يضم نظام التعليم في العراق ملايين التلاميذ والطلبة عبر مراحل دراسية متباينة، من رياض الأطفال والتعليم الابتدائي والثانوي إلى التعليم المهني والجامعي والدراسات العليا، وتُظهر أحدث البيانات الرسمية المتاحة للعام الدراسي 2023/2024 اتساع قاعدة التعليم العام، إذ يبلغ عدد طلبة الابتدائي نحو 6.78 ملايين، والثانوي 4.52 ملايين، مقابل 91.9 ألف طالب فقط في التعليم المهني.
لكن حجم النظام لا يكشف وحده عن نقاط الضغط داخله، فخلف هذه الأعداد تظهر مؤشرات على تعثر بعض الطلبة، وتفاوت واضح بين المسارات التعليمية، إلى جانب تغيرات سريعة في التعليم الجامعي وخريجي الكليات الأهلية، كما سجل العام الدراسي 2022/2023 نحو 801.5 ألف راسب في المرحلة الابتدائية و902.3 ألفاً في المرحلة الثانوية، وهي أرقام يجب قراءتها منفصلة عن أعداد المخفقين المسجلة في 2023/2024.
تذهب هذه الأرقام بالتحليل إلى ما هو أبعد من مجرد حصر أعداد الطلبة؛ إذ تفرض تساؤلات حتمية حول طريقة توزيعهم بين المسارات المختلفة، ومواضع الاختناق في المنشآت التعليمية. كما تُسلط الضوء على مدى قدرة النظام التعليمي على إتاحة بدائل حقيقية كالتعليم المهني والتقني، في وقت يتكثف فيه الإقبال على الجامعات وتتزايد أعداد الخريجين. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك منظومة التعليم العراقي عبر أرقامها الرسمية، لرصد الفجوات الفاصلة بين الطاقة الاستيعابية، ومعدلات الاستمرار في الدراسة، ونوعية المؤهلات التي يحصل عليها الطلبة قبل المواجهة المباشرة مع سوق العمل.
من كل 49 طالباً في الثانوي.. واحد فقط في التعليم المهني بالعراق
تكشف أحدث البيانات الرسمية للتعليم في العراق عن منظومة واسعة تضم ملايين الطلبة في مراحل التعليم المختلفة، لكنها تكشف في الوقت نفسه تفاوتاً واضحاً بين المسارات التعليمية، ففي العام الدراسي 2023/2024 بلغ عدد طلبة المرحلة الابتدائية نحو 6.78 ملايين طالب، والثانوية 4.52 ملايين، مقابل 91.9 ألف طالب فقط في التعليم المهني.
وبحساب حجم الطلبة في المسارين، يقابل كل طالب تقريباً في التعليم المهني 49 طالباً في التعليم الثانوي العام، ما يعطي صورة عن تفاوت حجم المسار المهني مقارنة بالتعليم العام.
وتظهر الصورة نفسها عند النظر إلى البنية المؤسسية، فالمرحلة الابتدائية تضم 19,518 مؤسسة، والثانوية 10,460 مؤسسة، في حين لا يتجاوز عدد مؤسسات التعليم المهني 338 مؤسسة، كما يبلغ عدد الطلبة لكل مدرس 17.6 في الابتدائي و16.8 في الثانوي، مقابل 7.4 فقط في التعليم المهني، وهو فارق يعكس اختلاف حجم المسارات التعليمية.

تطور التعليم العام خلال خمس سنوات
لا تأتي ضخامة التعليم العام من المرحلة الابتدائية وحدها، فبيانات السنوات المدروسة تظهر أن عدد طلبة الابتدائي ارتفع من 6.64 ملايين في 2019/2020 إلى 6.78 ملايين في 2023/2024، بزيادة محدودة نسبياً، بينما شهد التعليم الثانوي توسعاً أكبر، إذ ارتفع عدد الطلبة من 3.26 ملايين إلى 4.52 ملايين.
وترافق هذا النمو في الثانوي مع زيادة واضحة في عدد المؤسسات، من 8,612 مؤسسة في 2019/2020 إلى 10,460 في 2023/2024، كما ارتفع عدد الهيئة التعليمية من 173.8 ألف مدرس إلى 268.5 ألفاً. وفي العام الأخير وحده بلغ عدد المقبولين الجدد في المرحلة الثانوية 1.45 مليون طالب، وهو رقم يفوق عدد المقبولين في الابتدائي البالغ 1.09 مليون.
وتوضح السلسلة أن المسار المهني يسير في اتجاه مختلف. فقد تضاعف عدد طلبته تقريباً بين 2019/2020 و2020/2021، من 52.1 ألفاً إلى 108.2 ألف، لكنه لم يحافظ على هذا المستوى؛ فتراجع إلى 101.7 ألف في 2022/2023 ثم إلى 91.9 ألفاً في 2023/2024.
بينما وصل التعليم الثانوي إلى أعلى مستوى له في السلسلة عند 4.52 مليون طالب، تراجع التعليم المهني إلى أدنى مستوى له منذ القفزة التي سجلها في 2020/2021. وفي العام الدراسي 2023/2024 انخفض عدد طلبة التعليم المهني 9.7% مقارنة بالعام السابق.
الرسوب يترك ثقلاً أكبر في المرحلة الثانوية
عند الانتقال من حجم النظام إلى نتائجه، تظهر نقطة ضغط أخرى تتمثل في الرسوب، وتشير البيانات إلى 801,537 راسباً في المرحلة الابتدائية و902,303 راسبين في المرحلة الثانوية، في العام الدراسي 2022/2023.
وبقسمة أعداد الراسبين على عدد الطلبة، تصل النسبة التقريبية إلى 12% في الابتدائي مقابل 21.4% في الثانوي، أما بيانات التاركين، في 2023/2024، تظهر 152,077 تاركاً في الابتدائي و127,876 في الثانوي، ويبرز التعليم المهني من زاوية أخرى؛ فعدد التاركين فيه، 4,960 طالباً، يمثل نحو 5.4% من عدد الطلبة، وهي نسبة أعلى من الابتدائي والثانوي. 
الجامعة تنمو بسرعة
في الطرف الآخر من المسار التعليمي، تتجه الجامعة في الاتجاه المعاكس تقريباً للتعليم المهني، فقد ارتفع عدد طلبة التعليم الجامعي والتقني من 846,132 طالباً في 2019/2020 إلى 1,333,610 في 2023/2024، بزيادة تقارب 58% خلال خمس سنوات.
والأكثر لفتاً أن العام 2023/2024 شهد وصول عدد المقبولين الجدد إلى 454,484 طالباً، مقارنة بـ321,803 في العام السابق، أي زيادة تقارب 41.2%، كما ارتفع عدد الهيئة التدريسية من 50,791 إلى 72,503 خلال الفترة نفسها، وتظهر هذه الأرقام توسعاً متزامناً في أعداد الطلبة والهيئة التدريسية.

ولا يقتصر التوسع على أعداد الطلبة. ففي 2023/2024 بلغ إجمالي خريجي الدراسة الأولية 271,049 خريجاً، مقارنة بـ201,667 في العام السابق، لكن تركيب هؤلاء الخريجين يكشف تغيراً مهماً في دور التعليم الأهلي، فقد بلغ عدد خريجي الكليات الأهلية 90,042 خريجاً، مقارنة بـ59,311 في 2022/2023، بزيادة 51.8% في سنة واحدة.
التعليم الأهلي يقترب من ثلث خريجي الدراسة الأولية
من بين خريجي الدراسة الأولية في 2023/2024، جاء 146,717 من الكليات الأكاديمية الحكومية، و34,290 من الكليات والمعاهد التقنية، و90,042 من الكليات الأهلية، وبذلك شكل خريجو التعليم الأهلي 31.3% من إجمالي خريجي الدراسة الأولية، مقابل 51% لخريجي الكليات الحكومية الأكاديمية و11.9% للمسار التقني.
وتظهر البيانات كذلك اختلافاً واضحاً في التركيب بين المسارات؛ ففي الكليات الحكومية الأكاديمية تشكل الإناث أكثر من نصف الخريجين بقليل، بينما تنخفض حصتهن في الكليات الأهلية إلى نحو 38.2% من خريجيها. أما المسار التقني فيقترب فيه عدد الخريجين الذكور والإناث من بعضهما.
ماذا يحدث بين المدرسة وسوق العمل؟
إذا جُمعت هذه المؤشرات في صورة واحدة، تظهر منظومة تعليمية ضخمة تبدأ بقاعدة ابتدائية تضم 6.78 مليون طالب، ثم ثانوي يضم 4.52 مليون، قبل أن تضيق بشدة في المسار المهني إلى 91.9 ألف طالب، بينما يتسع التعليم الجامعي إلى 1.33 مليون طالب.
وهنا تكمن إحدى أهم القصص التي تقدمها البيانات: التوسع لا يحدث بالدرجة نفسها في جميع المسارات، فالثانوي والجامعة يشهدان نمواً واضحاً في أعداد الطلبة، بينما يتراجع التعليم المهني في آخر سنة من السلسلة.
وفي الوقت نفسه، تأتي أرقام الرسوب لتشير إلى نقطة ضغط داخل التعليم العام؛ إذ سجلت المرحلة الثانوية 902.3 ألف راسب في 2022/2023، وهو رقم أعلى من الراسبين في المرحلة الابتدائية في السنة نفسها.
تفتح هذه البيانات الباب أمام قضية أكثر تعقيداً من مجرد أرقام نمو؛ فهي تُسلط الضوء على تفاوت النسب بين التعليم الأكاديمي والمهني، وتثير التساؤل حول مصير الطلبة المتعثرين، ومدى قدرة سوق العمل على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الخريجين الجامعيين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام