6 سنوات مضت على سيطرة الحكومة الاتحادية في بغداد على مدينة كركوك والمناطق والعديد من المناطق المتنازع عليها، بعمليات أسمتها بغداد عمليات فرض القانون نفذت عقب توتر بين بغداد وأربيل على خلفية قيام الأخيرة في 25 أيلول 2017 بإجراء استفتاء على استقلال إقليم كردستان عن الدولة العراقية.
قبل عملية فرض القانون التي نفذت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2017 كانت كركوك تخضع لسيطرة الأحزاب والقوات الأمنية الكردية، وانتهت تلك السيطرة بفرض القوات الأمنية المركزية من الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي وجودها في كركوك.
وانتشرت قوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان في قواعد أخلاها الجيش العراقي بمحافظة كركوك عقب سيطرة تنظيم داعش عام 2014 على أجزاء واسعة من شمال وشمال شرقي العراق، حيث تولت سلطة الأمن في المدينة طوال 3 سنوات.
وقبل أحداث 10 حزيران 2014، كانت السلطة السياسية والإدارية الفعلية في كركوك للحزبين الكرديين "الاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني"، كما أن السلطة الأمنية في كركوك كانت لقوات البيشمركة والأسايش التابعة للإقليم.
بعد دخول القوات العراقية إلى كركوك، أخلى الجيش العراقي مبنى الحزب الديمقراطي الكردستاني وحوّله إلى مقر قيادة عمليات كركوك.
إدارة محافظة كركوك الحالية اتهمت الأحزاب الكردية بممارسة عمليات استهداف عنصري وقومي ضد العرب والتركمان في المحافظة.
كما اتهم المحافظ الحالي راكان الجبوري وهو من المكون العربي الأحزاب والأجهزة الأمنية في كردستان بتدمير آلاف المنازل في عشرات القرى العربية وتجريفها وتهجير أهلها إلى جانب تغيير آلاف من أبناء المحافظة وتحديدا من القومتين العربية والتركمانية.
الشهر الماضي شهدت كركوك توترا بسبب قرار حكومي بإخلاء مقر قيادة عمليات كركوك الذي يشغله الجيش العراقي وتسليمه للحزب الديمقراطي الكردستاني وهو ما أثار غضب العرب والتركمان في المحافظة التي يسكنها خليط من العرب والكرد والتركمان والمسيحيين.
أعقب تظاهرات العرب والكرد تظاهرات من الجانب الكردي تطالب بفتح الطرق التي أغلقت وعلى إثرها حصلت خروقات واستهداف للمتظاهرين الكرد أسفر عن مقتل 4 متظاهرين بحسب الجهات الرسمية.
ركز الجانب الكردي خلال الأحداث الأخيرة على عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى المقر المتقدم للقوات العراقية، وهو ما رفضه عرب وتركمان كركوك الذين أكدوا على حق الحزب الديمقراطي في العودة إلى كركوك وممارسة العمل السياسي دون المساس بمقر قيادة العمليات الذي تحول برأيهم إلى رمز لسلطة الدولة العراقية بعد أن كان مقرا لتصفية سكان المحافظة من العرب والتركمان، لاسيما بعد العثور على 3 جثث لمعتقلين من كركوك داخل المقر عقب عمليات فرض القانون.
وخلال الفترة الماضية أعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني فتح مقراته الأخرى في كركوك، ولم يبقَ سوى المقر الرئيسي للحزب سابقا والذي تتواجد فيه قيادة عمليات كركوك حاليا.
وبحسب مصادر من كركوك فإن المقر الذي أثير حوله الخلاف تعود ملكيته للدولة العراقية وتحديدا وزارة النفط، وليس ملكا خاصا لجهة معينة، ما جعل حسم موضوع متروك للقضاء العراقي.
تهدئة كردية
خلال السنوات الماضية، عمدت قيادات إقليم كردستان على وصف وجود القوات العراقية في كركوك على أنه احتلال للمحافظة.
لكن الجانب الكردي وخلال الذكرى السادسة لعمليات فرض القانون التزم الصمت على غير عادته، وهو ما يشير إلى وجود تفاهمات سياسية يمكن أن تفضي إلى حصول الجانب الكردي على وعود بعودة قريبة إلى كركوك.
وبعد مرور ست سنوات على أحداث كركوك، ما يزال العرب والتركمان في كركوك يصران على رفض عودة السيطرة الكردية على المحافظة بما فيها سيطرة قوات البيشمركة والأسايش على الملف الأمني.
في الطرف الآخر يؤكد الكرد على كردستانية هوية كركوك وأنها لن تبقى خارج سيطرة الإقليم إلى الأبد.
رفض تركماني
الجبهة التركمانية العراقية شددت على رفضها المطلق لعودة الأجهزة الأمنية الكردية إلى كركوك، لأن ذلك من شأنه عودة المحافظة إلى التوتر والتدهور الأمني والاستهداف القومي كما كان يحصل قبل عمليات فرض القانون.
وقال المتحدث باسم الجهبة التركمانية محمد سمعان في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدستور والقوانين ومنها قانون الأحزاب يضمن حق كل حزب بممارسة العمل السياسي في المحافظات العراقية ومن بينهم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لا يمانع أحد عودته للعمل السياسي ولا سيما مع التحضير لانتخابات مجالس المحافظات".
وأضاف سمعان: أن "الرفض التركماني لعودة الديمقراطي الكردستاني تشمل عودته لبناية المقر المتقدم لقيادة العمليات المشتركة في كركوك فقط"، مبينا أن البناية شاغرة من قبل الجيش العراقي وملكية البناية تعود بين وزارتي النفط والمالية ولذلك اعترضت الجبهة التركمانية وما تزال تعترض على إخلائها من الجيش العراقي ومنحها لأي حزب سياسي.
وأكد سمعان أنه بعد عمليات فرض القانون تحولت بناية المقر المتقدم للقوات العراقية في كركوك إلى مقر مقدس ولا يمكن التخلي عنه لأنه بات يمثل هيبة الدولة العراقية وسمعة المؤسسة العسكرية العراقية.
ولفت المتحدث باسم الجبهة التركمانية ثابت ورافض لعودة الأجهزة الأمنية التابعة للأحزاب الكردية إلى كركوك ولا سيما أن الوضع الأمني في المحافظة مستقر ولا تسجل أي خروقات أمنية فيها.
تحذيرات عربية
العرب أيضا يشاركون التركمان بذات المخاوف والرفض لعودة سلطة وهيمنة الأحزاب الكردية على القرار السياسي والإداري والأمني في كركوك.
القيادي في التحالف العربي بكركوك وأحد شيوخ عشائرها برهان العاصي قال في حديث لشبكة "الساعة": إن "عرب كركوك موقفهم لن يتغير بخصوص تسليم مقر قيادة العمليات إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني".
وشدد العاصي على الرفض القاطع لعودة كركوك إلى ما قبل عمليات فرض القانون، مبينا أن ممارسات الأحزاب الكردية هي من جعلت العرب يتحفظون على عودتها بالشكل الذي كانت عليه.
وأوضح أن الأحزاب والأجهزة الأمنية الكردية تورطت في الكثير من المخالفات والانتهاكات في كركوك، وحتى عند مغادرتها قامت بتخريب الأملاك العامة وتدمير الجسور الرابطة بين كركوك وأربيل.
وأضاف العاصي: أن "القوات العراقية متمثلة بالجيش متواجدة حاليا في مقر قيادة العمليات ولا يمكن تسليم هذا المقر إلى جهة سياسية لأن ذلك يحمل إساءة لهيبة الدولة".
وتابع: أن "الحزب الديمقراطي له الحق في العودة لكركوك لكن ليس له الحق في السيطرة الأمنية على القرار في المحافظة والذي يجب أن يبقى بيد الحكومة المركزية في بغداد".
بالمقابل يحرص الكرد على العودة إلى كركوك بنفس النفوذ الذي كان سابقا، ودائما ما يطلق الزعماء الكرد على أن الوجود العسكري العراقي في كركوك هو احتلال عسكري يجب أن ينتهي.
كركوك تشبه غزة!
الباحث والمحلل السياسي محمد زنكنة المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني أكد أن الكرد ليسوا قلقين على مستقبل كركوك بسبب ما وصفه روح التضحية التي أبدتها الجماهير الكردية في كركوك والتي ترفض الوضع الحالي في كركوك والذي يشبه الاحتلال العسكري.
وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "الجماهير مستعدة لتحقيق التغيير في كركوك، وتصحيح الأوضاع التي فرضتها الأطراف "الميليشياوية" في كركوك"، مبينا أن التريث يجب أن يكون سيد الموقف لأن الأحزاب الكردية ولا سيما الديمقراطي الكردستاني لا تريد التصعيد حاليا، مشيرا إلى أن التصعيد حاليا يمكن أن يحول كركوك إلى "غزة" ثانية لأن القوات الحالية في كركوك يمكن أن تستعمل القوة تجاه أي تظاهرات أو احتجاجات كما تفعل "القوات الإسرائيلية" تجاه سكان غزة، حسب تعبيره.
وأوضح زنكنة أن وجود الديمقراطي الكردستاني في كركوك حقيقة لا يمكن تجاهلها من خلال حصوله لوحده على ثلث عدد المقاعد في كركوك، مشيرا إلى وجود مؤشرات على عودة الحزب الديمقراطي مستقبلا إلى مقر العمليات المتقدم في كركوك ولا سيما أن المحكمة الاتحادية تركت المجال مفتوحا في هذا الشأن.
ولفت إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني عمد إلى خيار التهدئة حاليا بسبب حكمة قيادة الحزب وعدم رغبتها في التصعيد خصوصا أن الانتخابات المحلية على الأبواب.
وردت المحكمة الاتحادية الأسبوع الماضي دعوى تتعلق بالمقر المتقدم في محافظة كركوك، كما ألغت الأمر الولائي بشأنه.
وبحسب وثيقة صادرة عن المحكمة الاتحادية، فإن "المدعي النائب وصفي عاصي حسين، طلب الحكم بإلزام المدعى عليه الأول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلغاء أمر العمليات المشتركة الخاص بـنقل مقر عمليات كركوك من مكانه الحالي وتسليمه خالياً من الشواغر".
وحكمت المحكمة برد دعوى المدعي (وصفي عاصي)، لعدم الاختصاص وفقاً للصيغة المقامة بها الدعوى، وإلغاء الأمر الولائي بالعدد (213\اتحادية\2023) الصادر من هذه المحكمة بتاريخ 3\9\2023.
وكانت المحكمة الاتحادية،قد أوقفت في3 أيلول 2023 قرار رئيس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني إخلاء المقر المتقدم للعمليات المشتركة في كركوك، وتسليمه للحزب الديمقراطي الكردستاني.
ويرى الكثير من أبناء كركوك أن عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى مقر قيادة العمليات قد تكون شرارة لأحداث مقبلة وتصعيد خطير في كركوك قد يتطور إلى إعادة هيمنة الأجهزة الأمنية في إقليم كردستان على الوضع في كركوك.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام