عبد الرزاق عبد الواحد (1930-2015)، الشاعر العراقي الذي لقب بـ"المتنبي الأخير" و"شاعر القادسية"، يعد من أبرز رموز الأدب العربي الحديث، وُلد في بغداد وعاش طفولته متنقلًا بين أرجاء الجنوب العراقي، حيث تأثر بطبيعته وتعمق في تفاصيله، ما انعكس على عمق وتنوع صوره الشعرية.
النشأة والدراسة
بعد سنوات قضاها في محافظة ميسان، عاد عبد الرزاق إلى بغداد وأكمل دراسته الثانوية والجامعية، حيث التحق بدار المعلمين العالية (حاليًا كلية التربية في جامعة بغداد) وتخرج منها عام 1952 وهناك عايش كبار الشعراء الذين قادوا حركة الشعر الحر، مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
هذه البيئة الأكاديمية والنخبة الأدبية أثرت فيه، لكنه ظل مرتبطًا بالقصيدة العمودية العربية، محافظًا على جرسها وأصالتها.
حياته العملية والإبداعية
عمل عبد الرزاق في التعليم، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة والإعلام، حيث تولى مناصب متعددة، من سكرتير تحرير مجلة الأقلام إلى إدارة المركز الفولكلوري، ومن عمادة معهد الوثائقيين العرب إلى إدارة المكتبة الوطنية، وترك بصمات في مجالات الثقافة المتنوعة وأسهم في تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين، مجسدًا اهتمامه بالنهوض بالحركة الثقافية.
الشعر كصوت للعراق
عُرف عبد الرزاق بجرأته الشعرية، فكتب عن الحب والوطن، وعن جراح العراق وانتصاراته، وسخّر قصائده للتعبير عن معاناة العراقيين وصمودهم، ومن أشهر أبياته قوله:
"تهب كل رياح الأرض عاصفة
والنخل لا تنحني إلا ذوائبه"
كما نجد في قصيدته "في رحاب الحسين" تجسيدًا للتضحية والصبر، حيث يقول:
"قَدِمتُ.. وَعَفْوَكَ عن مَقدَمي
حَسيراً، أسيراً، كسيراً، ظَمي"
التجربة الشعرية والتأثير الأدبي
كتب عبد الرزاق ما يزيد عن 42 مجموعة شعرية، منها عشر للأطفال، وهو يعتز بها أكثر من غيرها.
كما ترجمت أعماله إلى لغات عدة، منها الإنجليزية والفرنسية والفنلندية، وجسدت قصائده موضوعات متعددة، من الحرب إلى الأمل.
وفي إحدى مقابلاته، وصف الشعر بأنه حالة نفسية دائمة تعيش مع الشاعر، ولطالما تميز عبد الرزاق بعلاقته العميقة مع القصيدة، حيث قال إنه كتب بعضها على مخدته حينما شح الورق.
الجوائز والتكريمات
حصل عبد الرزاق على عدة جوائز وأوسمة تكريمًا لمكانته الأدبية، منها وسام "بوشكين" في مهرجان بطرسبرغ عام 1976، وميدالية القصيدة الذهبية في مهرجان "ستروكا" الشعري بيوغسلافيا، وكما نال درع دمشق عام 2008 حين كانت عاصمة للثقافة العربية، تقديرًا لإسهاماته الأدبية.
الوفاة والمنفى الأخير
في 8 نوفمبر 2015، فارق عبد الرزاق الحياة في أحد مستشفيات باريس بعد معاناة مع المرض، ودُفن في عمان حيث تمنى أقرباؤه أن يُنقل جثمانه إلى بغداد يومًا ما، ورغم ابتعاده عن العراق في أيامه الأخيرة، بقي شعره شاهداً على انتمائه وصموده.
إرثٌ خالد
يظل عبد الرزاق عبد الواحد علامة في الشعر العربي، إذ رسم بإحساسه الدقيق صوره الفنية من نخيل العراق وحكاياته، وصنع من قصائده رمزًا للصمود، يحكي عن وطنه وجراحه وأفراحه.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام