكيدها فإنها ليست بالضرورة إعلانًا لنهاية التدخلات الخارجية، بل خطوة ضمن مسار أوسع لتعزيز سيادة الدولة".

قرار إيراني

وبخصوص اعتبار بغداد لإسماعيل قاآني شخصا غير مرغوب فيه، قال المحلل السياسي محمد نعناع إن "هذا القرار هو قرار إيراني وليس قرار عراقي".

وكتب نعناع في صحفته الشخصية بمنصة "فيسبوك": إن "قاآني فعلا شخصية غير مرحب بها في العراق، ولكن هذا القرار قد يكون إيرانياً وليس عراقياً، بسبب فشله في السيطرة على بعض القوى العراقية، لذلك جاء قرار سحبه من العراق بهذا الشكل ليكون أفضل من أي طريقة أخرى".

مستقبل السلاح والنفوذ الإيراني

وبشأن تأثر النفوذ الإيراني في العراق عقب الأحداث التي شهدتها المنطقة، أكد الباحث السياسي مجاهد الطائي أن تراجع النفوذ ما يزال محدودا وكذلك سيبقى محدودا في المرحلة المقبلة، لأن إيران لن تخسر إلا جزء من أوراقها في العراق وستعمل على التضحية ببعض الأدوات مقابل التمسك بنفوذها الأوسع في العراق.

وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "إيران تكبدت خسائر كبيرة بسبب الحرب وتداعيتها، ولكنها في العراق ما تزال تسيطر على الكثير من الأوراق والأدوات التي تجعل من العراق ساحة نفوذ من الصعب التخلي عنها".

وأضاف" أن "الورقة التي يتم الحديث عنها والتي تطرح حاليا لتقليص النفوذ الإيراني هي ملف الفصائل العراقية وسلاحها، لكن هذه الفصائل لم تك مؤثرة في مسار الحرب فضلا عن مسار المفاوضات، وبالتالي فإن إيران يمكن أن تتخلى عنها مقابل الاحتفاظ بالنفوذ المالي والسياسي الذي تحققه لها تلك الفصائل، وهذا لا يعني أن تخليها عن السلاح والفصائل سيكون سهلا أو بصورة نهائية، إذ سيكون مهمة سلاح الفصائل ثانوية في حال واجهت إيران ضغطا أمريكيا في هذا المجال".

وأضاف الطائي أن "إيران ستميل إلى الاحتفاظ بنفوذها المالي والسياسي في العراق بشكل أساسي، فيما سيكون الاهتمام بنفوذها العسكري ثانويا في المرحلة المقبلة"، وبين أن "الضغوط الأمريكية ستدفع إيران إلى خسارة البعض من أوراقها وأدواتها ولكنها ستبقى محتفظة بنفوذها الأوسع".

وتابع: أن "الفصائل العراقية هي أيضا منقسمة في هذا الموضوع، فبعضها يؤيد خطة الحكومة العراقية لنزع السلاح من أجل الاحتفاظ بمكاسبها السياسية والمالية التي حققتها بذلك السلاح، بينما البعض الآخر سيكون متمسكا بسلاحه بسبب التوجيه الإيراني من جهة، ولأنه لم يحصل على صفقة مرضية للتخلي عن سلاحه من جهة اخرى"، مرجحا أن "تلجأ الحكومة العراقية إلى عمليات شكلية أقرب منها إلى الواقعية والحقيقية للتعامل مع الرافضين لتسليم السلاح، أي أنها ستكون حملة شبيهة بحملة الحكومة الشكلية في محاربة الفساد".