تحل اليوم التاسع من نيسان الذكرى العشرون لاحتلال العراق وسقوط العاصمة بغداد على يد القوات الأمريكية.

ويستذكر العراقيون هذا الحدث في كل عام حيث تسبب الاحتلال بجرح ما يزال ينزف فيما لا توجد آمال قريبة لشفاء العراق من تداعيات الاحتلال الأمريكي.

وخلف غزو العراق قبل عقدين من الزمن أزمات عديدة، حيث يشهد العراق صراعات حزبية بهدف الاستيلاء على مقدراته، كما تراجع اقتصاده بشكل مخيف خلال السنوات الماضية.

ومن أبرز تداعيات احتلال العراق، الفساد المستشري في المؤسسات، والتدخلات الخارجية من بعض الدول، وضعف سيادة البلاد، وتحول البلاد إلى ساحة صراع دولية وإقليمية.

كما ولد الاحتلال الأمريكي للعراق ظهور تنظيمات "إرهابية" فرضت سيطرتها فيما بعد على العديد من المدن أبرزها الموصل.

ونتيجة لسيطرة داعش على المدن العراقية قتل عشرات آلاف المدنيين ودمرت أغلب البنى التحتية وما تزال المدن المنكوبة تعاني من آثار الدمار الذي خلفه التنظيم والعمليات العسكرية.

وعقب الاحتلال الأمريكي شهد العراق انتشارا واسعا للفصائل المسلحة التي ما تزال تفرض سيطرتها على المشهد السياسي والاقتصادي والامني.

وقال الناشط السياسي المقرب من الحزب الديمقراطي الكرستاني عماد باجلان إن "الوضع العراقي بعد عام 2003 اتسم بسيطرة السلاح المتفلت على مفاصل الدولة، والضغط في اتجاهات متفرقة؛ مرة لمنع قرارات مهمة من التنفيذ، وأخرى للضغط في سبيل إصدار قرارات معينة، ناهيك عن ظهور حالات علنية للتخادم مع دول مجاورة للعراق، وتحديداً إيران وسوريا".

وأضاف باجلان أن "الأوضاع المعيشية دفعت بالشباب العراقيين للقتال خارج حدود البلاد مقابل مبالغ مالية، وهو أمر مخالف للقانون والدستور".

ويبيَّن باجلان، أن "السلاح المتفلت تحكم في كثيرٍ من الأوقات الحسّاسة بالقرار العراقي، كما ساهم بتهديد شرائح كبيرة من العراق، منها الأهالي في المدن المحررة وكذلك المتظاهرون والمحتجون الذي سقطوا جرّاء هذه المليشيات".

ويشير إلى أن "الفصائل والمليشيات هددت مسؤولين كباراً في سبيل تبديل مواقفهم أو ثنيهم عن مواقف معينة، مثل رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي الذي تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة بالقصف الصاروخي (نوفمبر/تشرين الثاني 2021)".

ويلفت باجلان إلى أن "هناك فصائل عراقية ومليشيات تسيطر على أجزاء من العراق، وتمنع عودة الأهالي إليها، مثل بلدة جرف الصخر، إضافة إلى ممارسة نشاطات أمنية وعسكرية ضد البعثات الدبلوماسية والسفارات، ناهيك عن قصف مواقع في إقليم كردستان". وبرأيه، فإن ذلك يحدث "بناءً على توجيهات من خارج العراق، وهذه حالة كارثية تؤدي إلى قتل فكرة الدولة التي تسعى القوى المدنية والمثقفة إلى تثبيتها".

وللعام العشرين على التوالي تواصل الحكومات العراقية المتعاقبة حظر تصريح مؤسساتها عن أرقام أو تفاصيل خسائر البلاد جراء الاحتلال الأميركي، وما أعقبه من دوامة عنف وخراب عمت سائر بلاد الرافدين، خصوصاً فيما يتعلق بوزارتي الداخلية والصحة.

وكشف مسؤول عراقي رفيع المستوى في وزارة الداخلية في بغداد، عن أرقام جديدة للضحايا والمصابين والمختفين قسراً، وقال المسؤول في تصريح لموقع "العربي الجديد" إن "ما لا يقل عن 650 ألف عراقي قتلوا بعد عام 2005، ولغاية العام الماضي، ولا يُعلم على وجه الدقة عدد من قضى بين 2003 وحتى نهاية 2004 لأسباب معروفة تتعلق بعدم التوثيق والفوضى التي ضربت البلاد، وانهيار المؤسسات المسؤولة عن مثل هذه الأرشفة، لكن بطبيعة الحال العدد كبير أيضاً". ويكشف أن الفترة من 2005 ولغاية 2022 سجّل فيها أكثر من مليون مصاب وجريح في عموم مدن العراق.

وتتصدر بغداد ونينوى وديالى والأنبار وصلاح الدين قائمة أكثر المحافظات خسائر بشرية، تليها وواسط والبصرة. وكانت أعوام 2006، و2007 و2015، و2016 الأكثر دموية في العراق خلال العقدين الماضيين، من ناحية عدد القتلى والجرحى والمفقودين.

في المقابل فإن التقديرات تشير إلى وجود نحو 90 ألف مفقود منذ 2003، قسم منهم خلال الحرب الأميركية على العراق، وآخرون خلال موجة العنف والإرهاب التي عصفت بالبلاد خلال العقدين الماضيين، من بينهم نحو 26 ألفاً، تم اختطافهم على يد فصائل مسلحة حليفة لإيران عام 2015، خلال نزوحهم من مناطقهم. على الطرف الآخر، فإن صفحة النزوح والتهجير الداخلي والخارجي التي لم تُطو لغاية الآن، لا تزال تتفاعل سياسياً وإنسانياً.

ولا يزال قرابة مليون عراقي نازحين داخل البلاد، من بينهم 28 ألف أسرة تقيم في مخيمات ومعسكرات نزوح شمال وغرب ووسط البلاد، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود ما لا يقل عن 5 ملايين عراقي خارج البلاد منذ عام 2003. كما تتواصل ظاهرة "المدن منزوعة السكان"، التي تحتلها مليشيات وجماعات مسلحة حليفة لإيران، مثل جرف الصخر ويثرب والعوجة وعزيز بلد والعويسات، وذراع دجلة، وإبراهيم بن علي، وآمرلي، والسعدية وقرى المقدادية ومكحول وسنجار.

كما تكشف أرقام مفوضية حقوق الإنسان العراقية عن وجود "أكثر من 5 ملايين طفل يتيم في العراق". وسبق أن قال عضو مجلس أمناء المفوضية أنس العزاوي، في تصريحات منتصف العام الماضي، إنهم يعانون ويحتاجون للدعم.

في المقابل، تشير أرقام رسمية صادرة عن دائرة الحماية الاجتماعية إلى وجود أكثر من 300 ألف أرملة في بغداد وحدها، أكثر من نصفهن دون سن الأربعين عاماً، بينما يبلغ مجموعهن في عموم مدن البلاد مليونين ومائة ألف أرملة، لا يحصل أكثر من 35 في المائة منهن على المساعدات الحكومية، المعروفة بمرتبات الرعاية الاجتماعية.

وما يزال الفساد ينخر جسد البلاد، وتسبب بحالة من عدم الثقة بين الشعب والحكومات المتعاقبة في بغداد.

وعلى الرغم من أن العراق يعوم على بحر من النفط فإن ثلث سكانه البالغ عددهم 42 مليونا يعيشون في الفقر، مع ارتفاع نسبة البطالة في أوساط الشباب.

ويقول أكاديميون عراقيون، إنه "بعد عشرين عاما، فإن العملية السياسية يشوبها الفساد المالي والإداري والمحاصصات الطائفية واقتسام الموارد بين القوى المتنفذة، في وقت تعاني فيه الغالبية العظمى من العراقيين من وطأة تردي الخدمات، وشيوع ظاهرة السلاح المنفلت، والجريمة المنظمة".

في الأثناء، دعا نائب الرئيس العراقي الأسبق طارق الهاشمي (2006-2013) إلى تأسيس نظام عراقي جديد، ليس كالنظام الحالي ولا النظام السابق، بل نظام يتوافق عليه شعب العراق، ويؤسس لدولة فيها حوكمة وحكم رشيد.

وفي مقابلة مع "الخليج الجديد"، وصف الهاشمي تداعيات الغزو الأمريكي البريطاني لبلاده قبل 20 عاما بأنها كانت "كارثية"، معتبرا أنه كانت هناك مؤامرة كبيرة ساهم فيها القريب والبعيد.

وشدد الهاشمي على أن "العرب السُنة هم فقط الذين يتعرضون للاستهدافات في العراق، والمادة 4 إرهاب (إحدى مواد قانون مكافحة الإرهاب) تُسمى (4 سُنة) بسبب اقتصار تنفيذها على العرب السُنة فقط"، مضيفا أنه لم يتم استهداف سياسي واحد من الشيعة ولا الأكراد ولا التركمان ولا المسيحيين.

وعبّر الهاشمي عن شعوره بالخذلان من القيادات السُنية داخل العراق؛ لأن "الأداء أقل بكثير من حجم المناصب التي يتقلدونها، خاصة أن هناك 5 ملفات تخص العرب السُنة لم تُعالج بأي طريقة حتى اللحظة"، داعيا تلك القيادات إلى الوحدة وتغليب المصلحة العامة.

من جهة أخرى، يرى رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة "غالوب الدولية" منقذ داغر، أن يوم التاسع من أبريل عام 2003 بات يمثل "ذكرى مؤلمة للعراقيين بشكل عام" كما توضح استطلاعات الرأي، لافتاً إلى أن السبب في كونها تحولت إلى خيبة أمل هو "ما حصل بعدها من فوضى أنتجت عديداً من الإشكالات، ولعل أبرزها تصاعد الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية". 

ويضيف داغر، المشرف على الاستطلاع أنه "على رغم عدم تبلور هوية وطنية جامعة في فترة النظام السابق، فإن ما كان متبقياً منها تفتت بسبب ما جرى من إشكالات بعد الغزو الأميركي". 

ويبدو أن التاسع من أبريل لم يعد مجرد ذكرى لغزو البلاد أو إسقاط النظام السابق، بل بات يمثل "مجموعة من خيبات الأمل للعراقيين الذين كانوا يأملون أن يشكل التغيير فارقاً إيجابياً"، بحسب داغر الذي يلفت إلى أنها باتت تمثل استذكاراً لـ"جلب الطبقة السياسية الحاكمة والنظام الطائفي المحاصصي".

ويرى أن هذا التاريخ بات يمثل حتى بالنسبة إلى الأميركيين "أكبر عملية فشل وخداع تمت للرأي العام العالمي والأميركي بخصوص أسلحة الدمار الشامل في العراق". ويختم أنها "ذكرى مخزية تؤكد أن التغيير من الخارج ليس الوسيلة الصحيحة لبناء الديمقراطية".