أكثر من 3 أيام مضت على استهداف قاعدتين عسكريتين عراقيتين، ولم تصل السلطات العراقية إلى نتائج ملموسة تكشف الجهة المتورطة بالهجوم أو على الأقل مسار الطائرة وموقع انطلاقها، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة للجهات الرسمية ولا سيما أن الاستهداف يعد تجاوزا وانتهاكا صارخا لسيادة البلاد.
وفجر الثلاثاء، عقب إعلان الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" وإيران، استهدف هجوم بطائرات انتحارية مسيرة معسكر التاجي شمالي بغداد وقاعدة الإمام علي في ذي قار جنوب البلاد، أسفر عن تدمير جهازي رادار ضمن منظومة الدفاع الجوية العراقية.
ولم تقتصر الهجمات على معسكري التاجي والإمام علي، إنما حاولت مسيرات أخرى استهداف قاعدة عين الأسد في الأنبار ومواقع عسكرية أخرى تابعة للقوات العراقية، لكن هذه الهجمات تم إحباطها وإسقاط الطائرات المسيرة المستخدمة فيها.
بيانات عراقية غامضة
أعلن المتحدث الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن رئيس الوزراء أمر بتشكيل لجنة فنية واستخبارية عالية المستوى تضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية المعنية كافة، للتحقيق في ملابسات هذا الاعتداء وكشف الجهات المنفذة له ومتابعة نتائج التحقيق بشكل كامل، وشدد النعمان على أن هذه الأفعال الإجرامية الغادرة، لن تمر دون عقاب.
ووصف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الهجمات التي استهدفت قواعد عسكرية عراقية وألحقت أضراراً بمنظومتي الرادار بقاعدتي التاجي والإمام بالغادرة والجبانة، وفيما شدد على خطة متكاملة لتأمين منظومة الدفاع الجوي.
وأشار إلى أن العراق لم يكن بموقف الضعف، ولن يتهاون مع أي عمل داخلي أو خارجي للإضرار بالأمن، وسيواجهه بكل حزم وقوة.
أما البيان الرسمي الأخير، فصدر عن وزارة الدفاع، ولم يوضح هو الآخر تفاصيل الهجوم أو هوية الجهة المنفذة، بل أعلن اعتقال أحد الأشخاص المقربين من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بعد أن دافع عبر حسابه في منصة "X" عن الهجوم على اعتبار أن أجهزة الرادار العراقية شاركت في تقديم معلومات للجانب الإسرائيلي خلال الهجمات المتبادلة مع إيران.
وأوضحت الوزارة أن اعتقال الناشط الإعلامي عباس العرداوي جاء على خلفية نشره تدوينية تحريضية تعمد بها الإساءة والتشهير بالمؤسسة الأمنية، وما ينطوي على ذلك من إضرار بالأمن القومي، وهو ما دفع لتنفيذ مذكرة قبض قضائية بحقه.
ماهو رادار TPS-77 ؟
بحسب مصادر عسكرية عراقية فإن الرادارين المدمرين هما من طراز (TPS-77)، وهو من إنتاج شركة لوكهيد مارتن الأمريكية العملاقة، ويمتلك العراق رادارين آخرين من هذا الطراز يغطيان أجزاء محدودة من سماء البلاد بفاعلية.
يعد رادار (TPS-77) مثاليًا للحدود والمواقع المتقدمة نظرًا لقابليته للنقل، ويتميز بقدرته على مسح وتغطية مساحات شاسعة، وكشف وتتبع الطائرات المقاتلة والمسيّرة وصواريخ كروز ويرصد تلك الأجسام على ارتفاع يصل 30 كم، كما يغطي مساحة شاسعة تزيد عن 470 كم، مع قدرات تشكيل شعاع رقمي ومكافحة التشويش، وقد تم التعاقد على شرائه منذ عام 2020.
ويمكن تشغيل هذا الرادار بشكل آلي دون طاقم، ويعد حلا متكاملا لأنظمة الدفاع الجوي ومجديا من الناحية الاقتصادية، ويغير مهامه بصورة ديناميكية، ويمكن نقله بسهولة ونصبه ونشره في أقل من ساعتين.
القوات الأمريكية تعترض طائرات أخرى
بالتزامن مع استهداف القواعد العراقية، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن القوات الأمريكية اعترضت 5 طائرات مسيرة هجومية، استهدفت قواعدها في العراق.
وذكرت في تقرير لها، نقلاً عن مصادرها، أن "القوات الأمريكية اعترضت 5 طائرات مسيّرة كانت قد أُطلقت في اتجاه قواعدها قرب مطار بغداد وفي غرب البلاد، مشيرةً إلى أنه لم ترد أنباء عن وقوع إصابات، وأضافت أن هوية الجهة التي أطلقت المسيرات مجهولة.
كما تزامن استهداف القواعد العسكرية العراقية مع معلومات تفيد بسقوط 3 طائرات مسيرة في محافظة ميسان الجنوبية.
وكشفت مصادر محلية عن أن طائرتين سقطتا في قلعة صالح، والثالثة في قضاء الميمونة، دون تفاصيل أكثر عن طبيعة مهام تلك الطائرات وما إذا كانت تهاجم أهدافا عسكرية من عدمه.
من المتورط.. إيران، الفصائل، "إسرائيل"؟
تشير قراءات المراقبين للشأن العراقي إلى وجود 3 جهات يمكن أن تقف وراء استهداف القواعد العراقية، وهي الفصائل المسلحة العراقية ولا سيما أن هجمات الفصائل تنفذ بهذا الشكل، والجانب الإيراني وذلك في إطار رده على القوات الأمريكية على خلفية ضرب المنشآت النووية الإيرانية، والجانب الإسرائيلي لتسهيل تنفيذ ضربات جوية مقبلة في الداخل العراقي تستهدف قادة الفصائل المسلحة العراقية.
يقول الباحث في الشأن السياسي محمد غصوب في حديث لشبكة "الساعة": إن "اللجنة التي شكلها الجانب العراقي يقع على عاتقها أن تكشف عن الجهة المنفذة للهجوم بشكل سريع خاصة وأن الاستهداف نال من السيادة العراقية".
وأضاف غصوب: أن "ما نقله بعض الأشخاص من مواقف كما حصل مع المحلل المقرب من الفصائل عباس العرداوي جعل أصابع الاتهام تتجه نحو تلك الفصائل باستهداف المقرات الأمنية العراقية".
وتابع أن "طبيعة الهجوم على القواعد العراقية تشير إلى تورط جهتين لا ثالث لهما في الهجوم، الأولى تتمثل في الكيان الإسرائيلي والثانية في الفصائل المسلحة الموالية لإيران".
وأشار إلى أن "احتمال وقوف الموساد الإسرائيلي وراء الهجوم تدعمه فرضية رغبة الكيان في تصفية قادة الفصائل العراقية وبالتالي دفعها لضرب منظومات الدفاع الجوي لتسهيل أي عمليات قصف مقبلة تنفذها إسرائيل في الداخل العراقي".
ولفت إلى أن "احتمال تورط الفصائل بسبب سماح أجهزة الرادار العراقية للطيران الإسرائيلي والأمريكي بعبور الأجواء العراقية واستهدافه المواقع الإيرانية، لكنه استبعد هذا الخيار ورجح أن تكون إسرائيل هي المسؤولة عن استهداف المواقع العراقية العسكرية".
وشكك غصوب بإمكانية أن "تتوصل اللجان المشكلة إلى الفاعل الحقيقي بسبب الضغوط التي تمارس على الحكومة العراقية"، مبينا أنه "رغم ذلك يجب انتظار تقرير اللجنة العراقية بهذا الخصوص عله يظهر معلومات مهمة عن الحادث".
وشدد غصوب على "أهمية أن يكشف الجانب العراقي عن الفاعل وألا تقيد القضية ضد مجهول كما حصل في كثير من الحالات السابقة"، مبينا أن "تخلي العراق عن كشف الحقائق بهذا الملف يدفع نحو توجيه التهم للفصائل المسلحة القريبة من إيران بتنفيذ الهجمات رغم استبعاد تورطها في الهجوم".
أما الباحث والمحلل السياسي عائد الهلالي فأكد على ضرورة أن يتحرك العراق بعد الكشف عن الفاعل ويتخذ إجراءات فاعلة على الأرض كرد على تلك الهجمات.
وقال الهلالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "المؤسسة الأمنية معنية بإجراء تحقيق متكامل وكشف الجهة التي استهدفت المقرات العسكرية وهذا الأمر يتطلب بعض الوقت لتحديد الجهة الفاعلة بشكل دقيق".
وأضاف أن "الحكومة العراقية مطالبة بموقف تجاه ما جرى سواء كان المنفذ هو الجانب الإيراني أو الجانب الإسرائيلي"، مشددا على "ضرورة أن يتحرك العراق بشكوى رسمية ضد الكيان الإسرائيلي لدى مجلس الأمن في حال ثبت تورطها في الاعتداء، وأن يتحرك تجاه الجانب الإيراني بذات الطرق التي تحركت بها دولة قطر بعد استهداف قاعدة العديد من الجانب الإيراني".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام