تضاربت الآراء السياسية حول مستقبل العراق ما بعد الانسحاب بين مؤيد ومعارض لهذا الخطوة خصوصاً بعد الهجمات الأخيرة التي شنها تنظيم "داعش" في العراق.
البعض يرى أن الانسحاب الأمريكي من العراق يمكن أن يشكل خطراً وخطأً استراتيجياً كبيراً، كونه سيساهم في تقويض التقدم الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي في محاربة الإرهاب في العراق وسوريا، وهذا يعني أن الانسحاب قد تكون تداعياته على المشهد الأمني كبيرة، في ظل تنامي التهديدات بعودة تنظيم "داعش" مرة أخرى.
بينما يرى آخرون أن الانسحاب الأمريكي خطوة إيجابية متقدمة باتجاه تحقيق السيادة الوطنية الكاملة، بدعوى أن العراق لم يعد بحاجة إلى القوات الأمريكية.
وقال حيدر الموسوي مدير مركز القرار السياسي، خلال حديثه مع شبكة "الساعة"، إن "عملية الانسحاب الأمريكي لن تتم في موعدها المحدد".
وأشار إلى أن "هناك تصريحات متضاربة داخل أروقة المؤسسات الأمريكية حول إمكانية الانسحاب من عدمه".
وبيّن أن "الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لن يحدث في العراق؛ لأهميته الاستراتيجية لأمريكا في الحفاظ على أمن واستقرار حلفائها بالمنطقة وبالضد من طهران".
وتوقع الموسوي، أن "يتم تغيير المسميات من قوات قتالية إلى مستشارين ومدربين"، مشبهاً ذلك بـ "ذر الرماد في العيون لتفادي الحكومة من الحرج أمام جماهيرها المناهضة للوجود الأمريكي خاصة وأنها عارضت الوجود الأمريكي تارة بالطرق القانونية، أو من خلال العمليات العسكرية على وجه التحديد بعد حادثة المطار".
وأكد أن "الفصائل المسلحة تعول على الحكومة الجديدة في الدخول بمفاوضات حقيقية من أجل الاتفاق على خروج القوات الامريكية او على الأقل الإبقاء على الفرق الاستشارية والتي يجب ألا يكون تعدادها أكثر من 1500 جندي".
واختتم رئيس المركز قوله، إنه "لا يعول على حكومة الكاظمي في إخراج القوات الأمريكية؛ لقربها من المعسكر نفسه".
من جهته، قال المحلل السياسي كتاب الميزان، في تصريح خاص لشبكة "الساعة"، إن "هناك ضبابية وتناقضاً في التصريحات، إذ حددت الحكومة العراقية موعد الانسحاب نهاية الشهر الحالي وهي على عكس تصريحات البنتاغون".
وأضاف أن "الحكومة العراقية طلبت من البنتاغون بشكل رسمي إبقاء القوات الأمريكية"، مرجحاً "صعوبة الانسحاب؛ كون الحكومة العراقية ترغب ببقاء القوات الأمريكية إلا أنها لا تعلن عن ذلك".
واستبعد الميزان، أن "تكون هناك مواجهة مسلحة بين الفصائل والقوات الأمريكية"، مبيناً أن "تصعيد الفصائل المسلحة مرتبط بفشل محادثات فيينا حول البرنامج النووي الإيراني؛ كونها أحد أذرعها في العراق".
من جهته، قال عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي السابق، ناصر هركي، إن "العراق قد يشهد حرباً أهلية في حال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي منه".
وأضاف أن "مصادر القوة في العراق مختلة التوازن الآن؛ بسبب العمليات العسكرية الأخيرة على القواعد الأمريكية، وليس هناك تنسيق وتعاون كامل بين الجيش والحشد الشعبي وسائر القوات الأمنية".
وتابع هركي، أن "هناك أجندات لدول إقليمية ودولية ناشطة في العراق، لهذا أتوقع للعراق أن يمضي باتجاه المجهول وربما تحدث حرب أهلية".
وأشار إلى أن "هناك نواقص كثيرة في القوات العراقية، وهي بحاجة للتدريب والمساعدة من جانب التحالف الدولي".
وبدوره، أعلن الأمين العام لكتائب سيد الشهداء في العراق (فصيل مسلح)، أبو الاء الولائي، فتح باب التطوع في صفوف الفصائل، تحضيرا لما سماها بـ "المواجهة الحاسمة".
وفي 19 تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم، دعا الولائي، عبر تغريدة على حسابه الرسمي في "تويتر"، إلى "رفع مستوى الجهوزية تحضيرا للمواجهة الحاسمة والتاريخية مع الاحتلال الأمريكي في 31 كانون الأول/ديسمبر 2021 بعد الساعة 12 ليلاً".
عقب ذلك، أكد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، خلال مؤتمر المنامة، أن "بلاده ستواصل دعم الحلفاء في الشرق الاوسط لحماية أمنهم مشددا على أن "محاربة الإرهاب وحماية ممرات الملاحة من أولويات الأمن في المنطقة".
وأضاف أن "زيادة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط محتملة في حال اقتضت الحاجة لذلك والتزامنا بالحلفاء في الشرق الاوسط ثابت ولم يتغير وسنعمل على حماية قواتنا في المنطقة ضد هجمات إيران ووكلائها".
وعادة ما تتعرض المواقع العسكرية التي تضم قوات أمريكية وسفارة واشنطن في بغداد إلى هجمات صاروخية، وتتهم الولايات المتحدة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران بشن تلك الهجمات.
وزادت وتيرة الهجمات بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس بغارة جوية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي، بأمر من الرئيس الأمريكي، آنذاك دونالد ترامب، مطلع العام الماضي.
وحسب رصد أجرته شبكة "الساعة" فإن أكثر من 15 فصيلًا عراقيًا مسلّحًا مواليًا لإيران بدأ عملياته ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي، في البلاد بعد مقتل، قاسم سليماني، و"أبو مهدي المهندس".
واستهدفت سرايا "قاصم الجبارين" القوات الأمريكية وقوات التحالف بأكثر من 72 عملية، بينما أجرى فصيل "أصحاب الكهف" ما يقارب 33 عملية ضد طائرات مسيرة وأرتال عسكرية ولوجستية.
في حين نفذت فصائل أخرى منها فصيل "المقاومة الدولية" وسرايا "أولياء الدم" ولواء "كريم درع" وفيصل "عصبة الثائرين" ولواء "ثأر المهندس" أكثر من 30 عملية ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف في مختلف مناطق العراق.
وفي وقت قريب هددت فصائل مسلحة، بتوجيه ضربات "كبيرة" و"دقيقة" للقوات الأمريكية في البلاد، إذا لم تعلن بغداد وواشنطن موعداً واضحاً لانسحاب تلك القوات.
جاء ذلك في بيان لـ"الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية"، التي تضم فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وعلى رأسها "كتائب حزب الله العراقي" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب سيد الشهداء" و"حركة النجباء".
بدوره؛ قال رئيس الوزراء العراقي، والقائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي، في وقت سابق، إن "بلاده طلبت من إيران والولايات المتحدة الأمريكية "الابتعاد عن تصفية الحسابات" على الأراضي العراقية".
وبيّن أن "العراق كان منذ سنوات ساحة للتصادم والصراع، وعلينا اختيار طريق الحوار السياسي لحل الخلافات، وسيستفيد الجميع من ثمار التهدئة".
ومنذ 2014، تقود واشنطن تحالفا دوليا لمكافحة "داعش"، الذي استحوذ على ثلث مساحة العراق آنذاك، حيث ينتشر بالعراق نحو ثلاثة آلاف جندي للتحالف، بينهم ألفان و500 أمريكي.
وفي الخامس من يناير/كانون الثاني 2020، صوّت البرلمان العراقي لصالح قرار يطالب بإخراج القوات الأجنبية، بما فيها الأمريكية، من البلاد، وذلك بعد يومين من ضربة جوية أمريكية أسفرت عن مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" العراقي "أبو مهدي المهندس".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام