تكشف البيانات الرسمية لنشاط الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي في العراق عن قطاع مرّ بتحولات حادة خلال السنوات الأخيرة؛ فعدد المنشآت ارتفع على امتداد الفترة 2007–2024 من 492 منشأة إلى 1,531 منشأة، فيما تجاوز عدد النزلاء في بعض السنوات 13 مليوناً، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.15 ملايين نزيل في 2024.

وبينما توسعت قاعدة المنشآت وارتفعت الإيرادات الاسمية على المدى الطويل، جاءت السنوات الأخيرة محملة بتراجع كبير في أعداد النزلاء وليالي المبيت، انعكس أيضاً على الإيرادات والمصروفات. 

وتتركز النشاطات الفندقية بصورة لافتة في كربلاء وبغداد والنجف، فيما تكشف بيانات الإقامة عن اختلاف واضح بين الزائر العراقي وغير العراقي من حيث مدة المبيت، بينما تستحوذ المنشآت الشعبية وذات التصنيفات الأدنى على الجزء الأكبر من إجمالي المنشآت.

1,531 منشأة.. الفنادق تمثل الغالبية الساحقة

تشير بيانات التصنيف إلى أن إجمالي منشآت الإيواء السياحي البالغ 1,531 منشأة يتكون بصورة أساسية من الفنادق، التي يبلغ عددها 1,506، مقابل 16 شقة و5 موتيلات و4 مجمعات سياحية.

وتظهر التصنيفات بدورها ميلاً واضحاً إلى المنشآت الشعبية وذات النجمة الواحدة والنجمتين؛ إذ يبلغ عدد المنشآت الشعبية 497، والمنشآت ذات النجمة الواحدة 362، وذات النجمتين 304، فيما يبلغ عدد الفنادق ذات الثلاث نجوم 293، والأربع نجوم 61، والخمس نجوم 14 فقط.

وتقدم كربلاء مثالاً واضحاً على هيمنة المنشآت المتوسطة والأدنى تصنيفاً؛ فمن بين فنادقها البالغ عددها 694، يوجد 254 فندقاً بدرجة نجمة واحدة و160 فندقاً شعبياً، مقابل 167 فندقاً ذي ثلاث نجوم و101 فندق بنجمتين و9 فنادق أربع نجوم و3 فنادق خمس نجوم.

عدد المنشآت بين التوسع والتراجع 

ارتفع عدد الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي من 492 منشأة في 2007 إلى 1,531 منشأة في 2024، أي بزيادة تقارب 211%، وكان النمو متواصلاً في معظم السنوات، فوصل العدد إلى 1,267 منشأة في 2013، ثم 1,618 في 2017، و2,282 في 2019، قبل أن يبلغ 2,457 منشأة في 2022. إلا أن الاتجاه انعكس بقوة في العامين التاليين، إذ انخفض العدد إلى 2,418 منشأة في 2023 ثم إلى 1,531 في 2024، بتراجع سنوي بلغ 36.7%، وهو أكبر انخفاض مسجل.

التراجع لم يقتصر في 2024 على عدد المنشآت، بل شمل العمالة والنزلاء وليالي المبيت والإيرادات والمصروفات، فقد انخفض عدد المشتغلين من 13,555 في 2023 إلى 8,382 في 2024، بنسبة 38.2%، كما تراجع عدد النزلاء من 9.535 ملايين إلى 5.155 ملايين، بانخفاض 45.9%. وتراجعت ليالي المبيت من 20.461 مليون ليلة إلى 13.778 مليون ليلة، فيما هبطت الإيرادات من 695.221 مليار دينار إلى 303.821 ملياراً، بانخفاض 56.3%.

واللافت أن بعض المؤشرات في 2024 أصبحت أقل بكثير من مستوياتها قبل سنوات قليلة؛ فعدد النزلاء انخفض بنحو 63.2% مقارنة بذروة 2019، كما تراجعت الإيرادات بنحو 47.4% مقارنة بالعام نفسه.

كربلاء وبغداد والنجف تستحوذ على معظم النشاط

تظهر البيانات الجغرافية أن النشاط الفندقي في العراق شديد التركز في ثلاث محافظات رئيسية، هي كربلاء وبغداد والنجف، فقد استحوذت كربلاء وحدها على 694 منشأة من أصل 1,531 منشأة، أي 45.3% من الإجمالي.

 بغداد  تأتي في المرتبة الثانية بـ386 منشأة تمثل 25.2%، ثم النجف بـ288 منشأة وبحصة 18.8%، وبذلك تستحوذ المحافظات الثلاث مجتمعة على نحو 89% من إجمالي الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي.

ولا يقتصر هذا التركّز على عدد المنشآت، بل يمتد إلى الطلب. فقد سجلت كربلاء 2.398 مليون نزيل، بما يعادل 46.5% من إجمالي النزلاء، ثم النجف بـ1.184 مليون نزيل ونسبة 23%، وبغداد بـ729.9 ألف نزيل ونسبة 14.2%. 

كما استحوذت كربلاء على 44.6% من إجمالي ليالي المبيت و36.5% من الإيرادات، فيما سجلت بغداد 26.7% من ليالي المبيت و26.7% من الإيرادات، والنجف 21.2% و20.9% على التوالي. وتكشف هذه الأرقام الوزن الكبير للمدن ذات النشاط الديني والسياحي في السوق الفندقية العراقية.

وتكشف المقارنة بين نسب المنشآت ونسب الإيرادات عن اختلاف في النشاط الاقتصادي بين المحافظات، فالبصرة، على سبيل المثال، تمتلك 2.9% فقط من المنشآت، لكنها تستحوذ على 10.3% من الإيرادات، بينما تمتلك كربلاء 45.3% من المنشآت وتحصل على 36.5% من الإيرادات.

 وهذا يعني أن كثافة المنشآت لا تتحول بالضرورة إلى حصة مماثلة من الإيرادات، وأن طبيعة الطلب ومدة الإقامة ونوع المنشأة تلعب أدواراً مهمة في تحديد النشاط الفندقي.

مؤشرات النزلاء 

بلغ عدد النزلاء في جميع الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي خلال 2024 نحو 5.155 ملايين نزيل،  ويشكل العراقيون 3.155 ملايين نزيل، أي 61.2% من الإجمالي، مقابل 1.999 مليون نزيل غير عراقي، بنسبة 38.8%.

 وتتغير الصورة بشكل واضحة عند الانتقال من عدد النزلاء إلى عدد ليالي المبيت؛ فقد سجل العراقيون نحو 6.016 ملايين ليلة، مقابل 7.762 ملايين ليلة لغير العراقيين، ما يعني أن غير العراقيين استحوذوا على 56.3% من إجمالي ليالي المبيت رغم أنهم يمثلون أقلية من حيث عدد النزلاء.

ويشير هذا إلى فرق كبير في نمط الإقامة؛ فمتوسط إقامة النزيل العراقي، محسوباً من إجمالي الليالي إلى إجمالي النزلاء، يقارب 1.9 ليلة، بينما يصل لدى غير العراقيين إلى نحو 3.9 ليلة. 

وعلى مستوى المحافظات، تظهر كربلاء بوصفها المركز الأبرز لكلا النوعين من الزوار، لكنها تسجل أيضاً حجماً مرتفعاً جداً من ليالي المبيت، في حين تبدو النجف وبغداد ذات وزن مهم في استضافة الزوار غير العراقيين.

وتتصدر كربلاء النزلاء العراقيين وغير العراقيين من حيث العدد ضمن بيانات المحافظات؛ إذ سجلت 1.438 مليون نزيل عراقي و959.4 ألف نزيل غير عراقي، كما سجلت أكثر من 6.143 ملايين ليلة مبيت، ما يجعلها مركز الثقل الأكبر في النشاط الفندقي العراقي خلال 2024.

العمالة  في في الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي

بلغ عدد العاملين في الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي 8,382 عاملاً في 2024، بانخفاض 38.2% عن 2023، ويتركز معظم هؤلاء في القطاع الخاص؛ إذ بلغ عدد العاملين فيه 7,763 عاملاً، مقابل 94 عاملاً في القطاع العام و525 عاملاً في المنشآت المختلطة. 

ويكشف التفصيل حسب الجنس عن فجوة كبيرة أيضاً، إذ بلغ عدد العاملين الذكور 7,829 مقابل 553 من الإناث، أي أن النساء يمثلن نحو 6.6% فقط من إجمالي العاملين وفق الجدول.

ويتركز الجانب الأكبر من العمالة في المحافظات الثلاث ذات النشاط السياحي الأعلى؛ فقد بلغ عدد العاملين في كربلاء 2,738 عاملاً، وفي بغداد 2,480، وفي النجف 1,638، أي أن هذه المحافظات الثلاث تستحوذ مجتمعة على نحو 81.7% من إجمالي العاملين في القطاع.

 وتؤكد هذه الصورة أن سوق العمل الفندقي مرتبط بدرجة كبيرة بمراكز النشاط السياحي والديني الرئيسية، فيما تبقى مساهمة المحافظات الأخرى محدودة نسبياً.

أما من حيث الجنسية، فتُظهر البيانات أن العاملين العراقيين يشكلون الغالبية الساحقة من العمالة، ويبلغ عدد العراقيين 7,535 عاملاً، مقابل 847 من غير العراقيين، إلا أن وجود العمالة الأجنبية يتركز بصورة أكبر في بعض المحافظات والقطاعات، ولا سيما في كربلاء والبصرة. 

أكثر من 50 مليار دينار أجوراً ومزايا

بلغ مجموع الأجور والمزايا المدفوعة للعاملين في الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي خلال 2024 نحو 50.473 مليار دينار، ويتركز الجزء الأكبر من هذه المدفوعات في المحافظات التي تستحوذ على العدد الأكبر من العاملين؛ فقد سجلت بغداد نحو 15.368 ملياراً، وكربلاء نحو 15.222 مليار دينار، والنجف نحو 8.397 مليارات، فيما بلغت المدفوعات في البصرة نحو 7.596 مليارات دينار.

ويظهر من توزيع المدفوعات أن بغداد وكربلاء وحدهما تستحوذان على الجزء الأكبر من فاتورة الأجور والمزايا، وهو متسق مع تركز العمالة والنشاط الفندقي فيهما. 

كما تظهر البيانات ارتفاعاً نسبياً في أجور ومزايا العاملين غير العراقيين في بعض المحافظات، لكن الغالبية العامة من المدفوعات تذهب إلى العاملين العراقيين.

إيرادات الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي

بلغت إيرادات الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي في 2024 نحو 303.821 مليار دينار. وتأتي إيرادات المنام في مقدمة مصادر الدخل بفارق كبير؛ إذ بلغت 283.996 مليار دينار، أي أكثر من 93% من إجمالي الإيرادات، مقابل 15.345 مليار دينار من المبيعات ونحو 4.480 مليارات من الإيرادات الأخرى. 

ويعني ذلك أن النشاط الفندقي العراقي يعتمد بدرجة أساسية على إيرادات الإقامة أكثر من اعتماده على المبيعات والخدمات الأخرى.

إيرادات المحافظات من الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي

تتصدر كربلاء الإيرادات بإجمالي 110.753 مليار دينار، تليها بغداد بـ81.132 ملياراً والنجف بـ63.560 ملياراً، وتأتي البصرة في المرتبة التالية بإيرادات بلغت 31.198 مليار دينار، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد منشآتها البالغ 45 منشأة فقط، ما يعكس ارتفاع وزن النشاط الفندقي فيها قياساً بحجم المعروض المسجل.

تتركز إيرادات قطاع الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي في عدد محدود من المحافظات؛ فقد استحوذت كربلاء وبغداد والنجف والبصرة مجتمعة على نحو 94.35% من إجمالي الإيرادات في عام 2024 البالغة 303.821 مليار دينار، بواقع 110.753 مليار دينار في كربلاء، و81.132 ملياراً في بغداد، و63.560 ملياراً في النجف، و31.198 ملياراً في البصرة. 

وتصدرت كربلاء القائمة بحصة بلغت 36.45% من الإيرادات، تلتها بغداد بـ26.71% والنجف بـ20.92%، فيما بلغت حصة البصرة 10.27%. وفي المقابل، لم تتجاوز مساهمة بقية المحافظات مجتمعة نحو 5.65%، وكانت ديالى الأقل مساهمة بإيرادات بلغت نحو 119.6 مليون دينار، أي 0.04% من الإجمالي. 

كما تكشف بنية الإيرادات عن اعتماد القطاع بصورة كبيرة على أجور المبيت، التي بلغت 284 مليار دينار تقريباً وشكلت نحو 93.5% من إجمالي الإيرادات، مقابل 15.35 مليار دينار من المبيعات و4.48 مليارات من الإيرادات الأخرى، ما يؤكد أن الإقامة تمثل المصدر الأساسي للدخل الفندقي في العراق.

المصروفات والإيرادات وفق المحافظات

تشير بيانات الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي لعام 2024 إلى أن إجمالي المصروفات بلغ 111.372 مليار دينار مقابل إيرادات قدرها 303.821 مليار دينار، لتصل نسبة المصروفات إلى الإيرادات إلى 36.66%، أي أن المصروفات استهلكت نحو 36.7 ديناراً من كل 100 دينار تحققها المنشآت. 

وتفاوتت هذه النسبة بصورة واضحة بين المحافظات؛ إذ سجلت ديالى أعلى نسبة عند 56.67%، تلتها نينوى بـ46.16% وبغداد بـ44.16%، في حين كانت واسط الأدنى عند 10.68%، تلتها ذي قار بـ19.32% وبابل بـ21.80%.

 أما كربلاء، التي حققت أعلى إيرادات بـ110.753 مليار دينار، فقد بلغت مصروفاتها 44.867 ملياراً، أي ما يعادل 40.51% من إيراداتها، بينما سجلت النجف نسبة أقل بلغت 25.36% رغم تحقيقها 63.56 مليار دينار من الإيرادات. 

المصروفات تنخفض مع الإيرادات في أغلب السنين

تكشف السلسلة الزمنية للإيرادات والمصروفات في نشاط الفنادق ومجمعات الإيواء السياحي عن تغيرات كبيرة في حجم النشاط وكلفة تشغيله خلال الفترة 2007–2024، ففي عام 2007 كانت المصروفات تمثل 18.42% من الإيرادات، قبل أن ترتفع تدريجياً إلى 30.71% في 2012، ثم تتراجع إلى 23.96% في 2015، قبل أن تعود للارتفاع في السنوات اللاحقة.

 وسجلت النسبة أعلى مستوياتها في عام 2020 عند 43.76%، عندما بلغت الإيرادات 384.688 مليار دينار مقابل 168.344 ملياراً من المصروفات، ثم انخفضت إلى 38.57% في 2021 و31.56% في 2022، وهو العام الذي سجل أعلى إيرادات في السلسلة عند 883.237 مليار دينار.

 وبعد ذلك ارتفعت نسبة المصروفات إلى الإيرادات مجدداً إلى 35.84% في 2023 و36.66% في 2024، بالتزامن مع هبوط الإيرادات إلى 303.821 مليار دينار والمصروفات إلى 111.372 ملياراً. 

ورغم أن قيمة المصروفات في 2024 كانت أقل بكثير من مستويات السنوات السابقة، فإنها استحوذت على حصة أكبر من الإيرادات مقارنة ببدايات السلسلة، ما يبين انخفاضاً في حجم النشاط أكثر من كونه مجرد انخفاض في الإنفاق.


قطاع كبير على الورق.. ونشاط فعلي منكمش

تظهر الصورة الكلية أن قطاع الفنادق والإيواء السياحي العراقي توسع بشكل كبير على مدى أكثر من عقد، سواء في عدد المنشآت أو عدد العاملين أو حجم الإيرادات الاسمية، لكن هذا التوسع لم يتحول إلى مسار صاعد مستقر؛ فقد بلغ عدد المنشآت ذروته في 2022 عند 2,457 منشأة. 

وبلغ عدد النزلاء أعلى مستوى له في 2019 عند 13.992 مليون نزيل، كما سجلت ليالي المبيت أعلى مستوى لها في 2022 عند 22.148 مليون ليلة، فيما بلغت الإيرادات ذروتها في 2022 عند 883.237 مليار دينار.

ثم تراجعت معظم هذه المؤشرات خلال 2023 وخصوصاً 2024، الذي شهد انخفاضاً كبيراً في عدد المنشآت والمشتغلين والنزلاء وليالي المبيت والإيرادات والمصروفات، وفي الوقت نفسه، يكشف التوزيع الجغرافي أن النشاط يتركز بدرجة استثنائية في كربلاء وبغداد والنجف، بينما يظل حضور بقية المحافظات محدوداً في عدد المنشآت وحجم الطلب والإيرادات.

وعلى صعيد جنسية النزلاء، فالعراقيون يمثلون نحو ثلاثة أخماس النزلاء، لكن غير العراقيين يشكلون غالبية ليالي المبيت، ما يشير إلى اختلاف واضح في مدة الإقامة، كما أن هيكل المنشآت نفسه يميل بقوة إلى الفنادق الشعبية وذات التصنيفات الأدنى، في حين لا يتجاوز عدد الفنادق ذات الخمس نجوم 14 منشأة في 15 محافظة.

وبذلك، فإن أرقام 2024 ترسم صورة لقطاع سياحي وفندقي واسع من حيث عدد المنشآت، شديد التركز جغرافياً، يعتمد أساساً على إيرادات الإقامة، ويواجه انكماشاً حاداً في حجم النشاط بعد مستويات قياسية سجلتها بعض المؤشرات خلال السنوات السابقة.