"من المعيب أن يبقى السكان مهجرون داخل أوطانهم، والعيب الأكبر أن تجرم وتخون وتهاجم الدعوات المطالبة بحق العودة إلى الديار داخل الوطن"، هذا ما يدور على لسان سكان ناحية جرف الصخر المهجرون قسرا خارج مدينتهم منذ تشرين الأول عام 2014 ويمنعون العودة من قبل الفصائل العراقية القريبة من إيران التي تفرض سيطرتها على الجرف طيلة الفترة السابقة.
بدأت قضية جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل والواقعة جنوب العاصمة بغداد، عندما سيطر عليها تنظيم "داعش" في صيف 2014 عقب أحداث الموصل، ثم عقب استعادة السيطرة عليها من قبل القوات العراقية والحشد الشعبي في 25 تشرين الأول في ذات العام، والمشكلة بدأت بعد هذا التاريخ، حيث تفردت فصائل مسلحة تعرف بولائها لإيران بحكم الناحية والسيطرة عليها، حتى قامت بمنع القوات العراقية وكبار المسؤولين الحكوميين من دخولها منذ العام 2015 ولغاية اليوم، وحولت تلك الفصائل ناحية الجرف إلى واحد من أكبر المعسكرات التابعة للحرس الثوري الإيراني في العراق، إذ تحولت إلى مخزن كبير للصواريخ الإيرانية التي تستخدمها الفصائل، كما تحولت إلى مخازن ومصانع للطائرات المسيرة ومعسكرات للتدريب، وربما مواقع للسجون السرية بحسب بعض التقارير.
وطيلة السنوات الماضية، حاولت جهات حكومة التوسط لدى الفصائل من أجل إعادة سكان ناحية الجرف وهم من العشائر العربية السنية وأغلبهم من عشائر الجنابيين، ولكن فشلت تلك المساعي، باعتبار أن ملف جرف الصخر بيد الحرس الثوري والقيادة الإيرانية، وهو ما كشفه في وقت سابق رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.
مؤخرا أطلق النائب السابق وشيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي دعوة للحكومة العراقية لإعادة سكان ناحية الجرف المهجرين قسرا، ووصف ما يجري في الناحية من سيطرة للفصائل بأنه احتلال، وأكد أن جميع المحاولات الرامية لإعادة الأهالي فشلت بسبب إصرار الفصائل على منع عودة السكان، وشدد الجنابي على وجود وثائق بتدمير وهدم 7 آلاف منزل في ناحية الجرف بشكل كامل على يد الفصائل المسلحة، كما تحدث عن أضرار لحقت بممتلكات الأهالي ومصادر رزقهم، وعمليات قتل ونهب طالت أبناء المنطقة وممتلكاتهم.
ومع عودة ملف جرف الصخر إلى الواجهة، تتصاعد الدعوات المطالبة بإعادة النازحين إليها والذين يزيد عددهم عن 150 ألف نازح يقطنون مخيمات غير رسمية رصدتها في وقت سابق وسائل إعلام وكشفت حجم المأساة التي يعيشها النازحون في تلك المخيمات.
جرائم ضد الإنسانية
وتؤكد الأصوات المطالبة بعودة سكان جرف الصخر إلى مناطقهم على ضرورة تجريم ما تعرض له الأهالي طيلة عقد من الزمن من التهجير والتنكيل على يد الفصائل المسلحة، ويرى ذلك نائب رئيس مركز الرافدين لحقوق الإنسان عادل الخزاعي الذي شدد على أن ما حدث في الجرف جريمة مركبة تتضمن التهجير والتغيير الديمغرافي وهي ترتقي لمستوى الجرائم ضد الإنسانية.
وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "قضية تهجير أهالي جرف الصخر انتهاك خطير لحق أصيل للمواطن العراقي في العودة إلى منزله وأرضه، إذ لا يمكن أن يتحول الإجراء الأمني المؤقت إلى تهجير دائم، ولا يجوز أن تكون الفصائل المسلحة هي صاحبة القرار في تحديد من يعود ومن لا يعود".
وأضاف: أن "ما يحدث في ناحية جرف الصخر جريمة مركبة من التهجير والتغيير الديموغرافي ترتقي أن تكون جرائم ضد الإنسانية واستهداف واضح لمكون عراقي أصيل"، مبينا أن "جرف الصخر محتلة، ويحتلها الحرس الثوري الايراني وجماعة حزب الله وفيها معسكرات تدريب متقدم لعناصر الحوثي ومتدربين من البحرين والكويت وإيران، وذلك وفقا للمعلومات المؤكدة التي حصل عليه المركز".
وأشار الخزاعي إلى أن "جرف الصخر لم تعد محتلة فقط بل أصبحت خطر أمني على المستوى الإقليمي والدولي كونها قاعدة مغلقة وخارجة عن سيطرة الدولة والقوات الأمنية"، وأوضح أن "ما جرى في الناحية يحمل مؤشرات خطيرة على تطهير طائفي وتغيير ديموغرافي قسري، وأثبتت التحقيقات أن التهجير ومنع العودة كانا جزءاً من سياسة متعمدة لاستبدال سكان المنطقة، فإن الأفعال المرتكبة قد ترقى إلى جرائم دولية، بما فيها النقل أو التهجير القسري والاضطهاد".
وبشأن تجريم الدعوات المطالبة بالعودة واستهداف المطالبين بذلك، شدد الخزاعي على أن "تجريم من يطالب بإيقاف التطهير الطائفي وجريمة التهجير، يدل إن منطق الدولة غائب تماماً وأن من يحكم الآن وتحديداً في مجلس محافظة بابل هم مليشيات، لأن القوانين تُقر للحفاظ على الحقوق وليس لتبرير الجرائم".
وعلى خلفية التصريحات التي أثارها النائب الأسبق وشيخ عام عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي، قدمت الحكومة المحلية في بابل دعوى قضائية ضد الجنابي، بذريعة إثارة الفتنة وتأليب الرأي العام، كما أعقب تلك التصريحات تفاعل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي بين أغلبية تؤيد حق العودة لسكان الناحية الذين هجروا وحرموا قسرا من العودة لديارهم، وبين حسابات وشخصيات مؤدية للفصائل ومعروفة ببث الخطاب الطائفي، هاجمت الدعوات الرامية للعودة، وهاجمت الداعين لهذا الحق ووجهت لهم تهم الإرهاب، كما هو حال كل من يخالفهم الرأي.
"جريمة الجرف لم يرتبكها الصهاينة في فلسطين"
في هذا الصدد، يؤكد الكاتب والصحفي عمر الجنابي، أن الجرائم التي ارتكبت وما تزال في جرف الصخر لم يشهدها العالم من قبل، وبين أن تجريم الدعوات المطالبة بعودة الجرف ورفع الدعاوى القضائية ضدهم تمثل سابقة خطيرة لم يقدم عليها حتى الصهاينة في التعامل مع الفلسطينيين المطالبين بحق العودة إلى أراضيهم.
وفي حديث لشبكة "الساعة" حمل الجنابي الحكومات بمختلف مؤسساتها، وفي مقدمتها الفصائل المسلحة مسؤولية احتلال ناحية جرف الصخر"، وشدد على أنه "احتلال فعلي لمنطقة عراقية لم يشهده تاريخ العراق الحديث، على اعتبار أن ما يجري هو احتلال قوة عسكرية لأرض عراقية ثم تهجير أهلها ومنعهم العودة بالقوة، ثم تغيير سكان المنطقة وتوزيع مناطق الناحية كغنائم على سكان آخرين من غير سكان الناحية الأصليين".
كما حمل الجنابي: "الأجهزة الأمنية والحكومات المتعاقبة والسلطات التشريعية وحكومة بابل المحلية والمرجعيات الدينية السنية والمرجعية الدينية الشيعية في النجف والأمم المتحدة المسؤولية عن تفاقم كارثة جرف الصخر"، مبينا أن "صمت الأمم المتحدة والمرجعية في النجف والمجلس السياسي السني عن كارثة الجرف رغم تدخلهم في كل صغيرة وكبيرة حول العالم يؤكد على أنهم أيضا يتحملون مسؤولية تفاقم الأزمة وعدم حلها لغاية اليوم".
ونوه الجنابي إلى "الكارثة الأكبر في ملف جرف الصخر أن من يطالب بحل مشكلة الناحية وإعادة أهلها، يتعرضون للاستهداف والملاحقة القضائية"، وقال : إنها "سابقة خطيرة لم يشهدها العالم من قبل ولم يتعامل وفق الطريقة حتى الاحتلال الإسرائيلي مع الفلسطينيين المطالبين بحق العودة لديارهم".
تغيير ديمغرافي سكاني وإداري
ومع إصرار الفصائل المسلحة على عدم معالجة مشكلة جرف الصخر ومنع سكانها من العودة إليها، تحاول الحكومة المحلية في بابل الاستمرار بعمليات التغيير الديمغرافي الإداري من خلال التلاعب بالوضع الإداري والجغرافي لناحية الصخر، وهو ما أكده الناشط السياسي زيدون السلماني.
وقال السلماني في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لا يخفى على الجميع أن ما يحدث في ناحية جرف الصخر يتصف بالتعامل المزري والطائفي تجاه السكان الأصليين للناحية"، وبين أن "هذا التعامل الطائفي المقيت عانى منه أهالي الجرف سابقا وفي مدن التهجير، ودليل ذلك أن النازحين من الناحية يمنعون من العمل وخاصة من كان من عشيرة الجنابيين".
ولفت السلماني إلى "وجود مخطط يراد منه تغيير ديمغرافية جرف الصخر، بدأ من خلال تغيير اسم الناحية إلى جرف النصر، ثم استمر من خلال استحداث ناحية جديدة باسم ناحية سوراء المستحدثة مؤخرا، والتي تضم العديد من المقاطعات التي تم استقطاعها من ناحية جرف الصخر، وهو ما سيؤدي إلى اندثار ناحية الجرف قانونيا وإداريا في المرحلة المقبلة".
وشدد السلماني على أن "جرف الصخر لن تبقى خارج سيطرة الدولة العراقية"، ولكنه نوه إلى "ضرورة منع محاولات التغيير الديمغرافي السكاني والإداري للناحية من خلال الإبقاء على وضعها الإداري والجغرافي السابق"، محذرا من أن "بقاء الجرف خارج سيطرة الدولة يعكس مؤشرا سلبيا عن حكومة علي الزيدي التي يراقب العالم خطواتها وتنفيذ تعهداتها وخاصة في ملف حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ الجهات المسلحة الخارجة على القانون".
وعلى الرغم من أن التسريبات تشير إلى تحرك حكومي قريب في ناحية جرف الصخر، إلا أن الوعود السابقة والتخلي عن التنفيذ يدفع إلى التشكيك بجدية وقدرة الحكومة الحالية على فرض سلطتها قريبا على جرف الصخر.
وكشفت صحيفة "الشرق الأوسط" نقلاً عن مصادر عراقية عن خطة حكومية لتطويق مواقع قيادية لفصائل مسلحة وفي مقدمتها جرف الصخر بعد انتهاء مهلة حصر السلاح بيد الدولة في 30 أيلول، بهدف تقييد حركة السلاح والإمداد وإخراج الفصائل تدريجياً من مواقعها دون مواجهة مسلحة.
وبحسب المصادر السياسية فإن زيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني أجرى زيارة إلى العراق خلال اليومين الماضيين وذلك عقب ورود معلومات تفيد بتحرك القوات العراقية قريبا نحو جرف الصخر.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام