كشفت مراصد حقوقية عراقية عن انتهاكات خطيرة داخل السجون العراقية، تتمثل باستمرار عمليات التعذيب حتى الموت، وانتزاع الاعترافات بالقوة والإكراه خلال فترة التحقيق.

وأكد تقرير مفصل صدر عن المرصد العراقي بالتعاون مع مركز الخليج لحقوق الإنسان عن الانتهاكات داخل السجون ومراكز الاحتجاز بالعراق، توثيق حالات لإجبار المعتقلين على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها بسبب شدة التعذيب، فضلا عن عمليات تصفية وقتل للمعتقلين داخل السجون.

وقال التقرير في تقرير إن "الحرية في وسائل الإعلام وتشديد الرقابة من قبل نشطاء ومنظمات حقوقية محلية وإقليمية ودولية، لم تمنع بعض عناصر الأمن من إساءة المعاملة وممارسة التعذيب بحق السجناء، وفي بعض الأحيان كانوا يصورون أنفسهم بمقاطع فيديو وهم يُعذبون الضحايا دون أي رادع يمنعهم عن القيام بذلك".

وأضاف التقرير: "اتسعت مساحة عمليات التعذيب في السجون العراقية مع مرور الوقت، وازدادت خلال فترة ما كان يُعرف بـ"المخبر السري" خلال حكومتي نوري المالكي 2006 - 2014، قبل أن يلغي مجلس الوزراء العمل به عام 2013 أي قبل أشهر على انتهاء فترة حكومة المالكي الثانية التي ازدادت فيها عمليات التعذيب بالسجون".

وتابع التقرير: أن "العراق شرّع قانون انضمامه لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم (30) لسنة 2008، إلا أن القانون لم يُفعل، ولم يجد طريقه للتنفيذ ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق السجناء".

وأوضح التقرير أن السلطات في العراق تستخدم التعذيب في مراحل عدة، لكن أبرزها تلك المتعلقة بالتحقيق، فخلال التحقيق يتعرض المتهمون إلى عمليات تعذيب كبيرة وقاسية، خاصة أولئك الذين يتهمون بارتكاب أعمال إرهابية أو المشتبه بهم في الإنضمام إلى تنظيم "داعش".

واستدرك تقرير المرصد العراقي: "لم تكن عمليات التعذيب تشمل المعتقلين بسبب "داعش" فحسب، بل وصلت إلى النشطاء الذين اعتقلتهم السلطات خلال الاحتجاجات التي انطلقت في محافظة البصرة في النصف الثاني من عام 2018، وصولاً إلى الاحتجاجات التي استمرت طوال عام 2020 في بعض محافظات جنوبي العراق".

وأكد المرصد أن مجلس النواب يرفض تشريع قانون مناهضة التعذيب الذي مازال داخل أروقته وقُرئ قراءة أولى ويتكون من 16 مادة، لكن هناك أطرافًا سياسية تتسبب بتأخير طرحه للقراءة الثانية والتصويت عليه.

ويرى المرصد العراقي بأن هناك تعمداً في عرقلة اكتمال التشريعات المتعلقة بالتعذيب، خاصة وأن الحكومات العراقية لم تصادق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب رغم الدعوات المحلية والدولية إلى ذلك.

وزاد التقرير: "مثل بقية الملفات في العراق، خضعت السجون العراقية إلى المحاصصة السياسية، وصارت ذات صبغة سياسية أكثر من كونها صبغة إنسانية وقانونية، خاصة وأن بعض السجون والمعتقلات شهدت في فترات متفاوتة اعتقال مواطنين على أساس جغرافي وطائفي وحتى سياسي، مما دفع عناصر الأمن ذات الانتماء السياسي إلى ممارسة شتى أنواع التعذيب دون أن تكون لإدارات السجون أية إجراءات لردعهم".

وأشار التقرير إلى تقارير صحفية دولية وثقت من خلال إحصائيات حصلوا عليها من المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، نحو 15 ألف دعوى حول مزاعم التعذيب وسوء المعاملة في السجون العراقية في عامي 2017 – 2018 فقط، لترتفع من نحو ألفي دعوى في عام 2017 إلى أكثر من ستة أضعاف خلال عام 2018.

وأكد فاضل الغراوي عضو في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، وجود العديد من الانتهاكات في السجون العراقية يتم إخفاؤها غالباً.

وقال الغراوي إن "المفوضية لم تتلق بلاغات من قبل ذوي المعتقلين بخصوص تلك الانتهاكات، وذلك يعود إلى الخوف من إمكانية ملاحقتهم أو عدم الثقة بتدابير الحكومة، لكن في الغالب يتم رصد بعض الانتهاكات عبر الزيارات التي تقوم بها المفوضية إلى السجون والدوائر الإصلاحية".

وأكد الغراوي رفض بعض السجون الزيارات التي تقوم بها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، وأشار إلى أن ذلك يتعارض مع قوانين المفوضية والصلاحيات التي يكفلها قانونها رقم 53 لسنة 2008.

ووثق تقرير المرصد العراقي ومرصد الخليج لحقوق الإنسان شهادات تؤكد وفاة العديد من المعتقلين في السجون بسبب التعذيب، إضافة إلى وجود عمليات قتل وتصفية لنزلاء السجون قامت بها بعض الجهات المسلحة.

وأضاف التقرير: أن التعذيب دفع بعض الأشخاص المشتبه بهم إلى الاعتراف بأعمال لم يرتكبوها، ويريدون من خلال ذلك كف الأذى عن أجسادهم".

وبين المرصد أن وزارة العدل العراقية وكذلك وزارتي الداخلية والدفاع تحجب الأرقام الدقيقة لأعداد المعتقلين والسجناء في العراق، ولفت إلى أن رفض زيارة السجون تدل على أن التعذيب في هذه الأماكن لم يكن بعيداً عن أعين الجهات الحكومية العليا ومجلس النواب والسلطات الرقابية الأخرى، لكن هناك من يمنع معالجته.

وقدم المرصدان الحقوقيان في ختام التقرير جملة من المقترحات للحد من الانتهاكات داخل السجون العراقية، أبرزها الدعوة إلى تشريع قانون مناهضة التعذيب، والامتثال لبنود اتفاقية مناهضة التعذيب وتعديل القوانين المحلية بما يتناسب مع الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب.

ودعا التقرير أيضا إلى إجراء تحقيقات فورية شاملة ونزيهة في جميع مزاعم التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة، وتعويض الضحايا أو ذويهم، وفسح المجال أمام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والمقررين الخاصين للأمم المتحدة بزيارة السجون والحديث إلى السجناء.

كما دعا التقرير إلى حصر التحقيقات مع المعتقلين بأعضاء محايدين ومستقلين من أجهزة إنفاذ القانون، وإعادة النظر بالقوات المسؤولة عن حماية السجون وإبعاد العناصر التي مارست التعذيب ومحاسبتها وفقاً للقوانين العراقية، وإنشاء آلية لتقديم الشكاوى من قبل السجناء وذويهم عن أي عمليات تعذيب أو سوء معاملة دون الخوف من الملاحقة والانتقام.