حينما تقلع طائرة من مطار الملكة علياء في عمّان، في طريقها نحو الغرب، لا بد لها من أن تحلق فوق مدينة القدس المحتلة، وإن صادفت تلك الرحلة منتصف النهار، فإن ركاب الطائرة سيتمكنون من مشاهدة قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى، خصوصاً حينما تضرب الشمس الألواح النحاسية المذهبة التي تكسو القبة، تلك الألواح التي وضعت ضمن برنامج الإعمار الهاشمي الثالث للمسجد الأقصى، هذا الإعمار الذي لم يكن آخر مشاريع الرعاية الهاشمية.
تعتبر العائلة الهاشمية الحاكمة في الأردن، أن وصايتها ورعايتها للأماكن المقدسة في مدينة القدس المحتلة، خطاً أحمر لا يخضع لأي عملية تفاوض أو تسوية يمكن أن تكون في ملف الصراع العربي الإسرائيلي.
ووصل التوتر السياسي في المنطقة إلى مرحلة خطيرة، حينما طرحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب عام 2018، مشروع حل للصراع عرف باسم "صفقة القرن"، تسربت منه رائحة المس بالوصاية الهاشمية على المقدسات، ويقول مراقبون إن العاهل الأردني تمكن من تبطيئ تنفيذ هذه الصفقة إلى حين رحيل ترمب.
وتعتبر الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة، جزءاً من شرعية العائلة الحاكمة في الأردن، التي كانت في أساسها مستمدة من رعايتها لمكة المكرمة.
وفي شهر آذار/ مارس 2013، وقع عاهل الأردن عبد الله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اتفاقاً وصف بأنه "تاريخي"، أعيد فيه التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة، "وأن جلالة الملك هو صاحب الوصاية.. وله الحق في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها، خصوصاً المسجد الأقصى"، المعرف في الاتفاقية على أنه كامل الحرم القدسي الشريف.
ومع تطور الجدل، الذي رافق محاولة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، فرض مشروع "صفقة القرن"، برزت تحليلات تتحدث عن أن دولا إقليمية تحاول أن تنافس الهاشميين في الأردن وصايتهم على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، وظلت هذه التحليلات محل جذب وشد، إلى أن خرج الأمير السعودي تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة الأسبق في بلاده، في تصريحات مطلع شهر نيسان/ أبريل الجاري، يؤكد فيها أن "ما يجري تداوله في حول رغبة المملكة (العربية السعودية) بالحصول على وصاية القدس، شائعات.. إسرائيل هي من تروج لمثل هذه الأمور، التي هي أمور عارية عن الصحة"، بحسب ما نقله عنه تلفزيون "آر تي" الروسي.
مشاريع الإعمار الهاشمي والتصدي للرواية الصهيونية
منذ بداية تجهيز الحركة الصهيونية الرأي العام العالمي لإعلان قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين، واجه الهاشميون، الذين كانوا قد بدأوا تجهيز ثورتهم ضد العثمانيين، الرواية الصهيونية التي تزعم أن المسجد الأقصى شيد فوق "هيكل سليمان".
وفي عام 1922 تم تأسيس "المجلس الإسلامي الأعلى" في مدينة القدس، وتقول وثائق هذا المجلس، أن الشريف حسين بن علي، تبرع بمبلغ 50 ألف ليرة ذهبية لإعمار المسجد الأقصى، بيما كان مازال شريفاً على مكة. ويقول مؤرخون مقدسيون، إن ذلك التبرع في حينها اعتبر أول إعمار هاشمي للمسجد الأقصى تبعه إعمارين آخرين، مثل ثلاث مشاريع إعمار للمسجد الأقصى نفذها الهاشميون في القرن العشرين.
أما الإعمار الهاشمي الثاني والثالث، فقد كانا في عهد الملك الراحل حسين بن طلال؛ حيث قام في الإعماء الثاني بتشكيل لجنة عام 1954، بموجب قانون خاص لإعمار المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي؛ حيث تم خلال الأعوام من 1956 - 1964 عمليات ترميم كبرى للمسجد الأقصى مولها الأرن إلى جانب دعم قدمته بعض الدول العربية والإسلامية، وشمل ذلك ترميم جدرانه الخارجية الحجرية، وتركيب أعمدة رخامية لأربعة أروقة في الناحية الشرقية منه، وتركيب نوافذ من الزجاج الملون، وترميم الأسقف والجدران الداخلية والخارجية.
وفي 12 آب/ أغسطس 1969، تعرض المسجد الأقصى إلى حادثة أليمة، عندما اقتحم أحد المستوطنين المسجد وأشعل النار فيه، وأدى إلى ذلك إلى تدمير معظم أجزاء المسجد الأقصى، بما فيها منبر صلاح الدين. حيث تحرك الملك حسين آنذاك وأمر بإعادة ترميم ما دمره الحريق، لتبدأ عملية الإعمار الثالثة، والذي شمل استبدال ألواح الألمنيوم المذهبة التي كانت تغطي قبة الصخرة، بألواح نحاسية عالية الكثافة مطلية باللون الذهبي منحت قبة الصخرة هيبتها الحالية.
أما الإعمار الرابع والأول في القرن الحادي والعشرين، فقد كان في عهد العاهل الأردني عبد الله الثاني؛ حيث قام بتشكيل لجنة إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة بموجب قانون.
ووضعت اللجنة خططاً للحفاظ على قباب ومحاريب ومساطب المسجد الأقصى، بما في ذلك اتمام مشروع إعادة تصميم وبناء منبر صلاح الدين الخشبي الذي كان بدأ في عهد والده.
كما تمت عملية صيانة للحوائط الجنوبية والشرقية للمسجد الأقصى، وصيانة المصلى المرواني، إضافة إلى تركيب أنظمة إنذار وإطفاء داخل المسجد، وترميم مجمل الأعمال الزخرفية والفنية.
إن الوصاية الهاشمية، التي تشرف عليها العائلة الحاكمة في الأردن، تعتبر واحدة من أهم وسائل التأثير في العالمين العربي والإسلامي، هذه الوصاية التي تحاول "إسرائيل" نزعها، حتى يتسنى لها تهويد ما تبقى من المدينة المقدسة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام