بعد ساعات قليلة من انتهاء الأزمة بين رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني ونائبه محسن المندلاوي، عادت الخلافات إلى البرلمان ولكن هذه المرة على نطاق أوسع، إذ ترى قوى سنية وكردية أن ما يجري هو عملية ممنهجة لتهميش دور القوى الممثلة عن السنة والكرد في البرلمان ومحاولة القوى الشيعية فرض إرادتها داخل البرلمان رغم أن رئاسته من حصة المكون السني.

وأمس الأربعاء شهد البرلمان خلافات حادة انتهت بانسحاب نواب القوى السنية والكردية من جلسة البرلمان، وذلك على خلفية إصرار القوى الشيعية على إدراج قانون الحشد الشعبي ضمن جدول أعمال الجلسة رغم عدم وجوده ضمن الجدول مسبقا.

وأنهى مجلس النواب القراءة الثانية لمشروع قانون هيئة الحشد الشعبي، خلال جلسة الأمس التي عقدت في بادئ الأمر برئاسة محمود المشهداني ثم تحول الرئاسة إلى نائبه محسن المندلاوي بعد انسحاب المشهداني بسبب تضمين قانون الحشد ضمن جدول الأعمال.

وقال النائب الأول لرئيس مجلس النواب محسن المندلاوي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "البرلمان أنجز القراءة الثانية لمشروع قانون هيئة الحشد الشعبي، وتم توجيه لجنة الأمن والدفاع النيابية بأخذ ملاحظات وآراء النواب بعين الاعتبار، لغرض استكمال التعديلات اللازمة على مشروع القانون، وتقديم النسخة النهائية إلى رئاسة المجلس ليتسنى إدراجها في جدول أعمال الجلسات المقبلة بغية التصويت عليها".

وأضاف المندلاوي أن "مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي نحرص على تمريره، يأتي بديلا عن القانون النافذ الصادر عام 2016، ويهدف إلى تنظيم هيكلية وعمل الهيئة، وتحديد صلاحياتها وواجباتها، فضلا عن مهام الجهات المرتبطة بها".

 وأشار إلى أن "القانون يسهم في تعزيز القدرات القتالية للمقاتلين في الحشد، واستحداث تشكيلات جديدة تُعنى بتطوير هذه المؤسسة الأمنية، إضافة إلى منح رئيس الهيئة الصلاحيات اللازمة لتنفيذ الأهداف التي يتوخاها هذا التشريع الحيوي".

انسحاب السنة والكرد من الجلسة

أشارت مواقف القوى السنية والكردية بأن انسحابهما من جلسة البرلمان جاءت رفضا لما تقوم به القوى الشيعية من فرض الإرادات على الشركاء والقفز على التوافقية وتهميش منصب رئيس البرلمان من خلال فرض مواد القوانين على الرئيس من قبل نائبه.

وكشفت كتلة تقدم البرلمانية أن مقاطعتها لجلسة الأمس جاء تعبيرا لرفض اسلوب استغفال مجلس النواب من قبل بعض الكتل السياسية.

وقال المتحدث باسم كتلة تقدم البرلمانية يحيى المحمدي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "الحزب يعلن عن استيائه ورفضه لأسلوب (استغفال) أعضاء مجلس النواب".

وأضاف المحمدي: أنه "من خلال الإعلان عن جدول أعمال جلسات مجلس النواب متفق عليه ويعلن قبل 48 ساعة، ثم يتم إقحام فقرات جديدة مختلف عليها أثناء الجلسة بعد تحقُّق النصاب دون علم الكثير من النواب الحاضرين، ودون مرور تلك القوانين على اللجان المعنية، وحتى دون أي توافق سياسي".

وأوضح أن "قيادة تقدم قررت مقاطعة الحضور إلى أي جلسة لمجلس النواب لحين إثبات التزام قاطع بجدول الأعمال المعد مسبقا والمتوافق عليه سياسيا".

أما حزب السيادة بزعامة خميس الخنجر فأعلن هو الآخر مقاطعة جلسة البرلمان رفضا لأسلوب فرض الإرادات والقفز على التوافقات السياسية.

وأكد الحزب في بيان تلقت "الساعة" نسخة منه أنه وفقا للقانون والنظام الداخلي النافذ في مجلس النواب فإنه ليس من صلاحية أحد أن يفرض على مجلس النواب إرادة سياسية أو أن يفرض بشكل مرتجل أي موضوع لم يدرج في جدول الأعمال أو أن تفرض قوانين بإرادة طرف واحد.

وأضاف البيان: أن "النظام السياسي في العراق بني على أساس توافقي ولذلك فإن انسحاب النواب السنة والكرد من جلسة اليوم رفضا لمحاولات البعض تمرير قوانين خلافية يعد سببا كافيا لإيقاف أية محاولة لفرض الأمر الواقع في تشريع القوانين".

وكشف الحزب عن وجود محاولات ممنهجة لمنازعة رئيس مجلس النواب في صلاحياته والتدخل بشكل سافر فيها وفرض إرادات قوى سياسية بعينها عليه"، مشددا على أن "المادة 37 من النظام الداخلي لمجلس النواب نصت على أن يعد جدول أعمال المجلس من رئيس المجلس مع نائبيه بالتنسيق مع رؤساء اللجان المختصة ويتم إعلانه مسبقا وقبل 48 ساعة من موعد الجلسة ولا يجوز عرض أي موضوع لم يدرج في جدول الأعمال إلا بعد عرض ذلك على التصويت ويجب أن يحظى بموافقة غالبية الأعضاء الحاضرين".

 فيما أعرب عن "قلقه البالغ من المخالفة القانونية الصريحة التي شهدتها جلسة مجلس النواب إثر تعديل مفاجئ في جدول أعمال الجلسة دون اتفاق بين رئيس البرلمان ونائبيه كما نص على ذلك النظام الداخلي للمجلس الأمر الذي أخل مجددا بالالتزامات القانونية ومبادئ الشراكة والتوافق المتعلقة بآلية تنظيم جدول أعمال المجلس".

المشهداني يغادر الجلسة

ومع بداية جلسة البرلمان الأخيرة ومحاولة إضافة فقرة قانون الحشد الشعبي ضمن جدول الأعمال انسحب المشهداني من رئاسة الجلسة وسلمها لنائبه المندلاوي، وبحسب النائب كاظم الشمري فإن مغادرة المشهداني جاءت نتيجة ادراج قانون الحشد ضمن الجدول.

وقال الشمري في تصريح صحفي تابعة "الساعة": إن "المشهداني رفض ادراج قانون الحشد ضمن الجلسة وحاول اقناع القوى الشيعية بإن ادراجه والتصويت عليه سيترتب عليه نتائج وتداعيات دولية سلبية على العراق في ظل الموقف الدولي الراهن".

وأوضح الشمري أن "القوى الشيعية كانت مصرة على ادراج القانون وقراءته وعندها خاطب المشهداني النواب الشيعية وقال لهم أنتم تتحملون مسؤولية ما سيجري إذا أقر هذا القانون؟ فكان جواب النواب الشيعة نعم نحن نتحمل المسؤولية عن التصويت على قانون الحشد، وهو ما دفع المشهداني إلى مغادرة قاعة الجلسة وتسليم الرئاسة لنائبه".

وقبل يومين كشف رئيس البرلمان، محمود المشهداني عن رسائل أمريكية للقادة السياسيين ترفض فيه تمرير قانون الحشد، محذرا من تظاهرات قد تشهدها المدن العراقية خلال الفترة المقبلة، مما سيدفع البلاد إلى إعلان حكومة طوارئ.

جاء ذلك، بعد مرور يوم على تلقي رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني رسائل أمريكية، حملها القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لدى العراق، ستيفن فاجن، بشأن سلاح الفصائل في العراق، موضحا فيها موقف واشنطن من استمرار سلاح تلك الفصائل، وسط تحذيرات من تدخل دولي يحسم مصير هذا السلاح في حال فشل السوداني في حسمه.

خذلان القوى الشيعية بقانون الحشد

لكن القوى الشيعية ترى في انسحاب السنة والكرد بالتزامن مع تقديم قانون الحشد الشعبي خذلان لشركائهم الشيعة، بينما تؤكد أن ما يجري من عراقيل غرضه عدم تمرير قانون الحشد بسبب الضغوطات والتدخلات الأمريكية الرافضة لتمرير القانون.

وقال رئيس الهيئة السياسية للتيار الوطني العشائري والمقرب من قوى الإطار عبد الرحمن الجزائري في حديث لشبكة "الساعة": إن "انسحاب القوى السنية والكردية جاء رغم وجود توافق بين مختلف الكتل على إدراج القانون في أوقات سابقة".

وأضاف: أن "الضغوطات والافرازات الخارجية بدأت تظهر بوضوح على البرلمان العراقي"، مبينا أن "انسحاب النواب الكرد والسنة من الجلسة وعدم التصويت على قانون الحشد جاء نتيجة لخضوعهم لضغوطات الخارج في هذا الملف"، فيما وصف الانسحاب بأنه "تخليا من القوى السنية والكردية عن القوى الشيعية وتركهم لوحدهم في أهم مشروع وهو قانون الحشد".

موقف الكرد

أما موقف الكتل الكردية وانسحابها من جلسة البرلمان فهو ينطلق من سببين اثنين، وبحسب عضو الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي فإن "الانسحاب جاء نتيجة رغبة النواب الكرد بتحقيق اجماع كامل على موضوع تمرير قانون الحشد بسبب حساسية الأمر وارتباطه بوجود ضغوط وتهديدات أمريكية للعراق".

وأوضح الهركي في حديث لشبكة "الساعة" أن السبب الآخر هو عدم معرفة النواب الكرد وكذلك السنة بوجود نية لإدراج القانون في جلسة أمس وهو ما جعلهم يتفاجؤون من مشروع قانون غير متفقين على إدراجه مسبقا ومن ثم الانسحاب من الجلسة".

تهميش لدور السنة

في حين يرى الناشط السياسي أحمد النجم أن ما حصل في جلسة الأمس يعد تجاوزا وقفزا على التوافقية في الحكم وإدارة الدولة التي اعتمدت عليها العملية السياسية الحالية.

وقال النجم في حديث مع شبكة "الساعة": إن "بعض القوى السياسية في البرلمان تحاول استغلال نفوذها وفرض أجندتها على القوى الأخرى وبالتالي تهميش القوى السنية والكردية في البرلمان".

وأشار إلى أن "منصب رئاسة البرلمان وحسب العرف السائد يرجع للمكون السني وما حصل من محاولات لفرض القوانين على الرئيس من قبل نائبه يعد تحاوزا واضحا على صلاحيات هذا المنصب وبالتالي تجاوزا على استحقاقات المكون السني في المناصب الرئاسية".