عادت نقطة الخلاف بين العراق والكويت لتمهد لأزمة مرتقبة بين البلدين على خلفية عودة ملف ترسيم الحدود البحرية بين البلدين إلى الواجهة من جديد.

ويأتي ذلك بعد تقديم رئيسي الحكومة والجمهورية العراقيين طعنين منفصلين في 15 نيسان الماضي لقرار المحكمة الاتحادية العليا الرافض لاتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله بين الدولتين والذي تم التوقيع عليه عام 2013 خلال حكومة نوري المالكي، وما رافق ذلك من دعوات عراقية رسمية وشعبية لإلغاء الاتفاقية ورفض التنازل عن الخور للكويت كونه يقع ضمن الحدود المائية العراقية بحسب القرارات الأممية.

وعلى خلفية الطعن المقدم من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني ورئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد بقرار المحكمة الاتحادية اتهم عدد من أعضاء البرلمان، السودانيَّ بالتدخل لعرقلة تنفيذ قرار المحكمة الاتحادية القاضي بإلغاء اتفاقية خور عبد الله المبرمة مع الجانب الكويتي.

وأعلن النواب عزمهم تقديم شكوى رسمية ضد رئيس الوزراء إلى الادعاء العام، على خلفية ما وصفوه بمخالفة قانونية لقرار صادر عن أعلى سلطة قضائية في البلاد.

ومطلع الأسبوع الجاري، طالب النائب عامر عبد الجبار بتحريك شكوى جزائية ضد رئيس الوزراء لعدم موافقته على إيداع قرار المحكمة الاتحادية، حول إلغاء اتفاقية خور عبد الله، مدار البحث لدى الأمم المتحدة والمنظمة البحرية IMO.

شعبيا، نظم شيوخ عشائر البصرة بالتعاون مع مؤسسة البحريين العراقية وبمشاركة جمعية صيادي الأسماك والاتحادات والنقابات وقفة احتجاجية رفضاً لمساعي المصادقة على اتفاقية الملاحة البحرية في خور عبد الله العراقي، مجددين مساندتهم لقرار المحكمة الاتحادية الرافض لنص الاتفاقية.

وقال الشيخ يعرب المحمداوي: إن "جماهير البصرة وعشائرها ترفض المحاولات الرامية لتجديد العمل في اتفاقية تنظيم الملاحة في قناة خور عبد الله، كما ترفض إعادة إحيائها بشكلها القديم أو الجديد والتي تمس بحقوق العراق التاريخية وهي تمثل الطعن المباشر لكرامة الوطن وسيادته غير القابلة للمساومة".

وطالب المحكمة الاتحادية بـ"الثبات على هذا الموقف الصلب ورفض أي محاولة للالتفاف على المفردات وإعادة تسميتها لغرض تفعيلها والتوقف عن أي مساع لتسويق هذه الاتفاقية المشبوهة تحت أي ذريعة كانت"، محذرا من "تجاهل موقف أبناء الشعب الرافض إلى هذه الاتفاقية"، ومنوها إلى أنها "معركة مصيرية وحق في سيادة العراق وكل من يتنازل عن هذا الحق أو يساوم عليه سينال لعنة الأجيال والتاريخ"، حسب قوله.

واتفاقية خور عبد الله أو اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله هي اتفاقية دولية بحرية بين العراق والكويت، صودق عليها في بغداد في تشرين الثاني 2013، وتضمنت في المادة السادسة منها أنه "لا تؤثر هذه الاتفاقية على الحدود بين الطرفين في خور عبد الله المقررة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم (833) لسنة 1993".

وأثارت هذه الاتفاقية جدلاً كبيرًا في العراق، إذ رأى فريق من السياسيين العراقيين أن رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي قد تنازل عن جزء من خور عبد الله الذي يعد الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، وأن التقسيم جاء بالتنصيف، وليس بناء على خط التالوك، أي أعمق ممر يُسمح للملاحة البحرية فيه.

وفي 4 أيلول 2023، أعلنت المحكمة الاتحادية العليا قرارها بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله مع الكويت، وأكدت أنها قررت الحكم بعدم دستورية قانون تصديق الاتفاقية بين حكومة جمهورية العراق، وحكومة دولة الكويت بشأن تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله رقم (42) لسنة 2013، لمخالفة أحكام المادة (61/ رابعًا) من دستور جمهورية العراق التي نصت على أن (تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يُسَّن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب".

وتعد النقطة 162 التي توقف عندها ترسيم الحدود الدولية الصادر من مجلس الأمن في عام 1993 برقم 833، والذي عدّ خور عبد الله خطاً حدوديّاً بين الدولتين، ويقع خور عبد الله شمال الخليج العربي بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين، وشبه جزيرة الفاو العراقية.

وقال القاضي والوزير السابق وائل عبد اللطيف في تصريح صحفي: إن "اتفاقية خور عبد الله بين العراق والكويت تشوبها مخالفات قانونية ودستورية جسيمة"، مشدداً على أن "قرار المحكمة الاتحادية بشأن الاتفاقية سليم بنسبة 100% ولا يمكن الطعن فيه، باعتباره قراراً باتاً وملزماً للجميع".

وأوضح أن "خور عبد الله عراقي صرف ولا علاقة للكويت به مطلقاً"، مشيراً إلى أن "جلسة البرلمان التي شهدت التصويت على الاتفاقية لم تكن قانونية، إذ لم يكن هناك نصاب قانوني كافٍ، حيث بلغ عدد النواب الحاضرين ما بين 75 إلى 80 نائباً فقط".

وأضاف أن "الوزيرين العراقيين اللذين وقّعا على الاتفاقية لم يكونا مخولين من الدولة لإبرامها"، مؤكدا أن "ذلك يشكل خرقاً دستورياً واضحاً".

وأشار إلى أن "الطعن الذي تقدّم به رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بشأن هذا الملف يتضمّن مخالفات دستورية وقانونية، خاصة وأن المحكمة الاتحادية قد حسمت هذا الموضوع وأعادت الأمور إلى مسارها الصحيح".

وردا على ما يجري في العراق بشأن اتفاق تنظيم الملاحة في خور عبد الله، قال وزير خارجية الكويت عبد الله اليحيا، إن "قيام الدولة العراقية بالطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا ببغداد، على قرار الدولة السابق الذي أدى إلى أبطال تصديق اتفاقية خور عبد الله بين العراق والكويت، هو شأن عراقي داخلي".

وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لسنة 1993، فقد تم تقسيم خور عبد الله مناصفة بين العراق والكويت، فالحدود تبدأ من العلامة 107 إلى 110 وتمثل خط الساحل بين الجانبين، أي تكون المياه للعراق واليابسة للكويت، ومن النقطة 111 إلى 134 هو خور شيطانة، وتمثل خط التالوك لمجرى الينابيع العذبة، وبالتالي أصبح المجال البحري للعراق أكبر من مجال الجانب الكويتي، ومن النقطة 134 إلى 162 هو خور عبد الله، ويكون مناصفة بين العراق والكويت، أي الجزء الشمالي للعراق والجنوبي للكويت، فيما ترك القرار، ما بعد العلامة 162، ولم يرسمها، ورهن تحديدها بمفاوضات بين العراق والكويت.

إلى ذلك، كشفت رئيسة لجنة الاتصالات النيابية زهرة البجاري عن حراك برلماني لاستجواب عدد من المسؤولين التنفيذيين للوقوف على تفاصيل دقيقة بشأن ملف ميناء خور عبد الله، في ظل الغموض الذي يكتنف بعض الجوانب.

وكشف الخبير القانوني زهير ضياء الدين عن الخيارات التي يمكن من خلالها معالجة الموقف في حال لم تقبل المحكمة الاتحادية الطعون المقدمة من قبل رئيسي الجمهورية والوزراء بشأن إلغاء الاتفاقية.

وقال ضياء الدين إن "مجموعة من الخيارات يمكن من خلالها معالجة الإشكالية المتعلقة ببطلان الاتفاقية ومنها أن يعاد عرضها على البرلمان للتصويت مجددا وهذا يجب أن يتم بأغلبية الثلثين".

وأضاف أن "الخيار الثاني فيتمثل بالجلوس والتفاوض مع الكويت مجددا يمكن من خلاله التوصل إلى صيغة جديدة ترضي الطرفين لحل الإشكالية"، مبينا أن "الخيار الثالث هو أن تلجأ الكويت للمحاكم الدولية وتطعن بموقف العراق وتنتظر ما الذي سيحكم به القضاء الدولي".

وأكد الخبير في الحدود الدولية جمال الحلبوسي امتلاك العراق وثائق مهمة تدين الكويت بالتجاوز على المياه العراقية في خور عبد الله.

وكشف الحلبوسي في تصريح صحفي عن ضغوطات ورشاوى قدمت من الجانب الكويتي وبعض الأطراف العراقية للجنة الخاصة بترسيم الحدود من أجل التنازل عن أجزاء مهمة في حدوده المائية مع الكويت.

ودعا الخبير العراقي رئيس الوزراء إلى "عدم التنازل عن حقوق العراق في خور عبد الله، كما وجه دعوة للمحكمة الاتحادية للبقاء على موقفها وعدم قبول الطعون المقدمة بشأن بطلان اتفاقية تنظيم الملاحة في الخور"، فيما حذر من أن "التراجع عن قرار المحكمة الاتحادية يعني فقدان العراق لمنفذه المائي الوحيد على الخليج العربي حيث سيمكن ذلك الكويت من غلق المجال المائي أمام العراق".

ولفت إلى أن "الوثائق التي يمتلكها العراق تؤكد حق العراق في خور عبد الله وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي لعام 1993،" مبينا أنه "تقدم بهذه الوثائق لبعثة الأمم المتحدة في العراق خلال حقبة جنين بلاسخارت"، وأشار إلى أن "البعثة أكدت أن العراق يتعرض لظلم كبير من الجانب الكويتي في هذا المجال".

من جانبه يؤكد الخبير القانوني العراقي علي التميمي إن الاتفاقية أصبحت ملغاة من الجانب العراقي لأن قرارات المحكمة الاتحادية باتة وملزمة لكافة السلطات.

وقال التميمي إن "قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق بات وملزم للسلطات كافة، وبالتالي أصبحت الاتفاقية المذكورة ملغاة من جانب واحد وهو العراق".

وأوضح التميمي أن الاتفاقية الموقعة بين العراق والكويت عام 2012 لترسيم الحدود البحرية في خور عبد الله، صادق عليها العراق بالقانون رقم 42 لعام 2014"، لافتا إلى أن "المحكمة الاتحادية تراقب مدى دستورية القوانين من عدمها، حيث أن القانون رقم 42 الذي تم بموجبه المصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود قبل صدور القانون 35 عام 2015 الخاص بعقد الاتفاقيات العراقية والذي اشترط موافقة ثلثي البرلمان على أي اتفاق، وبالنتيجة فإن هذه الاتفاقية تعد من وجهة نظر المحكمة الاتحادية غير دستورية".

وأضاف أن "المادة 14 من الاتفاقية تنص على أنه في حال حدوث أي إشكالية في التطبيق أو التفسير فإنه يتم اللجوء إلى محكمة البحار، وبالتالي قد يرفع الأمر إلى المحكمة المذكورة للفصل في الموضوع"، مبينا أن الكويت وبعد إلغاء الاتفاقية من قبل العراق، يمكنها اللجوء إلى محكمة البحار لتقديم أدلتها وكذلك يمكن للعراق اللجوء لهذه المحكمة التي سيكون قرارها نافذا على الطرفين".

وترجع تسمية خور عبد الله بحسب المؤرخين إلى الصياد العراقي البصري عبد الله التميمي، حيث سميت هذه المنطقة باسمه كونه كان كبير الصيادين في المنطقة.