تسود المخاوف في الشارع العراقي من انهيار متواصل للدينار أمام الدولار، وذلك عقب الإجراءات الأمريكية تجاه منح الدولار للعراق وتشديد إجراءات الرقابة لمنع تسربه إلى إيران.
وخلال اليومين الماضيين ارتفعت أسعار صرف الدولار في بورصة بغداد والمحافظات لنحو 160 ألف دينار عراقي لكل 100 دولار، وسط مخاوف من استمرار الارتفاع خلال الأيام المقبلة.
نهاية الأسبوع الماضي، رفضت الولايات المتحدة طلباً من العراق للحصول على مليار دولار نقداً من البنك الاحتياطي الفيدرالي.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، عن مسؤولين أمريكيين القول: إن "الأوراق النقدية بين يدي العراقيين أصبحت مصدرا مربحا للدولارات غير المشروعة التي تعود إلى الميليشيات والسياسيين الفاسدين، وكذلك إلى إيران".
وأضافت: أنه "من خلال تقديم طلب للحصول على شحنة إضافية بقيمة مليار دولار، يقول العراق إنه يحتاج إلى الأموال للمساعدة في دعم عملته المتعثرة".
تهريب الدولار
وأشار مسؤول بارز أن "البنك المركزي العراقي قدم الأسبوع الماضي طلبا رسميا لا تزال وزارة الخزينة تدرسه، وذلك بعد ما رفضت واشنطن الطلب الأولي الذي تقدم به العراق الشهر الماضي".
لكن وزارة الخزانة الأمريكية أكدت ردا على الطلب العراقي أنها تدعم العراق بالأوراق النقدية بالدولار ولم تقيد وصوله إلى العراقيين العاديين والشركات.
وبحسب الصحيفة الأمريكية فإن "مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن أدلة دامغة بأن بعض الدولارات التي كانت تصل إلى العراق هربت نقدا على مدى سنوات إلى إيران، وكذلك إلى تركيا ولبنان وسوريا والأردن".
وتسعى واشنطن من خلال رفضها طلب منح العراق مليار دولار لتقليص تداول الدولار النقدي كي لا يتسرب إلى جهات متورطة بأعمال مشبوهة، وهو ما أكده مصدر حكومي مطلع في العراق.
ورغم الرفض الأمريكي، نفى البنك المركزي تعطل شحنات الدولار الأمريكية إلى العراق، وبحسب بيان للبنك المركزي، فإن "الدولار مازال يصل إلى العراق بحسب التوقيتات المتفق عليها، ولايوجد إيقاف أو تخفيض".
ومنذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003، تقدم الولايات المتحدة 10 مليارات دولار أو أكثر سنويا لبغداد عبر رحلات شحن نصف شهرية، وتستمد الأموال من عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة لدى بنك الاحتياطي الفدرالي، لكنها ومنذ نهاية العام الماضي اشترطت قيوداً وآليات تتيح لها ملاحقة التعامل بها إلكترونياً.
شبهات في منصة البيع
الموقف الأمريكي تجاه بغداد دفع البنك المركزي العراقي إلى حظر السلطات الحوالات الخارجية بالعملة الأميركية اعتبارا من شهر كانون الثاني المقبل.
غير أن منع تداول الدولار لن يوقف عمليات التهريب ولن يحقق السيطرة على تداول الدولار وهو ما أكده عضو مجلس النواب العراقي حسين عرب، الذي كشف عن عمليات مشبوهة في نافذة بيع الدولار من قبل البنك المركزي العراقي.
النائب حسين عرب أكد في تصريح خاص لشبكة "الساعة" أن "البنك المركزي العراقي منح قرابة 70% من مبيعات الدولار اليومية لصالح مصرف غير عراقي وهو المصرف الأهلي العراقي المملوك لبنك كابيتال الأردني العائدية".
وقال عرب إن "البنك الأهلي العراقي "الأردني" استحوذ على 70% من مبالغ التحويلات المالية عبر المنصة الإلكترونية للدولار"، مبينا أن "التحويلات المالية بالدولار من البنك الأهلي العراقي الأردني تبلغ قرابة 100 مليون دولار يوميًا، في حين إن إجمالي مبيعات العملة في مزاد البنك المركزي العراقي تبلغ نحو 165 مليون دولار يوميا".
وتابع: أن "منح 70% من مبيعات المركزي العراقي لمصرف أهلي غير عراقي، بينما يوزع 30 بالمئة من مزاد بيع العملة للمصارف المحلية العراقي يعتبر أمرا كارثيا وخطيرا".
وشدد عرب على أن هذه القضية لن يتم السكوت عليها، وسنذهب عبر الطرق القانونية والدستورية داخل مجلس النواب العراقي في الأيام المقبلة، إذا لم يحدث توضيح من خلال البنك المركزي العراقي، عن سبب استحواذ مصرف واحد على 70% من مبيعات المنصة.
وفيما يخص حصة باقي المصارف العراقية في مزاد بيع العملة، كشفت مصادر خاصة عن سيطرة مصارف محددة على عمليات بيع الدولار.
ويتكتم البنك المركزي العراقي منذ نحو عامين على أسماء المصارف المشاركة بمزاد بيع العملة الأجنبية.
تشير المصادر إلى وجود أكثر من 80 مصرفا في العراق، لكن النشرة اليومية لمبيعات البنك المركزي، تظهر أن عدد المصارف المشاركة بتلبية الطلبات النقدية يتراوح بين 5 إلى 7 مصارف فقط، فيما لايتجاوز عدد المصارف المشاركة لتلبية الحوالات الخارجية أكثر من 20 مصرفا.
وهذا يعني أن 30% فقط من إجمالي المصارف في العراق هي المهيمنة على مزاد بيع العملة من البنك المركزي العراقي، وذلك يعكس سيطرة جهات متنفذة على مزاد بيع العملة من خلال سيطرتها على تلك المصارف.
إخفاق حكومي
خبراء الاقتصاد في العراق توقعوا استمرار الفرق بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف السوق الموازي خلال المرحلة المقبلة بسبب إخفاق البنك المركزي العراقي في السيطرة على تهريب الدولار، فيما وصفوا إجراءات المركزي العراقي الأخيرة بأنها ستفاقم المشكلة وستعزز فرضية احتكار القلة للدولار.
وقال الخبير الاقتصادي عمر الحلبوسي في حديث لشبكة "الساعة" إن "رفض واشنطن منح العراق مبلغ مليار دولار نقدي دليل على انعدام ثقة واشنطن بالحكومة العراقية والبنك المركزي، وعدم التزام الجانب العراقي بالشروط التي فرضتها واشنطن لمنع تهريب الدولار لدول معاقبة والتي على أساسها قدمت الحكومة والبنك المركزي العراقي تعهدا للجانب الأمريكي بإيقاف تهريب الدولار ولكنهم لم يوفوا بذلك، فقد كشفت واشنطن عن استمرار تهريب الدولار من العراق بطرق احتيالية تمارسها المصارف ومن ثم يصل لدول معاقبة أمريكيا".
وأضاف: أن "الفيدرالي والخزانة الأمريكية يسعون لتقليل التعامل بالدولار بشكل يدوي والانتقال إلى التعامل به بشكل إلكتروني مما يسهل عملية مراقبته ومعرفة أين يذهب"، مبينا أن "التشدد الأمريكي في الشروط هو لمنع تهريب الدولار إلى الدول المعاقبة بعدما نكثت الحكومة والبنك المركزي العراقي بوعود إيقاف التهريب الدولار خارج العراق".
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن "الحكومة العراقية والبنك المركزي قدموا وعودا للجانب الأمريكي بإصلاح القطاع المصرفي ومنع تهريب الدولار, مؤكدا أن الجانب الأمريكي ونتيجة لعدم الالتزام بمنع تهريب الدولار أصبح يحمل الحكومة العراقية والبنك المركزي مسؤولية ذلك إضافة للمصارف الخاصة العاملة في العراقي وهو ما جعل واشنطن تؤشر بأن العراق غير جاد بوقف تهريب الدولار وهو ما جعلها تتشدد في قراراتها فضلا عن نية واشنطن فرض عقوبات جديدة على المصارف الخاصة".
وتوقع الحلبوسي أن "سعر الصرف في العراق سيستمر بالارتفاع وأن الفرق ما بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف السوق الموازي سيتسع بسبب التجارة مع دول معاقبة (إيران وسوريا) والتي تتم خارج المنصة مما يجعل التجار يستنزفون الدولار من السوق العراقي لتغطية تجارتهم, فضلا عن احتكار المصارف الخاصة للدولار للمضاربة به في السوق الموازي وتحقيق أرباح خيالية على حساب الأضرار بالمواطن وقيمة الدينار العراقي".
ووصف الحلبوسي قرار البنك المركزي الخاص بحظر الحوالات الخارجية بالعملة الأميركية بأنه "قرار خاطئ ويعزز من فرضية احتكار القلة للدولار"، موضحا أن "الرابح بهذا القرار هو المصارف الخاصة".
وتابع: أن "عملاء المصارف من الأفراد والشركات سيتكبدون خسائر كبيرة جراء أخذ المصارف للدولار الواصل لهم كحوالة وتسليمهم دينار بسعر الصرف الرسمي وعدم تعويض العملاء بفرق السعر، بينما الربح الأعظم هو للمصارف الخاصة التي فتح لها البنك المركزي أبوابا كثيرة لتعظيم أرباحها والتي جميعها تضر الدينار العراقي والمواطن والاقتصاد الوطني"، منوها إلى "ضرورة قيام البنك المركزي بإلزام المصارف الخاصة بالامتثال للمعايير الدولية ومنع وصول الدولار للدول المعاقبة وتجنيب العراق لهذه المشاكل".
تغيير إدارة البنك المركزي
إلى ذلك دعت أوساط برلمانية عراقية رئيس الوزراء بإجراء تغييرات عاجلة في إدارة البنك المركزي لتدارك مشكلة انهيار الدينار مقابل الدولار.
وقال النائب حيدر السلامي: إن "الحكومة تتفرج أمام انهيار الدينار وعجز البنك المركزي عن السيطرة على سعر صرف الدولار، وقيام المصارف بإجبار المواطنين على استلام ودائعهم وحوالاتهم بالدينار العراقي".
وأضاف: أن "على رئيس الوزراء الخروج عن صمته وإجراء تغييرات عاجلة في إدارة البنك المركزي وسياسته غير المهنية، وإبعاد هذه المؤسسة المهمة بعيداً عن سيطرة ميليشات الفساد والخراب".
وزاد السلامي: أن "السيطرة على الدولار تبدأ من الحدود وليس من محاربة شركات الصرافة ومصادرة حوالات المواطنين وودائعهم في المصارف".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام