تكشف أحدث البيانات الرسمية المتاحة عن صورة بنيوية لافتة للصناعة العراقية: قاعدة واسعة من المنشآت الصغيرة، حلقة ضيقة جداً من المنشآت المتوسطة، ثم عدد محدود من المنشآت الكبيرة التي تستحوذ على الجزء الأكبر من التشغيل والإنتاج، وتستند هذه الصورة إلى أحدث البيانات المتاحة لكل فئة، في 2023-2024-2025 للمنشآت والمتوسطة والكبيرة، الصغيرة.
بلغ عدد المنشآت الصناعية الصغيرة في 2023 نحو 27,756 منشأة، يعمل فيها قرابة 99,280 شخصاً، بينما لم يتجاوز عدد المنشآت المتوسطة التي أحصيت في :2024: 248 منشأة، يعمل فيها 3,379 شخصاً.
في المقابل، بلغ عدد المنشآت الكبيرة في 2025: 965 منشأة، لكنها شغّلت نحو 154,977 شخصاً، وتكشف هذه الأرقام عن اتساع شديد في قاعدة المنشآت الصغيرة مقابل ضيق الحلقة المتوسطة، قبل أن يقفز حجم التشغيل بصورة كبيرة عند المنشآت الكبيرة.

وتظهر الفجوة بصورة أوضح عند النظر إلى متوسط عدد العاملين في المنشأة، فالمنشأة الصغيرة تشغّل في المتوسط 3.6 أشخاص، مقابل 13.6 شخصاً في المنشأة المتوسطة، بينما يصل المتوسط في المنشأة الكبيرة إلى نحو 160.6 شخصاً.
أي إن الانتقال من الصغيرة إلى المتوسطة يرفع كثافة التشغيل بنحو أربعة أضعاف، في حين أن الانتقال إلى الكبيرة يرفعها إلى عشرات الأضعاف، وهذه ليست مقارنة زمنية مباشرة بسبب اختلاف سنوات المرجع، لكنها تعطي مؤشراً قوياً إلى الاختلاف الكبير في البنية التشغيلية بين الأحجام.
أولًا- العمالة والإنتاج حسب حجم المنشأة
لا تعني الكثرة العددية للمنشآت الصغيرة أنها صاحبة الثقل الأكبر في الإنتاج. فقد بلغ إنتاج المنشآت الصغيرة في بيانات 2023 نحو 2.92 تريليون دينار، مقابل 230.8 مليار دينار للمنشآت المتوسطة في 2024، بينما وصل إنتاج المنشآت الكبيرة في 2025 إلى نحو 14.65 تريليون دينار.
وتتضح المفارقة أكثر عند مقارنة الإنتاج بالعامل؛ إذ بلغ إنتاج العامل في المنشآت الصغيرة نحو 29.4 مليون دينار، وارتفع إلى 68.3 مليون دينار في المتوسطة، ثم إلى 94.5 مليون دينار في الكبيرة. وبذلك، لا يزداد حجم المنشأة مع عدد العاملين فقط، بل يرتفع معها الإنتاج لكل عامل أيضاً، ما يعكس اختلافاً في رأس المال والتكنولوجيا وطبيعة النشاط وقدرة المنشأة على الوصول إلى أسواق أوسع.
كما تكشف القيمة المضافة عن فجوة مماثلة، فقد بلغت في المنشآت الصغيرة نحو 1.28 تريليون دينار، مقابل 100.9 مليار دينار في المتوسطة، ونحو 5.26 تريليون دينار في الكبيرة. وبذلك تبدو الحلقة المتوسطة صغيرة ليس فقط من حيث عدد المنشآت والعاملين، وإنما أيضاً من حيث الوزن الاقتصادي.
ثانياً- التوزيع الجغرافي للمنشآت
على المستوى الجغرافي، تتركز المنشآت الصغيرة بصورة واضحة في بغداد، فقد بلغ عددها المقدّر في العاصمة نحو 6,373 منشأة، أي قرابة ربع إجمالي المنشآت الصغيرة، وأسهمت بنحو 28.3% من إنتاج هذه الفئة. وتأتي بعدها البصرة بنحو 2,611 منشأة، ثم الأنبار وبابل وذي قار وغيرها.
على صعيد العاملين، بلغ عدد العاملين في منشآت بغداد الصغيرة نحو 24.7 ألف شخص، وهو أعلى مستوى بين المحافظات في هذه الفئة، كما بلغ إنتاج المنشآت الصغيرة في بغداد نحو 826.7 مليار دينار، ما يجعلها المركز الأبرز للقاعدة الصناعية الصغيرة.
لكن صورة الصناعة الكبيرة مختلفة، ففي 2025، جاءت بابل في مقدمة المحافظات من حيث إنتاج المنشآت الكبيرة، بإنتاج بلغ نحو 4.94 تريليون دينار، أي نحو 33.7% من إنتاج المنشآت الكبيرة، وتلتها بغداد بنحو 1.58 تريليون دينار، ثم صلاح الدين بنحو 2.71 تريليون دينار والبصرة بنحو 2.09 تريليون دينار.
وتبرز بابل بصورة خاصة لأنها تجمع بين قاعدة صغيرة نسبياً في المنشآت الصغيرة وحضور قوي جداً للمنشآت الكبيرة، ففي 2025 بلغ عدد المنشآت الكبيرة فيها 151 منشأة، تشغّل نحو 13.8 ألف شخص، وتنتج قرابة 4.94 تريليون دينار. ويشير ذلك إلى أن الحجم الاقتصادي للصناعة لا يرتبط بالضرورة بعدد المنشآت فقط، بل بتركيبتها وحجمها الإنتاجي.
.png)
ثالثاً- المنشآت المتوسطة في المحافظات
إذا كانت الصناعة الصغيرة تمثل قاعدة واسعة من المنشآت المنتشرة، بينما تتركز الكتلة الأكبر من التشغيل والإنتاج في المنشآت الكبيرة، فإن المنشآت المتوسطة تظهر في مساحة أضيق بكثير، ووفق بيانات عام 2024، بلغ عدد المنشآت المتوسطة 248 منشأة موزعة على 11 محافظة.
تتصدر بابل ونينوى عدد المنشآت المتوسطة بواقع 35 منشأة لكل منهما، تليهما بغداد بـ34 منشأة، ثم ديالى بـ32 منشأة، والبصرة بـ28 منشأة، وصلاح الدين بـ27 منشأة، وكركوك بـ23 منشأة، وتنخفض الأعداد بصورة واضحة في بقية المحافظات، إذ تسجل الأنبار والنجف 12 منشأة لكل منهما.
وفي واسط لا يتجاوز العدد 9 منشآت، وتظهر المثنى بمنشأة متوسطة واحدة فقط. ويكشف هذا التوزيع أن النشاط الصناعي المتوسط، لا ينتشر بصورة متوازنة جغرافياً، بل يتركز في مجموعة محدودة من المحافظات.
ولا يتطابق ترتيب المحافظات من حيث عدد المنشآت مع ترتيبها من حيث العمالة. فقد سجلت بغداد أعلى عدد من المشتغلين في المنشآت المتوسطة بـ583 شخصاً، رغم امتلاكها 34 منشأة فقط، تلتها بابل بـ507 مشتغلين، ثم نينوى بـ447 مشتغلاً، وصلاح الدين بـ357، وديالى بـ349، وفي كركوك بلغ 301 شخص، وفي البصرة 303 أشخاص، وفي المثنى 10 أشخاص.
وتوضح قيمة العاملين لكل منشأة اختلافاً آخر بين المحافظات، فالمتوسط الوطني للمنشآت المتوسطة يبلغ نحو 13.6 عاملاً للمنشأة، لكن بعض المحافظات تتجاوز هذا المستوى؛ حيث تسجل واسط أعلى كثافة تشغيلية بواقع 18.7 عاملاً للمنشأة، تليها بغداد بـ17.1، ثم الأنبار بـ15 عاملاً، وبابل والنجف بنحو 14.5 عاملاً لكل منشأة.
أما من حيث الإنتاج، فتأتي بابل في المقدمة بإنتاج بلغ نحو 48.99 مليار دينار، تليها بغداد بنحو 31.21 مليار دينار، ثم البصرة بنحو 22.18 مليار دينار، وصلاح الدين بنحو 22.74 مليار دينار، وواسط بنحو 21.84 مليار دينار، ونينوى بنحو 22.11 مليار دينار بينما سجلت المثنى أدنى إنتاج بنحو 2.23 مليار دينار.
وتظهر مقارنة الإنتاج بعدد العاملين فروقاً مهمة في الإنتاج لكل عامل، فإن قسمة الإنتاج على عدد العاملين تكشف اختلافاً في الأداء الإنتاجي بين المحافظات؛ إذ يبلغ الإنتاج لكل عامل، مستويات مرتفعة نسبياً في واسط والمثنى وبابل مقارنة بمحافظات أخرى، بينما يكون أقل في المحافظات التي تجمع بين أعداد أكبر من العاملين وإنتاج أقل نسبياً. 
رابعًا- أبرز الأنشطة الصناعية
تظهر الأنشطة الصناعية الصغيرة قاعدة متنوعة، إلا أن الصناعات الغذائية تحتل موقع الصدارة، فقد بلغ عدد المنشآت الصغيرة العاملة في المنتجات الغذائية نحو 9,099 منشأة، أي 43.6% من منشآت الحجم الصغير، مع نحو 40.8 ألف مشتغل وإنتاج يقارب 1.36 تريليون دينار.
ويأتي نشاط منتجات المعادن المشكلة في المرتبة التالية، بنحو 6,997 منشأة و21.4 ألف مشتغل وإنتاج يتجاوز 520.9 مليار دينار. كما تظهر الملابس والمطاط واللدائن والمعادن اللافلزية ضمن الأنشطة المهمة في قاعدة الصناعة الصغيرة.
أما المنشآت المتوسطة فتقدم صورة مختلفة، فقد سجل نشاط منتجات المعادن اللافلزية الأخرى 105 منشآت، فيما سجلت الصناعات الغذائية 83 منشأة وكانت الأولى في الإنتاج، بإنتاج بلغ نحو 112.5 مليار دينار وقيمة مضافة قدرها 58.6 مليار دينار. كما ظهرت المشروبات بـ24 منشأة ومنتجات المعادن المشكلة بـ11 منشأة والمطاط واللدائن بـ7 منشآت.
.png)
الصناعة العراقية بين الانتشار والكثافة
تقدم البيانات في مجملها صورتين للصناعة العراقية، الأولى هي صناعة واسعة الانتشار، يمثلها عشرات آلاف المنشآت الصغيرة التي توفر قرابة 99 ألف فرصة عمل وفق تقديرات 2023، وتنتشر في معظم المحافظات.
الثانية هي صناعة مركزة وكثيفة التشغيل والإنتاج، يمثلها أقل من ألف منشأة كبيرة في بيانات 2025، تشغّل نحو 155 ألف شخص وتنتج قرابة 14.65 تريليون دينار.
وبين الصورتين تظهر طبقة متوسطة لا يتجاوز عدد منشآتها 248 منشأة في بيانات 2024، وهذه الطبقة هي الأهم ليس لأنها الأكبر عدداً أو إنتاجاً، بل لأنها تمثل المنطقة التي يفترض أن تصل فيها المنشأة الصغيرة إلى حجم يسمح لها بالتوسع والاستثمار وخلق وظائف أكثر انتظاماً والدخول في سلاسل توريد أوسع.
لذلك، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه البيانات ليس فقط كم مصنعاً يملك العراق؟ بل كم منشأة تستطيع أن تنمو من ورشة صغيرة إلى مشروع متوسط ثم إلى مصنع كبير؟
لا تصف الأرقام نقصاً في المنشآت الصناعية بقدر ما تكشف عن اختلال في توزيع الصناعة بحسب الحجم: قاعدة صغيرة واسعة، طبقة متوسطة شديدة الضيق، وقمة كبيرة ذات وزن مرتفع في التشغيل والإنتاج. ومع أن اختلاف سنوات المرجع والمنهجيات يمنع تحويل هذه البيانات إلى مجموع وطني لسنة واحدة، فإن الفجوة البنيوية تظل واضحة في المقارنة.
يظل التحدي الأساسي أمام التخطيط الصناعي متمثلاً في قياس حركة نمو المنشآت (من صغيرة إلى متوسطة ثم كبيرة)، وتحليل أسباب تعثرها. يُمثل هذا التحليل مؤشراً حاسماً للتحقق من وجود فجوة هيكلية في مسار نمو الصناعة العراقية بين مستوى الورشة والمصنع الكبير.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام