أنهت أسواق الطاقة العالمية تداولات الأسبوع الماضي على ارتفاعات حادة، في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية واضطراب إمدادات النفط، إذ أغلق خام برنت عند 109.86 دولارات للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 101.84 دولار للبرميل.
وجاء هذا الارتفاع في ظل تصاعد التوترات العسكرية وتعثر المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، ما أثار مخاوف من اتساع أزمة الإمدادات وارتفاع تكاليف نقل النفط والوقود على مستوى العالم.
وتشير التطورات الميدانية إلى تراجع حركة الملاحة عبر المضيق، الأمر الذي دفع دولاً منتجة، بينها العراق، إلى البحث عن مسارات بديلة ومكلفة لتصدير النفط، من بينها نقله براً بواسطة الصهاريج باتجاه الموانئ السورية.
ولم تعد الأزمة تقتصر على توافر النفط الخام، بل امتدت إلى عمليات التكرير وتأمين خطوط الشحن، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري على الناقلات التي تعبر مضيقي هرمز وباب المندب، ما يزيد الأعباء المالية على سلاسل الإمداد وينعكس على أسعار الوقود النهائية.
وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط متزايدة على قطاع التكرير العالمي، الذي يعاني، وفقاً للتقديرات الواردة في التقارير الفنية، محدودية الطاقة الإنتاجية الفائضة نتيجة ضعف الاستثمارات طويلة الأجل في إنشاء مصافٍ جديدة، ولا سيما في الدول الغربية، بالتزامن مع سياسات التحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي روسيا، أدت الهجمات المكثفة بالطائرات المسيّرة إلى تعطيل نحو 30 مئوية من قدرات تكرير الديزل والبنزين، ما أسهم في تراجع الإنتاج إلى 3.8 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى تسجله البلاد منذ أكثر من عقدين، بحسب الأرقام الواردة في التقرير.
كما أسهمت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط في خفض إنتاج مصافي المنطقة بنسبة 27 مئوية، ليصل إلى 6.5 ملايين برميل يومياً، وسط مخاوف من تداعيات ذلك على صادرات الديزل المنقولة بحراً، فيما تشير التقديرات إلى تراجع معالجة النفط عالمياً بمعدل 2.3 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي.
وتلقي أزمة الإمدادات بظلالها أيضاً على المخزونات النفطية، إذ تشير بيانات مؤسسة «وود ماكنزي» للأبحاث والاستشارات إلى تراجع المخزونات الأمريكية التجارية والاحتياطي البترولي الاستراتيجي مجتمعة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1984، نتيجة الضغوط الناجمة عن زيادة صادرات الوقود لتلبية احتياجات الأسواق.
وعلى المستوى العالمي، انخفضت المخزونات النفطية بنحو 69 مليون برميل خلال شهر يوليو الماضي، فيما بلغ إجمالي التراجع التراكمي منذ تصاعد التوترات الجيوسياسية نحو 410 ملايين برميل، بمعدل سحب يومي يصل إلى 2.7 مليون برميل، وفقاً للأرقام الواردة في التقرير.
وفي ظل هذه الظروف، تجاوزت أسعار بعض المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل وزيت الغاز، مستويات 200 دولار للبرميل، متخطية كلفة النفط الخام نفسه، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة بين أسعار الخام والوقود النهائي نتيجة نقص قدرات التكرير واضطراب الإمدادات.
ويرى محللون أن استمرار هذه الفجوة قد يدفع الأسواق إلى مرحلة «تدمير الطلب»، التي تعني اضطرار المستهلكين والشركات إلى خفض استهلاك الوقود بسبب ارتفاع الأسعار إلى مستويات لا يمكن تحملها.
وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى احتمال انكماش الطلب العالمي على الوقود بما يتراوح بين 1.6 مليون و2.5 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، مع تزايد الضغوط على قطاعات النقل البري والشحن البحري والصناعات الثقيلة، وهو ما قد يعزز مخاطر الركود التضخمي عالمياً.
وتعكس هذه المؤشرات تحول أزمة الطاقة من مجرد تقلبات في الأسعار إلى صدمة واسعة في الإمدادات، تشمل إنتاج النفط الخام وتكريره ونقله، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية وتراجع النمو الاقتصادي.
ومع استمرار التوترات العسكرية وتعثر الجهود الدبلوماسية، تبقى أسواق الطاقة عرضة لمزيد من التقلبات، فيما يرتبط احتواء الأزمة بعودة الاستقرار إلى ممرات الشحن الحيوية واستعادة تدفق الإمدادات النفطية بصورة طبيعية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام