تصاعد الخطاب الطائفي في العراق في الآونة الأخيرة ووصلت إلى مستويات خطيرة من شأنها إعادة البلاد إلى مربع الطائفية والاقتتال الطائفي الذي شهدته البلاد عقب الغزو الأمريكي ووصل ذروته في العامين 2006 و2007.

ويتزامن علو الخطاب التحريضي الطائفي مع التغييرات التي شهدها الشرق الأوسط وتراجع النفوذ الإيراني خلال المواجهة مع المعسكر الأمريكي والإسرائيلي، كما يتزامن مع بدء العد التنازلي للانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل.

ومن أبرز المؤشرات على تنامي التصعيد الطائفي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أنه يطلق من جهات وشخصيات سياسية ومسؤولية ومقربين من السلطة والقوى النافذة في الدولة، وهو ما يعكس تورط العديد من الجهات السياسية في تغذية الانقسام الطائفي واستغلاله في الدعاية الانتخابية المقبلة.

ويؤكد باحثون في الشأن العراقي أن تصاعد الخطاب الطائفي يرجع إلى خضوع إدارة الدولة للقوى السياسية المتنفذة وضعف إجراءات تطبيق القانون وخشية السلطات من ملاحقة مروجي الفتنة الطائفية كونهم يتبعون لجهات سياسية ترى نفسها أعلى من القانون والدولة.

بالمقابل، تتصاعد الدعوات لتشريع قانون يجرّم الطائفية ويضع حدًا لخطابات الكراهية والانقسام، وقال رئيس البرلمان محمود المشهداني: إن "الطائفية التي عصفت بالبلاد سابقًا لا تزال آثارها تتجدد اليوم، من خلال التحريض الإلكتروني ومحاولات بث الكراهية بين مكونات الشعب العراقي".

بدوره، أوضح النائب علي البنداوي أن هناك توجهاً في البرلمان لتشريع قانون تجريم الطائفية ومنع أي جهة سياسية تعتمد الخطاب الطائفي من المشاركة في العملية الانتخابية.

وأضاف أن "تشريع قانون يجرّم الطائفية أمر بالغ الأهمية، لكن دون آليات تنفيذ رادعة وحقيقية، فإن هذا القانون سيكون مجرد حبر على ورق"، وفق تعبيره.

ودعا البنداوي وهو نائب عن تيار الحكمة إلى "تشديد العقوبة بحق من يحاول تمزيق النسيج المجتمعي، باعتبار أن العراق عانى من خطابات الطائفية في السنوات الماضية، ولا يمكن السماح بعودتها تحت أي ظرف".

وعلى الرغم من الدعوات لتجريم الطائفية تحت قبة البرلمان، إلا أنه لا يوجد أي معايير تحدد شكل ومضمون وحدود الخطاب الطائفي، الأمر الذي يفضي إلى ازدواجية في تطبيقه كما حصل في قانون مكافحة الإرهاب الذي لم يشمل سوى فئة وشريحة واحدة من المجتمع العراقي.

ومنذ دخول محور "المقاومة" الإيراني في الصراع الدائر عقب حرب غزة، بدأ التحريض الطائفي يظهر جلياً في مواقع التواصل ووسائل الإعلام العراقية، وخاصة عقب انهيار ذلك المحور في جبهة لبنان وسوريا وتراجعه في اليمن، فكان لتلك التطورات وقعها الكبير على الخطاب داخل العراق، عبر إطلاق تصاريح من نواب وسياسيين تدعو تارة إلى استفراد الشيعة بالحكم كونهم الأغلبية وتارة تدعو لإنشاء محافظات جديدة بهويات طائفية، وتارة أخرى عبر الدعوة لإنشاء إقليم الجنوب، وأخرى عبر تبني جهة الدفاع عن الأقليات في سوريا، وأخيرا عبر استهداف ومحاولات تسقيط النخب والقيادات السياسية.

ومنع الدستور العراقي وفق المادة السابعة منه، أي شكل من أشكال التحريض الطائفي، كما عاقبت المادة 200 من قانون العقوبات بالسجن لمدة 7 سنوات على إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية او الترويج لها، في حين أن قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005 عاقب على الفتنة الطائفية، باعتبارها مادة إرهابية وفق المادة 4 من القانون، لكن لم يشرع العراق، قانوناً خاصاً بالتحريض أو الخطاب الطائفي، ما يجعل المتهمين بالطائفية يحتالون على المواد القانونية القديمة إذا ما تقدم أحد أو جهة بالشكوى ضدهم.

ولا يقتصر الخطاب الطائفي في العراق على جهة أو شريحة مجتمعية واحدة، فجميع من وضعوا أنفسهم متحدثين باسم مكونات المجتمع العراقي تبنوا أحاديث مذهبية وعرقية تهاجم المكونات الأخرى تحت ذريعة المظلومية، لكن ما يلاحظ وبشكل لافت أن الخطاب الصادر من بعض مدوني وسياسيي المكون الشيعي هو الأكثر تصعيدا والأكثر تحريضا وخطورة على اعتبار أن مطلقيه ضامنون لعدم تعرضهم للمساءلة والملاحقة القانونية.

وعن خطورة الخطابات الطائفية ورفضها من غالبية العراقيين، قال عضو مجلس النواب حسين عرب في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الطائفية هي صناعة سياسية بالأساس، إذ إن المجتمع العراقي ليس طائفياً ولا يتعامل بالأفكار الطائفية، إنه مجتمع منسجم ولا يقبل بالتنابز أو التمييز، بالتالي فإن الأحزاب التي تصنع الطائفية والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، قد بلغت حالة من الاستهتار والاستخفاف بمشاعر وحتى دماء العراقيين، لا يمكن القبول بها".

وأضاف عرب: أن "الخطاب الطائفي هي طريقة بائسة للاحتيال على العراقيين ولم تعد تنفع معهم مطلقاً، لأن أهدافها واضحة، خصوصاً أن الانتخابات على الأبواب، وأنها زاد المفلسين سياسياً وشعبياً".

ويحذر ناشطون عراقيون من مخاطر الخطاب والتحريض الطائفي في البلاد وإمكانية تسببه بجر البلاد إلى حرب دموية قد لا تنتهي إلا بتقسيمه إلى دويلات.

وقال الناشط السياسي محمد الغانم في حديث لشبكة "الساعة": إن "القوى السياسية والفصائل المسلحة تستثمر بشكل مباشر بالأزمات الطائفية لاستقطاب الجمهور الذي ينسجم ويتماهى مع هذه الخطابات، وينشغل بها كثيرا ويصنف من يريد أن يدعمه وفق ما يلبي خطابه، فضلا عن محاولة تلك الجهات إشغال العراقيين بالخطاب الطائفي للخروج من الأزمات والإخفاقات الداخلية".

وأكد الغانم أن "الدستور العراقي وضع في مادته السابعة أساسا قانونيا لتجريم الخطابات التي تروج للطائفية والعنصرية، ويحظر مشاركة الجهات التي تعتمد هذا النهج في العملية السياسية، لكن المشكلة تكمن في أن المروجين للخطاب الطائفي يمتلكون في كثير من الأحيان حصانة سياسية ما يجعلهم آمنين من أي ملاحقة أو عقوبة قانونية".

وأكد الغانم أن "تشريع القوانين الخاصة بتجريم الطائفة لن تكون ذات جدوى إذا لم تتبعها إجراءات رادعة تطبق على الجميع دون استثناء، لأن استمرار الإفلات من العقاب يفتح الباب مجددا أمام خطابات الفتنة، ويهدد النسيج المجتمعي العراقي".

ولفت إلى أن "الأحزاب العراقية تمارس الطائفية، لأنّ مهنتها الأساسية في الوضع السياسي الحالي هو التنافس طائفيا ومناطقيا على المناصب والمكاسب والحصص من الأموال والمنافع"، مبينا أن "جميع القوى السياسية التي تدعي تمثل مختلف المكونات العراقية تمتلك ناشطين ومدونين وإعلاميين ينشرون الخطاب الطائفي والعرقي من أجل تحقيق المكاسب السياسية".

 وبين أن "الأمر المثير للاستغراب هو عدم ملاحقة المتورطين بنشر الخطاب الطائفي حتى عبر ملاحقة المحتوى الهابط فضلا عن ملاحقتهم بجرائم التحريض الطائفي وتمزيق المجتمع العراقي والذي يجب أن يعاقب مروجيه بتهم الإرهاب وخيانة الدولة"، حسب تعبيره.