بدأت في إيران يوم الجمعة الماضي المراسم التمهيدية لتشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الذي قُتل بضربة جوية أمريكية استهدفته في العاصمة طهران في الـ 28 من شهر شباط الماضي، ومن المقرر أن تنقل مراسم التشييع من إيران إلى العراق يوم الأربعاء المقبل الموافق 8 تموز الجاري.

ومن المقرر أن تقام مراسم التشييع الرئيسية اليوم الاثنين 6 تموز، حيث ينطلق موكب الجنازة عند الساعة السادسة صباحاً، ويسير لمسافة تقارب 10 كيلومترات، تبدأ من ساحة الإمام الحسين وصولاً إلى ساحة آزادي في العاصمة طهران، وفي الثلاثاء 7 تموز، يُنقل الجثمان إلى مدينة قم، ثم يغادر الجثمان إيران في الأربعاء 8 يوليو/تموز متوجهاً إلى مدينة النجف العراقية، حيث تُقام مراسم استقبال رسمية بحضور رئيس الوزراء العراقي وكبار المسؤولين الحكوميين والقيادات الدينية، قبل أن يتجه موكب التشييع إلى مرقد الإمام علي عليه السلام.

ومن النجف ينقل جثمان خامنئي بواسطة مروحية إلى مدينة كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين عليه السلام، قبل إعادته جواً إلى إيران لاستكمال مراسم التشييع، حيث من المقرر اختتام المراسم يوم الخميس المقبل بدفن المرشد السابق في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد، التي تُعد من أبرز المدن المقدسة لدى الشيعة، وهي أيضاً المدينة التي وُلد فيها.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني العراقية إنهاء التحضيرات والإجراءات الأمنية اللازمة لتأمين مراسم تشييع المرشد الإيراني في العراق، وأكد مسؤول الخلية اللواء سعد معن وضع خطة أمنية متكاملة بمشاركة مختلف الوزارات والمؤسسات والأجهزة الأمنية والخدمية لتأمين الخدمات اللازمة للمشاركين بالتشييع، وأشار إلى عدم وجود حظر للتجوال أثناء مراسم التشييع، باستثناء إغلاق بعض الطرق في مدينتي النجف وكربلاء والتي سيمر منها موكب التشييع.

وبالتزامن مع التحضيرات الخاصة داخل العراق، أعلنت العديد من المحافظات العراقية ومنها العاصمة بغداد ومحافظات ذي قار وميسان والمثنى والبصرة إلى جانب كربلاء والنجف تعطيل الدوام في مؤسسات الدولة يوم الأربعاء المقبل بالتزامن مع مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق في العراق.

تساؤلات ومواقف متباينة

وأثار موضوع تشييع جثمان المرشد الإيراني في العراق العديد من التساؤلات لدى الشارع العراقي، عن الفحوى والسبب من التشييع داخل العراق، كما مثل الأمر موضع خلاف في الداخل العراقي بين مؤيد ومرحب للتشييع، وآخر رافض ومعارض، فالمؤيدون يرون في خامنئي القائد والإمام الذي دافع عن الأمة والدين ووقف بوجه المشروع الأمريكي والإسرائيلي، بينما يرى المعارضون أن مقتله وتشييعه أمر داخلي إيراني لا ينبغي زج العراق به، على أعتبار أن نقل التشييع للداخل العراقي يدل على هيمنة النفوذ الإيراني، واتخاذ الأرض العراقية ساحة للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما يعتبر الرافضون خامنئي والقيادات الإيرانية مسؤولة عن تدهور الأوضاع العراقية بعد 2003، ويحملونهم مسؤولية قتل نحو 200 ألف عسكري عراقي خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، بحسب وصفهم.

قبل الحديث عن سبب إجراء التشييع في العراق وأبعاده أن كانت دينية أو سياسية، تجدر الإشارة إلى أن المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ورغم أنه يملك هذا المنصب بصفته كمنصب سياسي يقود جميع السلطات في البلاد، إلا أنه في الوقت ذاته يعد المرجع الديني الأعلى في إيران، كما أن العديد من الجهات العراقية لاسيما القريبة من طهران تتبع وتقلد المرشد خامنئي وتعده مرجعها الأعلى دون المراجع الدينية الموجودة في العراق.البعد الديني

البعد الديني

يؤكد الشيخ علي الدراجي رئيس المؤسسة العامة للقرآن والعترة في العراق أن تشييع خامنئي في العراق يندرج ضمن المفهوم الإسلامي الذي ينظر للتشييع على أنه شعيرة دينية مهمة، وأشار إلى أن نقل جثمانه إلى المراقد الدينية المقدسة في كربلاء والنجف يأتي ضمن الرؤية الدينية التي تؤمن بأن زيارة المراقد مستحبة وخاصة مراقد أئمة آل البيت عليهم السلام وفي مقدمتهم الإمامين علي والحسين عليهما السلام.

وقال الدراجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "التشييع بشكل عام لدى المسلمين يمثل شعيرة دينية مهمة وعلامة من علامات المؤمن بتوصية النبي الكريم عليه السلام وكذلك بتوصية الأئمة ومنهم الإمام الرضا".

وأضاف: أن "التشييع هو شعيرة إسلامية أكثر من كونه تقليدا مؤقتا أو عابرا، وأشار إلى أن التركيز على التشييع يحظى باهتمام الشريعة الإسلامية فكيف إذا كان الرجل المتوفى هو ليس بالرجل العادي، فهو مرجع من مراجع الدين وآية من آيات الله جمع بين العلم والدين والجهاد والعطاء، ما يستوجب على كل مسلم ومسلمة المشاركة في هذه الجنازة وهذا التشييع والمطالبة بالتأكيد على حق خامنئي في الدفاع عن نفسه وبلده والمطالبة بأخذ الثأر ممن ارتكب جريمة قتله".

وتابع: أن "زيارة المراقد المقدسة سواء للأحياء أو المتوفين، إجراء معمول به لدى المسلمين السنة والشيعة، وهو مستحب وفيه أجر وثواب للزائر والذي يتم إحضاره إلى المراقد، ولا سيما إذا كانت تلك المراقد هي لأئمة آل البيت، لكنها لا تصل إلى حالة الوجوب وتبقى في حكم الاستحباب".

البعد السياسي

يرى أستاذ العلاقات الدولية والمختص بالشأن الإيراني فراس إلياس أن تشييع خامنئي في العراق يحمل بعدين مختلفين، أحدهما ديني والآخر سياسي ولا يمكن الفصل بينهما لأن الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 قامت على دمج الشرعية الدينية بالشرعية السياسية.

وقال إلياس في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من الناحية الدينية، لا يوجد في الفقه الشيعي تقليد أو التزام يقضي بأن يُشيَّع المرجع أو الولي الفقيه خارج بلده، أو أن يُنقل جثمانه إلى دولة أخرى لإقامة مراسم تشييع، إذ جرت العادة أن يُدفن كبار المراجع في المدن التي توفوا فيها أو في مدن مقدسة مثل النجف أو قم إذا أوصوا بذلك، وأوضح أن تشييعهم في أكثر من دولة ليس جزءًا من طقس ديني ثابت، لذلك فإن إقامة مراسم التشييع في العراق لا يمكن أن يُعد تقليدًا دينيًا ملزمًا بحد ذاته".

الرسائل الإيرانية

أما من الناحية السياسية، فأشار إلياس إلى أن "تنظيم مراسم تشييع واسعة في العراق، ولا سيما في النجف أو كربلاء، سيكون ذا دلالات تتجاوز البعد الديني فمن منظور طهران، قد يحمل عدة رسائل، أبرزها التأكيد على أن القيادة الإيرانية لا تستند إلى الشرعية الإيرانية الداخلية فقط، بل إلى امتداد ديني وسياسي عابر للحدود، وإظهار أن العراق لا يزال يمثل المجال الحيوي الأهم للنفوذ الإيراني، وأن العلاقة بين البلدين لم تتأثر بالتحولات الإقليمية أو الضغوط الغربية، وتوجيه رسالة إلى الولايات المتحدة وحلفائها بأن النفوذ الإيراني في العراق ما زال يمتلك قاعدة اجتماعية وسياسية قادرة على الحشد والتعبئة، إضافة إلى تكريس صورة أن مشروع محور المقاومة يمتلك عمقًا يتجاوز حدود الدولة الإيرانية".

التشييع يضع العراق أمام معادلة معقدة

وأضاف الخبير في الشأن الإيراني: أن "العراق في المقابل، سيكون أمام معادلة معقدة، فإذا جرى التشييع بوصفه نشاطًا دينيًا محدودًا، فمن الصعب أن يثير أزمة كبيرة، أما إذا تحول إلى استعراض سياسي واسع تشارك فيه مؤسسات الدولة أو الفصائل المسلحة، وتُرفع فيه شعارات ذات طابع سياسي أو معادٍ للولايات المتحدة، فإن ذلك قد يُفسَّر في واشنطن على أنه مؤشر على استمرار هيمنة النفوذ الإيراني داخل العراق".

ولفت إلى إمكانية أن "يسبب التشييع حرجًا سياسيًا لبغداد، لكن حجم هذا الحرج يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، الأول يتمثل بمستوى المشاركة الرسمية العراقية وهل تقتصر على بروتوكول دبلوماسي، أم تتحول إلى مشاركة حكومية واسعة؟ أما الثاني فيتمثل بطبيعة مراسم التشييع وهل تبقى ذات طابع ديني، أم تتحول إلى منصة سياسية تعبّر عن مواقف إقليمية؟ أما الثالث فيتمثل بالظرف السياسي والإقليمي، فإن جاء التشييع في مرحلة حساسة من العلاقات العراقية-الأمريكية، أو قبيل زيارة رسمية إلى واشنطن، فإن كلفته السياسية ستكون أعلى".

وتوقع إلياس أن "تحاول الحكومة العراقية إبقاء المراسم ضمن الإطار الديني والشعبي، مع تجنب منحها طابعًا رسميًا واسعًا، لأن بغداد تدرك أن أي انطباع بأنها تتبنى حدثًا سياسيًا إيرانيًا قد ينعكس سلبًا على علاقاتها مع الولايات المتحدة وشركائها الغربيين".

وختم حديثه قائلا: إنه "من زاوية تحليلية أوسع، قد لا يكون الهدف الإيراني مقتصرًا على تشييع شخصية دينية، بل توظيف الجغرافيا العراقية لإظهار أن النفوذ الإيراني ما زال يمتلك عمقًا إقليميًا رغم الضغوط الدولية، وهذه الرسالة، إن قُرئت في واشنطن، ستكون ذات دلالة سياسية أكثر منها دينية".