أثارت التصريحات المتضاربة لمنظمة الصحة العالمية حول انتشار "جدري القرود" وتحوله إلى جائحة وبائية، مخاوف المواطنين بمختلف الدول، خصوصاً بعدما اتهمت بالاستجابة البطيئة واتخاذ قرارات "متناقضة" في الفترة التي سبقت انتشار فيروس "كورونا".

ومنذ أن أعلنت بريطانيا في السابع من مايو تسجيل أول إصابة مؤكدة بـ"جدري القرود"، تم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بما يقارب 400 إصابة في حوالي 24 دولة لا يظهر فيها عادة هذا النوع من الأمراض.

وفي آخر تصريح لها، أمس الثلاثاء، أعلنت المنظمة أنها غير واثقة في هذه المرحلة من إمكانية احتواء انتشار جدري القردة بين البشر بشكل كامل.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا هانز كلوغ، إن "الاستجابة الفعالة لتفشي جدري القردة لا تتطلب نفس الإجراءات الضخمة التي كانت مطلوبة لمكافحة كوفيد-19، نظرا لأن الفيروس ينتشر بشكل مختلف".

وأضاف كلوغ: "لكننا لا نعرف حتى الآن ما إذا كان بإمكاننا احتواء انتشاره بشكل كامل، وللقيام بذلك نحتاج لخفض كبير وعاجل في حالات العدوى من خلال التواصل والتنسيق، والعمل الذي يقوده المجتمع، وعزل الحالات أثناء الفترة المعدية والتتبع والمراقبة الفعالة".

فيما صرحت مسؤولة في المنظمة يوم الاثنين، بأنهم "لا يعتقدون أن انتشار مرض جدري القرود خارج إفريقيا سيؤدي إلى جائحة".

وقالت رئيسة أمانة مكافحة الجدري لبرنامج الطوارئ لمنظمة الصحة العالمية روزاموند لويس، إن "المنظمة تتوقع ألا يصل جدري القرود إلى مستويات وبائية".

وعندما سُئلت عما إذا كان "جدري القرود" يمكن أن يتسبب في جائحة عالمية مثل وباء "كورونا"، أجابت بالقول: "لا نعرف، لكننا لا نعتقد ذلك".

وتشابهت تصريحات المنظمة حالياً عن تفشي "جدري القرود"، بالتخبط الذي كانت تعيشه في بداية انتشار فيروس "كورونا"؛ حيث وجهت دول عديدة في تلك الفترة، انتقادات شديدة للمنظمة، مع اتهامها بعدم تقديم التحذيرات اللازمة من انتشار الوباء، في الوقت المناسب.

واتهمت المنظمة أيضا بإعطاء توجيهات خاطئة لبلدان العالم حول ارتداء الكمامات الواقية، ومعلومات غير دقيقة حول التجارب الجارية على الأدوية المحتملة، إضافة إلى اتخاذ خطوات متأخرة وتوجيه رسائل متناقضة.

 

تردد حول ارتداء الكمامات

منذ الأيام الأولى لبدء انتشار "كورونا"، دعت منظمة الصحة العالمية الأشخاص غير المصابين بالفيروس إلى عدم ارتداء الكمامات الواقية.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في 1 أبريل 2020، إن المنظمة توصي المرضى وموظفي الرعاية الصحية فقط بارتداء الكمامات.

وبسبب توصية الكمامة، تعرضت المنظمة لسيل من الانتقادات الشديدة في وسائل إعلام دولية.

وبعدها، قال غيبريسوس إن المنظمة قامت بتحديث المبادئ التوجيهية الحالية الخاصة باستخدام الكمامات الواقية، في إطار مكافحة انتشار "كورونا".

وبناء على ذلك، نصحت المنظمة الحكومات، للمرة الأولى، بدعوة المواطنين إلى ارتداء الكمامات الواقية (ذات الطبقات الثلاث) في الأماكن العامة، مثل المتاجر والمدارس وأماكن العبادة، لوقف انتشار الفيروس.

وبعد 5 أشهر من إعلان المنظمة حالة طوارئ عالمية، على خلفية انتشار "كورونا"، نصحت المنظمة الأشخاص غير المصابين أيضًا بارتداء الكمامات الواقية، مما أثار عاصفة من الانتقادات في الإعلام.

 

معضلة "هيدروكسي كلوروكين"

في 3 يوليو 2020، أعلنت المنظمة أنها قررت إنهاء التجارب على استخدام مزيج "هيدروكسي كلوروكين" و"لوبينافير/ ريتونافير"، الخاص بعلاج مرضى نقص المناعة البشري (الإيدز)، في علاج مرضى "كورونا"، وذلك بعد الفشل في الحد من الوفيات.

واعتبرت وسائل إعلام دولية هذا القرار مثال على أكثر القرارات المتناقضة التي اتخذتها منظمة الصحة العالمية خلال مواجهة جائحة "كورونا".

وأشارت إلى أن المنظمة سبق وأعلنت، في 25 مايو 2020، تعليقها للتجارب السريرية حول "هيدروكسي كلوروكين"؛ بسبب "مخاوف تتعلق بالسلامة"، ثم عادت بعد تسعة أيام لتعلن، في 3 يونيو 2020، استئناف هذه التجارب.

 

دعوات لعدم إغلاق الحدود مع الصين

في 23 يناير 2020، قال غيبريسوس إنه من المبكر الإعلان عن "حالة طوارئ دولية للصحة العامة" تتعلق بالفيروس، الذي ينتشر بسرعة في الصين.

لكن في 30 يناير 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية "حالة طوارئ صحية دولية" تتعلق بانتشار جائحة "كورونا".

وقال غيبريسوس إن القرار جاء على خلفية "انتشار الفيروس في دول أخرى خارج الصين".

ودعا الدول إلى عدم فرض قيود على الأنشطة التجارية والسفر إلى الصين، وعدم إغلاق حدودها مع الصين، التي كانت تشهد انتشارا سريعا للوباء.

وجددت المنظمة، في 31 يناير 2020، دعوتها إلى "عدم إغلاق الحدود مع الصين"، رغم إعلان حالة الطوارئ العالمية، ثم كررت تلك الدعوة في الأيام التالية.

لكن بعض الدول، وخاصة الولايات المتحدة، لم تلتزم بدعوات المنظمة، وعلقت رحلات الطيران إلى الصين.

وفي 11 مارس 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية فيروس "كورونا" وباءً عالميًا، فيما انتقد خبراء في الصحة العامة المنظمة، معتبرين أن إعلانها "جاء متأخرا جدا".

وفي 12 مارس 2020، أعلن غيبريسوس أن كورونا "وباء يمكن السيطرة عليه"، قبل أن يحذر فيما بعد من أن "الأسوأ لم يأتِ بعد".

وتعيش دول العالم المختلفة، مخاوف انتشار "جدري القرود" وتحوله إلى وباء جديد بعد أشهر من تخفيف القيود والإجراءات الخاصة بفيروس "كورونا".

وتظهر أعراض مرض "جدري القرود" على هيئة حمى وتضخم الغدد الليمفاوية وآلام في العضلات والتهاب حلق، إضافة إلى الإرهاق والقشعريرة وطفح جلدي يشبه جدري الماء على اليدين والوجه وباطن القدمين والأعضاء التناسلية وغيرها من أجزاء الجسم.

واكتشف "جدري القرود" أول مرة عام 1958 عندما ظهر مرض يشبه الجدري في قرود أحد المختبرات، ومن هنا أُخذت هذه التسمية.