أثار تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط بخصوص انفجار معسكر التاجي مطلع الشهر آب الجاري، تكرار استهداف الفصائل المسلحة الموالية لإيران للقوات العراقية وأسلحتها الثقيلة، كما أثار تساؤلات عن الجهة المستفيدة من إضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية بالتزامن مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود الكيانات المسلحة الخارجة على القانون.
وأكد تقرير الشرق الأوسط السعودية نقلا عن مصادر عسكرية واستخبارية أن السلطات العراقية تتوقع أن الانفجار الذي حصل في معسكر التاجي واستهدف مخزنا استراتيجيا يضم قذائق الدبابات في التاجي كان نتيجة هجوم بطائرة مسيرة.
ومن المعلوم أن الجهات الوحيدة التي تمتلك الطائرات المسيرة في العراق هي الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تحدثت فيما سبق عن استهداف مواقع عدة بالطيران المسير، كما أظهرت المقاطع المصورة التي تصدرها تلك الفصائل امتلاكها لترسانة من الصواريخ والطائرات المسيرة.
وبحسب الصحيفة فإن ضابطين قالا: إن "المحققين أفرغوا محتويات كاميرات حرارية في المعسكر، وأظهرت لقطات جسماً طائراً في الموقع قادماً من الجهة الجنوبية للمعسكر، قبل انفجار مخزن الذخائر، وقذائف الدبابات".
وكشفت الشرق الأوسط نقلا عن مصادرها أن "الفرقة التاسعة المدرعة والتي تعود لها دبابات أبرامز الأمريكية خسرت غالبية عتادها، والآن الفرقة لا تملك خزيناً من القذائف ولا حتى قذيفة واحدة، باستثناء الأسلحة الموجودة داخل الدبابات حالياً".
وفي الثاني من آب الجاري تعرضت مخازن للذخيرة في معسكر التاجي شمالي العاصمة بغداد إلى انفجارات قالت السلطات العراقية حينها إنها ناجمة عن تماس كهربائي أدى إلى حريق ثم انفجار في مخازن العتاد.
ورجحت لجنة الأمن والدفاع البرلمانية تنفيذ الهجوم على معسكر التاجي من قبل أحد الفصائل المسلحة العراقية.
وقال عضو في لجنة الأمن والدفاع العراقية رفض الكشف عن هويته في تصريح لشبكة "الساعة": إن "اللجنة تمتلك معلومات شبه مؤكدة عن أن المعسكر تعرض للاستهداف بالطيران المسير، والذي يمكن أن يكون تابعا للفصائل القريبة من طهران أو من قبل الجانبين الأمريكي أو الإسرائيلي".
وأشار النائب إلى أن "المعلومات تشير إلى أن استهداف التاجي تم من قبل أحد الفصائل وهي المعلومات المرجحة"، لافتا إلى أن "التحقيقات ما تزال جارية لغاية اليوم"، ونوه إلى أن "اللجنة عقدت قبل يومين اجتماعا خصص لبحث ومناقشة تفجير معسكر التاجي واستهداف ما فيه من ذخائر الدبابات".
ولم ترد السلطات العراقية لغاية الآن على المعلومات التي نشرت بهذا الخصوص، كما أن صحيفة الشرق الأوساط قالت إنها حاولت التواصل مع الجهات المعنية لكنها لم تحصل على رد.
ويتوقع مراقبون أن حادثة التاجي تؤكد تورط الفصائل المسلحة الموالية لإيران بالوقوف وراء الهجوم، كما فعلت ذلك من قبل عندما استهدفت مقر جهاز المخابرات بالطائرات المسيرة، وكذلك أجهزة الرادار التابعة للجيش والدفاع الجوي وأخرجته عن الخدمة وتسببت بخسارة العراق تلك الأجهزة التي تقدر قيمتها بنحو 3 مليار دولار.
في هذا الصدد يرى الكاتب والصحفي رسلي المالكي أن ما حصل من استهداف لمعسكر التاجي يؤكد مساعي الفصائل العراقية استهداف المؤسسة الأمنية والعسكرية وإضعافها قبل أي مواجهة محتملة في الـ 30 من أيلول المقبل وما بعدها.
وقال المالكي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من المتوقع والمرجح أن تقوم الفصائل المسلحة بمهاجمة القوات العراقية وتسليحها المهم والثقيل من اجل تقليم أظافر القوات المسلحة العراقية قبل أي مواجهة محتملة مع الفصائل في الـ 30 من أيلول (المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لنزع السلاح) وما بعدها"، مبينا أن "ما يدعم هذا التوقع استهداف الفصائل في أوقات سابقة لمؤسسات عسكرية عراقية كما حصل في استهداف جهاز المخابرات وأجهزة الرادار التابع للجيش واليوم استهداف مخازن ذخيرة الدبابات التابعة للفرقة القتالية المدرعة التاسعة".
وأضاف أن "الفصائل المسلحة قبل غيرها تعرف خطورة الفرقة التاسعة في الجيش ودبابات الأبرامز، فهذه الفرقة كانت لها بطولات وحظور فاعل في قتال تنظيم داعش، كما أنها مسلحة أمريكيا عبر دبابات الأبرامز وتمتلك الخبرة والتكنلوجيا والطواقم الكفوءة العسكرية، وبناء على ذلك جاء الاستهداف"، لكنه حمل الجيش العراقي جزء من المسوؤلية عندما قام بتخزين كل الذخيرة والعتاد الخاص بالفرقة المدرعة التاسعة في مكان واحد ما تسبب بتدميرها بشكل شبه كامل وبقاء العراق بدون ذخيرة او قذائف دبابات، الأمر الذي دفع العراق لطلب القذائف من الجانب الأمريكي.
وحذر المالكي من أن "الفصائل تسير نحو التدمير المرحلي لقدرات المؤسسة العسكرية العراقية، فإن استهدفت بالأمس القريب مخازن دبابات أبرامز، فستعود وتستهدف الطائرات المروحية والقتالية العراقية، وستستهدف الدبابات نفسها لاحقا والمدرعات، وربما يصل استهدافها للقيادات العسكرية وخاصة قيادات جهاز مكافحة الإرهاب".
وشدد على أن "الدولة يجب أن تتخذ إجراءات عاجلة وسريعة لكبح هذه الجماعات والقضاء عليها وضبط سلاحها، وأن تكون مستعدة بشكل كامل لمواجهتها في أي لحظة".
من جانبه، يشكك المحلل الأمني والسياسي سيف رعد في رواية تعرض معسكر التاجي للتماس الكهربائي بسبب الإجراءات المشددة والقياسية التي تتبعها الهندسة العسكرية في تخزين الأسلحة ولا سيما في معسكر معهم كالتاجي، وأشار إلى أن الحادثة ومع وجود فرضيتي التماس الكهربائي أو الاستهداف بالطيران المسير تؤكد ضرورة البحث عن الجهة المستفيدة مع الأخذ بعين الاعتبار الهجمات السابقة التي استهدفت طائرة عسكرية عراقية واجهزة الرادار وجهاز المخابرات الوطني.
وقال رعد في حديث لشبكة "الساعة": إن "المعلومات التي خرجت عقب حادثة التاجي أشارت إلى وجود حريق ناتج عن تماس كهربائي، وهو الأمر الذي يثير انتباه المراقبين للشأن الأمني، لأن فرضية الحريق والتماس الكهربائي لو تم الأخذ بها فإن هناك ما يضعفها وهو أن الذخائر يتم خزنها في الجيش العراقي تحديدا وفق السياقات والإجراءات الأمنية الصارمة في معسكر بالغ الأهمية كالتاجي"، مبينا أن "العراق لم يشهد طيلة السنوات السابقة انفجارات في مخازن الجيش العراقي والتي ربما يمكن أن تحصل في مخازن الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي لكنها من الصعوبة أن تحصل في مخازن الجيش لأنها تتعامل بشكل مختلف مع التخزين وبطريقة حرفية في الخزن"، على اعتبار أن الجيش لديه منظومة متكاملة وخبراء في الهندسة والمتفجرات وبالتالي لديهم إجراءات قياسية للتعامل مع الذخائر والصواريخ والمتفجرات.
وأضاف: أن "ما يثير الانتباه أيضا أن قاعدة التاجي التي تحدثت المعلومات عن حدوث تماس فيها، ليست بالقاعدة العادية، فهي قاعدة عسكرية حساسة ومهمة وتفرض عليها مراقبة وإشراف عسكري كبير".
وأشار رعد إلى أنه "مع التسليم برواية وفرضية التماس الكهربائي فإن من المفترض أن تبادر الجهات العسكرية بفتح تحقيق عاجل بالحادث، ومحاسبة المقصرين عن الحادث دون تأجيل، ولكن هذا الأمر لم يتم لحد الآن".
وتابع أن "فرضية الاستهداف بالطيران المسير ورغم أنها لم تستند إلى الآن إلى معلومات رسمية من جهات رسمية، وأنها جاءت من قبل مصادر صحفية نقلا عن مصادر أمنية غير رسمية، فإنه ينبغي التعامل معه بشكل جدي والأخذ بجميع الفرضيات، خاصة وأن هناك ما يدعم هذه الفرضية (فرضية الاستهداف) وهي الاستهدافات السابقة التي طالت مقر جهاز المخابرات والطائرات العسكرية التابعة للجيش وأجهزة الرادار التابعة للدفاع الجوي".
ونوه الباحث الأمني والسياسي إلى "ضرورة تتبع الجهة المستفيدة من الهجوم، خاصة مع وجود مجاميع مسلحة اليوم لا تريد تسليم سلاحها والانخراط بمشروع الدولة، كما أن بعض الدول الإقليمية لا تريد أن يكون للعراق أي قوة عسكرية على الأرض، وهذه الأمور تدفع نحو دعم الفرضية الثانية وهي فرضية الاستهداف".
وختم رعد حديثه بالقول: إن "التسامح وعدم التحرك العاجل في معالجة هذه الخروقات يشكل خطرا على الأمن القومي العراقي، إذ يجب التقصي عن الجهات التي تستهدف البنى التحتية للمؤسسة العسكرية، وفتح تحقيق على مستوى كبير، لمعرفة ما حدث في التاجي هل هو بفعل فاعل أو تماس كهربائي أو تورطت به جهات مسلحة أو إرهابية مع الأخذ بعين الاعتبار وربطها بحالات الاستهدافات السابقة التي تعرضت لها المنشآت الحيوية العسكرية العراقية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام