على الرغم من تبني الحكومة العراقية شعار سحب القوات الأمريكية من البلاد، إلا أن معظم التوقعات تشير إلى أن هذا الانسحاب لن يكون قريباً، في ظل المعلومات التي تفيد بطلب بغداد من واشنطن تمديد بقاء قواتها على خلفية التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط.
ويبدو أن وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، والتغيرات التي شهدتها سوريا ولبنان مؤخراً، وتراجع النفوذ الإيراني عقب أحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر، بالإضافة إلى خطة واشنطن الجديدة للسيطرة على غزة، كلها عوامل تدفع العراق للتراجع عن مطالبه السابقة بسحب القوات الأمريكية من أراضيه.
ومؤخراً، أكد المتحدث الرسمي باسم الحكومة، باسم العوادي، عدم وجود أي تغييرات في توقيتات انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق.
وقال العوادي في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة" إنه "لا تزال التوقيتات المتفق عليها بين العراق وقوات التحالف الدولي، التي صدرت عن اللجنة العسكرية العليا، قائمة ولم تطرأ عليها أي تغييرات حتى الآن".
جاء تأكيد المتحدث باسم الحكومة رداً على تقارير أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية تلقت طلباً من الحكومة العراقية لتمديد بقاء القوات الأمريكية، والتخلي عن الاتفاق المعقود بين واشنطن وبغداد، والذي ينص على انسحاب القوات الأمريكية بحلول شهر أيلول / سبتمبر المقبل كمرحلة أولى.
كما أكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية، حسين علاوي، أن العراق ماضٍ في تنفيذ الاتفاق الموقع مع التحالف الدولي والجانب الأمريكي بشأن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وإنهاء مهمة التحالف الدولي العسكرية.
ومع ذلك، كشف علاوي عن توجه عراقي لإقامة علاقات دفاعية ثنائية مع الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ودول كبرى أخرى، إضافة إلى التحالف الدولي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأوروبي.
وأوضح في لقاء صحفي تابعته "الساعة" أن "المعلومات التي تحدثت عن طلب العراق بقاء القوات الأمريكية مشوشة وغير دقيقة والعراق ملتزم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً بشأن الانسحاب، وفي الوقت ذاته يعمل على إقامة علاقات دفاعية ثنائية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي".
في السياق ذاته، بين عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، علي البنداوي: أن "الحكومة ماضية في تنفيذ الاتفاق المتعلق بإخراج قوات التحالف الدولي وفقاً للتوقيتات الزمنية المتفق عليها".
وأضاف أن "اللجنة تتابع عن كثب مستقبل قوات التحالف الدولي، وتؤكد أن القوات الأمنية العراقية بجميع صنوفها وتشكيلاتها على أتم الاستعداد ولا حاجة لأي قوات أجنبية وفي الوقت نفسه علاقتنا مع الولايات المتحدة تظل أمنية بامتياز".
وأشار البنداوي إلى أن "الجانب العراقي ناقش خلال الاجتماعات مع الأمريكيين في واشنطن وبغداد عدة نقاط تتعلق بالعلاقة الثنائية، منها الإبقاء على بعض الاتفاقيات الأمنية أو ما يسمى الاتفاقية الإطارية للمساعدة والمشورة والتدريب والتعاون العسكري".
من جانبها، أكدت وسائل إعلام عالمية أن الحكومة العراقية طلبت تمديد بقاء القوات الأمريكية في العراق خلال الفترة المقبلة، بسبب عوامل عدة أبرزها الأوضاع غير المستقرة في سوريا والخشية من عودة نشاط تنظيم "داعش".
وذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أن التغيير في المواقف العراقية لم يقتصر على الجانب الحكومي فقط، بل شمل أيضاً الفصائل المسلحة المقربة من إيران، التي طالما أصرت على إخراج القوات الأمريكية من العراق.
وفي تعليق على تضارب المعلومات بشأن تمديد مهام القوات الأمريكية، أكد الباحث في الشأن السياسي، عقيل عباس، أن النظام السياسي والطبقة السياسية في العراق يرغبان في بقاء القوات الأمريكية للعديد من الأسباب.
وقال عباس في حديث لشبكة "الساعة" إن "رغبة الطبقة السياسية في بقاء القوات الأمريكية ترتبط بعوامل داخلية أكثر من ارتباطها بالعوامل الأمنية والتهديدات الخارجية مثل داعش وسوريا".
وأضاف أن "العامل الأهم وراء هذه الرغبة هو قلق النظام العراقي من أن يكون هدفاً محتملاً للولايات المتحدة، لذا يسعى إلى إبقاء القوات الأمريكية كنوع من التحالف والصداقة بين الطرفين".
وأشار إلى أن "الطبقة السياسية العراقية تحاول من خلال هذا الطلب تجنب العقوبات أو الاستهداف الأمريكي في ظل التصعيد الإقليمي، خاصة أن الأسابيع المقبلة قد تشهد تطورات بشأن الموقف الأمريكي النهائي من التعامل مع الملف الإيراني، مما قد ينعكس على العراق بحكم النفوذ الإيراني الواسع فيه".
وأوضح عباس أن "الضغوط السياسية والأمنية التي كانت تُمارَس سابقاً من قبل الفصائل المقربة من إيران للمطالبة بإخراج القوات الأمريكية قد تلاشت اليوم".
وبين أن "أحد الأسباب وراء احتمالية بقاء القوات الأمريكية هو الأنباء حول تشكيل مركز عمليات مشترك بين إيران والفصائل العراقية بهدف إعادة النفوذ الإيراني في سوريا، وهو ما ترفضه واشنطن، ما قد يدفعها للإبقاء على قواتها في العراق وسوريا".
في سياق متصل، استبعد الباحث في الشأن السياسي، عادل كمال، إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق في المستقبل القريب، سواء طلبت الحكومة العراقية ذلك أم لم تطلب.
ولفت كمال لشبكة "الساعة" إلى أن "واشنطن اتخذت قراراً بعدم سحب قواتها من العراق، لكنها قد توافق على سحب بعض الوحدات مع الإبقاء على أخرى تحت مسمى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين".
وأوضح أن "الموقف الرسمي العراقي يحاول إيجاد صيغة توازن بين الضغوط الإيرانية من جهة، ومتطلبات العلاقة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، لاسيما في ظل الضغوط التي تمارسها الفصائل المسلحة المقربة من إيران".
وفي وقت سابق، أكدت وكالة "أسوشيتد برس" أن "سقوط نظام الأسد، الحليف الرئيسي لإيران، أضعف نفوذ طهران في المنطقة، مما جعل الجماعات المتحالفة معها في العراق تشعر بالقلق".
وأردف أن "الكثيرين في العراق يخشون من عودة تنظيم داعش في حال حدوث فراغ أمني، خاصة مع استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا".
كما نقلت الوكالة عن مسؤول رفيع المستوى في جهاز الأمن الوطني العراقي قوله: "ليس من مصلحة العراق حالياً طلب انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي، خاصة في ظل تراجع الأصوات التي كانت تطالب بالانسحاب"، مبيناً أن "احتمالية انسحاب القوات الأمريكية هذا العام ضئيلة جداً".
من جهتها، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي تحدثت فيه عن إمكانية بقاء القوات الأمريكية لفترات طويلة في العراق، رغم الاتفاق بين بغداد وواشنطن على انسحاب معظم هذه القوات بحلول نهاية عام 2025.
وقالت الصحيفة إن "الأوضاع المضطربة في سوريا أثارت تساؤلات حول مستقبل المهمة الأمريكية في العراق، والذي يعتبر مركزاً أمنياً ولوجستياً لعمليات مكافحة الإرهاب في كلا البلدين".
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وعراقيين إشارات إلى "إمكانية تمديد بقاء القوات الأمريكية حتى عام 2026، مؤكدةً أن "هناك تحولاً في موقف المسؤولين العراقيين بشأن الانسحاب المحتمل، وقد يطلب العراق رسمياً تمديد بقاء هذه القوات مع اقتراب موعد الانسحاب".
وتنشر الولايات المتحدة حالياً نحو 2500 جندي في العراق، ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، والذي يضم أيضاً قوات من دول أخرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام