أثارت حادثة مقتل "البلوكر" (صانعة محتوى في مواقع التواصل الاجتماعي) طيبة العلي على يد والدها، غضباً شعبياً واسعاً على مواقع التواصل وسط دعوات لتسليط الضوء على قضايا العنف الأسري في العراق، في ظل عدم وجود قانون رادع يحد من تلك الاعتداءات.

طيبة قتلت على يد والدها، بعد خنقها حتى الموت في محافظة الديوانية، فيما قام الأب بتسليم نفسه إلى القوات الأمنية.

الضحية هي "بلوكر" عراقية تسكن في إسطنبول التركية، هربت من أهلها لأسباب مجهولة، وكانت مقبلة على الزواج من شاب سوري، لكن أهلها كانوا ضد زواجها منه.

وجاءت طيبة إلى العراق لحضور خليجي 25 وتم تهديدها منذ دخولها العراق عدة مرات من قبل ذويها.

وأكدت الضحية الراحلة تلك التهديدات عبر عدة استغاثات نشرتها مراراً وتكراراً على منصة "إنستغرام"، ولكن دون جدوى ولم تسعفها تلك الاستغاثات من الحفاظ على حياتها.

وتداولت مواقع التواصل حواراً بين الضحية، ووالدها الذي كان يقول إنه غير راضٍ عن بقائها للعيش في تركيا، فيما ردت الضحية باتهام شقيقها بالتحرش بها جنسياً، على حد قولها.

وتحدثت منظمات حقوقية وناشطون أن طيبة قامت بإرسال مناشدات عدة من حسابها في "إنستغرام" تطلب فيها من وزارة الداخلية التدخل لحمايتها.

بدوره، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن عبر تغريدة تابعتها شبكة "الساعة": أن "الشرطة المجتمعية (قسم في الوزارة) هو المعني بملفات العنف الأسري، قد تدخلت للوصول إلى حلول مناسبة ترضي الجميع لحل الخلاف العائلي بشكل نهائي".

وتابع معن: "بعد اجتماع تمهيدي تفاجأنا في اليوم التالي الذي كان من المفروض فيه أن نلتقي بهم مرة أخرى، بخبر مقتلها على يد والدها كما جاء في اعترافاته الأولية، وبعد أن قام بهذا الفعل سلم نفسه لمركز الشرطة".

وفي وقت سابق، دعا العديد من الحقوقيين والمختصين في علم النفس إلى ضرورة تشريع القانون المناهض للعنف الأسري والذي يحافظ على الأسرة من الضياع؛ إذ ازدادت مؤخرا حالات انتحار بسبب التعنيف الجسدي واللفظي.

وبين الخبير القانوني، علي التميمي، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، أن "مشروع القانون جمع المواد المبعثرة في قانون العقوبات العراقي وقانون الأحوال الشخصية وقانون رعاية الأحداث ورعاية القاصرين وهذه خطوة إيجابية يمكن من خلالها تسهيل عملية تطبيق القانون عندما يشرع".

وأضاف أن "القانون يحتاج إلى أن يتناول الجوانب النفسية المؤدية إلى الجريمة ووضع الحلول لمثل هذه الجرائم بعيدا عن التقليد".

وأشار إلى أن "البرلمان بحاجة إلى مختصين بعلم النفس قبل التشريع لان أكثر جرائم الأسرة نفسية اجتماعية وفي حال مراعاة هذا الجانب سيكون حاجزاً مانعاً لوقوع الجريمة".

وتابع التميمي: "مشروع القانون يحتاج إلى أن يعمل على الحفاظ على الوشائج الأسرية وان يكون القانون بصبغة عراقية خالصة بعيدة عن الاستنساخ من قوانين أجنبية".

ولفت إلى أنه "لا يمكن أن يسمح القانون للابن أن يشتكي على أبيه وبذلك لا تكون الحياة الأسرية طبيعية بعد ذلك ويجب أن يركز على الحلول المسبقة ".

بدوره، قال رئيس الجمعية النفسية العراقية، قاسم حسين، لشبكة "الساعة"، إن "القانون العراقي عرف العنف على أنه كل فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بأي منها ويرتكب داخل الأسرة ما يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي وما يعيب التعريف أنه موجز وضبابي إذا ما قارناه مع تعريف الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية".

وأضاف أن "القانون لم يقدم تعريفاً موفقاً للعنف الموجه من قبل الرجل للمرأة غير عبارة في الأسباب الموجبة في النص ووقاية المرأة من الأفعال التي تشكل عنفاً بأشكاله المختلفة ما يستوجب السعي الحثيث ومعاقبة مرتكبيها".

وتابع أن "العنف الشائع في الثقافة هو واحد إلا أن أنواع العنف الأسري متعددة أولها العنف الجسدي الذي يلحق الضرر بجسم الضحية وقد تصل للقتل والعنف الجنسي الذي يرغم المرأة على أفعال شاذة وغير مقبولة فضلاً عن العنف النفسي والتي غفلها القانون العراقي".

وخلال حديثها مع "الساعة"، قالت الأخصائية النفسية شهرزاد العبدلي، إن "من أسباب تزايد حالات العنف في العراق الظروف السيئة التي مر بها البلاد من حروب ونزاعات مسلحة فضلاً عن التهجير والظروف الاقتصادية الصعبة؛ لارتباط العنف بالحالة النفسية".

وتابعت العبدلي: "هناك العديد من أوجه التعنيف ولا يقتصر على الجانب البدني وقد يتعدى لأوجه أخرى مثل التعنيف النفسي والجنسي وحتى الاقتصادي في حال حرمانهم من المال أو إجبار الأطفال على العمل تحت ظروف صعبة، فضلاً عن استغلال الأطفال والبنات في تجارة الجنس من أجل الأموال".

وأشارت إلى أن "ضعف القوانين التي تردع المُعنف خاصة في مناطق جنوب العراق"، مشيرة إلى أن "القوانين في كردستان العراق هي أفضل ولو بشيء قليل ألا انه يحد من هذه الظاهرة، فضلاً عن وجود عادات وتقاليد تمنع الطفل من تقديم شكوى على أبيه في حال تعرض للعنف".

وتشير منظمات حقوقية إلى أنواع عديدة من العنف ضد النساء في العراق، إذ تشمل العنف الجنسي والجسدي، والعنف الأسري، والاتجار بالفتيات، وزواج القاصرات، وجرائم الشرف، فضلاً عن العنف السياسي الذي طال ناشطات لمشاركتهن في انتفاضة "تشرين" المطالبة بإصلاح النظام العراقي.

وأشارت الإحصائية التي أجرتها دائرة العلاقات في مجلس القضاء الأعلى، للنصف الأول من العام الحالي، إلى أن "عدد دعاوى العنف الأسري بلغ (10143) دعوى توزعت ما بين (500) دعوى عنف ضد الأطفال و(7947) دعوى تعنيف نساء و(1696) دعوى خاصة بتعنيف كبار السن".

وقانون مناهضة العنف الأسري في العراق، مطروح داخل قبة البرلمان منذ عام 2011 وتبنته جهات حقوقية واجتماعية ورعته منظمات مدنية معنية بحقوق الأسرة والطفل بشكل خاص، ووضعت له أطر مدروسة تضمن الحد من العنف المشاع وردع المتسبب بالعنف وقد طرحته رئاسة الجمهورية إلى مجلس النواب إلا أنه لم يصوت عليه لغاية الآن.