لم تتفاجأ الأوساط العراقية بتصريحات رئيس منظمة بدر هادي العامري وهجومه على تظاهرات تشرين، لكن المفاجئ فيها أنها أقرت ولأول مرة بوقوف الفصائل المسلحة بوجه تلك التظاهرات وإحباطها كونها كانت عامل تهديد للنظام السياسي في البلاد، بحسب قوله.
ويبدو أن تصريحات العامري الأخيرة حلت اللغز الذي حاولت القوى المتنفذة فرضه على العراقيين دون قناعة الآخرين به، وهو لغز الطرف الثالث الذي حُمل المسؤولية عن قتل مئات المتظاهرين وتصفيتهم وملاحقتهم وتغييبهم سواء في العاصمة بغداد، أو المحافظات العراقية الجنوبية.
وقال رئيس منظمة بدر هادي العامري في كلمة نقلتها الغدير المملوكة لمنظمة بدر: إن "المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي، وذلك بفضل الدماء الطاهرة لقادة الانتصار".
وخلال تظاهرات تشرين قتل أكثر من 800 متظاهر عراقي من بغداد ومحافظات البصرة والنجف وكربلاء وبابل وذي قار والديوانية وميسان وواسط، وحينها لم تسفر التحقيقات عن إدانة أي جهة بقتلهم واستهدافهم، ولكن تم الترويج لفكرة الطرف الثالث الذي حاول خلق الفتنة باستهداف المتظاهرين تارة والأجهزة الأمنية تارة أخرى.
وعلى الرغم من أن الرقم الرسمي الذي أعلنته السلطات العراقية أقر بمقتل نحو 800 متظاهر في احتجاجات تشرين، إلا أن منظمات حقوقية ومنها المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب أكدت أن عدد القتلى من المحتجين تجاوز حاجز الـ 1000 قتيل، إضافة إلى آلاف المصابين.
وأكدت التحقيقات الصحفية التي نشرت خلال التظاهرات وبعدها، أن المتظاهرين قتلوا إما بالاستهداف المباشر من قبل القوات الأمنية الرسمية وخاصة التابعة لوزارة الداخلية التي كانت على تماس مع المتظاهرين، أو من قبل أمن الحشد الشعبي الذي كلف بمهام فض الاعتصامات في بغداد وبعض المدن، أو من قبل فصائل مسلحة نفذت عمليات اغتيال واختطاف ضد ناشطين في التظاهرات.
وسبق لهادي العامري أن شن هجوما على مظاهرات تشرين، ووصفها بمظاهرات الفتنة، وأشار في تصريحات سابقة تعود إلى العام 2020، إلى أن حزب البعث المنحل هو من يقف وراء تظاهرات تشرين.
وتعرضت تظاهرات تشرين والناشطون فيها إلى حملة تخوين وتسقيط واتهام بالعمالة للولايات المتحدة تارة، ولإسرائيل تارة أخرى، في حين أن مطالب المتظاهرين كانت تركز على محاسبة سراق المال العام وتعديل الدستور بما يضمن انتخابات نزيهة بعيدة عن النفوذ السياسي والحزبي، إلى جانب إبعاد الطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة عن المشهد السياسي لأنها أثبتت فشلها في حكم البلاد طيلة الفترة التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003 ولغاية انطلاق التظاهرات في تشرين الأول 2019.
لكن العامري خرج بتصريح آخر في ملتقى الرافدين للحوار عام 2021، ووصف المتظاهرين السلميين المشاركين في تشرين بأنهم "أبناؤه" وأنه يقف ويتضامن معهم في مطالبهم المشروعة التي كفلها الدستور العراقي، حسب وصفه.
وبهذا الخصوص، أكد الناشط البارز في تظاهرات تشرين أحمد الوشاح أن تصريحات هادي العامري بشأن وقوف المقاومة بوجه احتجاجات تشرين وإحباطها يمثل اعترافا وإقرارا رسميا من العامري بتورط الفصائل المسلحة بقتل مئات المتظاهرين.
وقال الوشاح في حديث لشبكة "الساعة": إن "العامري وما يعرف بقادة الفصائل والمقاومة هاجموا لأكثر من مرة تشرين والمشاركين فيها ووصفوها بالفتنة والعمالة والخارجية وغيرها من الأوصاف؛ في سبيل تبرير قتل المحتجين السلميين".
وأضاف أن "التصريح الأخير لرئيس منظمة بدر يعد دليلا وإقرارا صريحا بأن العصابات والميليشيات والخارجين على القانون والمطلوبين دوليا والمطلوبين داخليا للشعب العراقي، والذي يطلق عليهم تسمية المقاومة هم من قتل شباب تشرين"، مشيرا إلى أن "هذا الاعتراف أماط اللثام عن الطرف الثالث الذي رُوج له وتم تحميله مسؤولية قتل المتظاهرين، ليتم التأكيد من العامري بأن الطرف الثالث هم الفصائل المسلحة".
وشدد الوشاح على "ضرورة تحرك القضاء العراقي لمحاسبة العامري وقادة الفصائل المسلحة بتهمة التورط بالقتل العمد للمتظاهرين السلميين العراقيين".
وبينما شن الوشاح هجوما مضادا على العامري ووصفه بالعميل لإيران وقتاله لصالحها ضد الجيش العراقي لسنوات طويلة في حرب الثمانينات، لفت إلى أن "تصريحاته تأتي اليوم لتؤكد أنه وباقي قادة الفصائل وصلوا إلى مرحلة الانفعال والشعور بالخوف والرعب بأن بداية نهايتهم قد اقتربت"، مبينا أن "العامري يسعى من هذا الخطاب إلى تحشيد أتباعه حوله".
وختم الناشط في تظاهرات تشرين حديثه قائلا: إن "تشرين تعرضت إلى الاستهداف والقتل والتخوين لأنها الحلقة الأضعف في البلاد، فهي لا تمتلك المال والسلاح ولا الدعم الخارجي، وأن العامري سيحاسب على تصريحاته واعترافاته الخطيرة عندما يتم تطبيق القانون العراقي وعندما يكون القانون هو الحامي الأول للعراقيين والحافظ لكرامتهم والسد المنيع أمام أعدائهم من الذين سفكوا دماء العراقيين".
من جهته، أكد نائب رئيس مركز الرافدين للعدالة عادل الخزاعي أن تورط الفصائل المسلحة بقتل المتظاهرين في تشرين كان واضحا ولا يحتاج لإقرار من العامري بهذا الخصوص رغم أهمية هذا الإقرار والاعتراف.
وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "منذ اليوم الأول لاستهداف المتظاهرين السلميين في ثورة تشرين، كنا نعلم، أن ما جرى لم يكن عملاً مجهولاً من طرف ثالث، وإنما كان استهدافاً منظماً للمتظاهرين من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وتعمل تحت مظلة السلطة".
وأضاف الخزاعي: أنه "لدينا معلومات وأدلة وشهادات، بينها أسماء لأشخاص متورطين ومواد مصورة توثق جانباً من الجرائم التي ارتُكبت بحق المتظاهرين ولذلك فإن رواية الطرف الثالث التي روجت لها السلطات منذ الأيام الأولى لم تكن سوى محاولة لخلط الأوراق وتسويف القضية وإبعاد التحقيق عن الجهات التي تمتلك القوة والسلاح والنفوذ".
وتابع: أن "الحقيقة التي حاولت السلطة طمسها طوال هذه السنوات هي أن دماء شهداء تشرين لم تُسفك على يد طرف ثالث، وإنما في ظل منظومة سياسية وأمنية كانت تعرف من يطلق النار، ومن يمتلك السلاح، ومن يتحرك في ساحات التظاهر"، مؤكدا أن "ما صدر عن هادي العامري من تصريحات يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يفتح الباب أمام إعادة النظر في الرواية الرسمية التي قُدمت للرأي العام بشأن جرائم تشرين"، مشيرا إلى أنه "عندما يتحدث سياسي يمتلك كتلة برلمانية ووزراء بهذا الوضوح عن الجهات المسلحة ودورها، فإن الأمر لم يعد مجرد اتهامات تتداولها وسائل الإعلام، بل يصبح مادة ينبغي أن تخضع للتحقيق القضائي المستقل".
واستدرك الخزاعي قائلا: "نحن لا نتحدث عن تصفية حسابات سياسية، وإنما عن جرائم قتل وسفك دماء سقط فيها مئات العراقيين الذين خرجوا للمطالبة بالإصلاح والكرامة والدولة، ولذلك فإن من حق عوائل الضحايا أن تعرف من قتل أبناءها، ومن أصدر الأوامر، ومن وفر الحماية للجناة، ولماذا لم يُحاسب أي من كبار المتورطين حتى اليوم".
وأشار إلى أن "القضاء العراقي إذا أراد أن يثبت استقلاله، فيستطيع ذلك وأن يبدأ من هذه التصريحات وأن يفتح تحقيقاً جدياً وشاملاً، بعيداً عن الضغوط السياسية والفصائلية"، داعيا ذوي الشهداء والجهات الحقوقية إلى "اعتماد الأطر القانونية في إمكانية إقامة دعاوى بحق كل من تثبت مسؤوليته أو تورطه في هذه الجرائم".
وختم الخزاعي حديثه بالقول: إن "رواية الطرف الثالث سقطت أخلاقياً وسياسياً أمام دماء الضحايا، واليوم المطلوب أن تسقط قانونياً أيضاً، عبر تحقيق مستقل يكشف الحقيقة كاملة ويحاسب القتلة ومن أمرهم ومن حماهم، لأن تشرين لم تكن جريمة، والمتظاهرون لم يكونوا أهدافاً مشروعة، فالجريمة كانت في استهدافهم، والجريمة الأكبر هي استمرار الإفلات من العقاب".
وأثارت تصريحات العامري غضبا عراقيا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أكد سياسيون ومدونون أن ما ذكره العامري يمثل إقرارا رسميا بأن الفصائل هي التي قتلت المحتجين في تظاهرات تشرين.
التوابين الجدد شنو رأيهم بهذا الكلام؟ اذا تشرين كانت فتنة حسب العامري لماذا دعمتها مرجعية النجف و ادانت قمعها؟
— Steven Nabil (@thestevennabil) August 31, 2026
الحقيقة هي ان تشرين كانت حركة احتجاجية شعبية طبيعية وانفجار معنوي في اوساط المجتمع الذي شعر بأن الطبقة السياسية تعيش في عالم ثاني بعيدا عن الواقع و بأن العراق اصبح… pic.twitter.com/Z9mJY1m6tF
العامري: المقاومة هي التي وقفت ضد #ثورة_تشرين
— حيدر الزيدي (@he_z54) August 31, 2026
حجي ماكو فتنة اكبر من فتنة السلاح والفصائل
حجي من تكول الفصائل وقفت ضد ثورة تشرين يعني انت جاي تعترف بأن الفصائل هي الي قتلت المتظاهرين الابرياء. pic.twitter.com/pkA4LDxZSV
تشرين ليس فئة من شعب ولا حركة سياسية بل هي شعب كامل طالب بحريته وكرامته وحقوقه وطالب بتغيير جذري للواقع .
— Raheem Aldarraji- رحيم الدراجي (@rahemsahood) August 31, 2026
وقد وصفت المرجعية العليا في النجف الاشرف طريقهم بالمشرف ودمائهم بالزكيه وقتلاهم بالشهداء ام الطرف الاخر وصفتهم بالمعتدي الذي لا يرعى دماء الابرياء
ولتعلم جميع الأحزاب… pic.twitter.com/dbJxXOv6Y1
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام