يشهد العراق حراكًا برلمانيًا لتجميد عمل مجالس المحافظات، والتي جُمِّدت قبل سنوات عقب تظاهرات تشرين، ثم أُلغي تجميدها على اعتبار أنها مؤسسة منصوص على وجودها وعملها في الدستور العراقي.
ويأتي الحراك لتجميد عمل مجالس المحافظات في ظل الأزمة التي تواجه البلاد، بسبب قلة السيولة المالية الناتجة عن توقف الصادرات النفطية، حيث أعلن نواب أن حراكهم جاء من أجل الحد من الأزمة المالية الخانقة.
وبحسب وثائق برلمانية، فإن النائب محمد هادي الشمري قدم طلبًا إلى رئاسة البرلمان لحل مجالس المحافظات، وبدأ خلال جلسة البرلمان أمس الأحد جمع تواقيع لعشرات النواب.
وقال الشمري في بيان: إنه "تقدم بطلب رسمي لإدراج قرار تجميد عمل وموازنات مجالس المحافظات للدورة الحالية والتصويت عليه"، مبينًا أن "الخطوة جاءت استنادًا لأحكام القانون رقم (21) لسنة 2008 المعدل، نتيجة الإخلال الجسيم بالمهام والمسؤوليات الموكلة إليها، ولممارسة مجلس النواب حقه الدستوري في الرقابة لحماية المال العام".
وأكدت عضو مجلس النواب نورا الجحيشي جمع نحو 100 توقيع برلماني لتجميد عمل مجالس المحافظات والموازنات الخاصة بها للدورة الحالية والدورة المقبلة.
وقالت البجاري في حديث لشبكة "الساعة": إن "جمع التواقيع لتجميد عمل مجالس المحافظات جاء نتيجة الأزمة المالية التي يمر بها العراق، لا سيما مع الحديث عن وجود استغلال لتلك المجالس من قبل بعض الأعضاء أو الجهات في الفساد والمخالفات"، مشيرة إلى أن "مجلس النواب يمثل الجهة الرقابية التشريعية العليا في البلاد، وهو ما يمثل الرؤية لتجميد المجالس المحلية لعدم وجود الحاجة لها في الوقت الحالي".
وأوضحت الجحيشي أن "الحملة قادت إلى جمع 98 توقيعًا لحل المجالس المحلية، وتم تقديم الطلب بذلك إلى رئاسة البرلمان"، لافتةً إلى أن "رئيس البرلمان أحال هذا الموضوع إلى اللجنة القانونية لاتخاذ مخرج قانوني ودستوري بهذا الخصوص".
واللافت في حراك جمع التواقيع لحل مجالس المحافظات، أنها جاءت بمبادرة من القوى السياسية الشيعية، التي تمتلك حضورًا قويًا في المجالس المحلية.
وحظي الموضوع بمواقف متباينة بين مؤيد لحل وتجميد مجالس المحافظات لأنها حلقة زائدة وتحيط بها شبهات فساد مالي وإداري، فضلًا عن استنزافها لمبالغ مالية من الميزانية، بينما يراها آخرون تجاوزًا ومخالفة دستورية، إذ لا يجيز الدستور حل مجالس المحافظات بناءً على قانون من مجلس النواب.
تشابك سياسي
وبهذا الشأن، أكد عضو مجلس محافظة البصرة علي العبادي أن حل مجالس المحافظات بهذه الطريقة يمثل خطوة مخالفة للدستور، ويحتاج إلى معالجة دستورية وقانونية، لافتًا إلى أن استخدام هذا الملف بهذه الطريقة يمثل تغطية للفشل في إدارة الملفات.
وقال العبادي في بيان تابعته شبكة "الساعة": إن "اعتراضه على حل المجالس ينصب على صدور دعوات إلغاء مجالس المحافظات من جهات سياسية لديها أعضاء في مجالس المحافظات بمختلف أنحاء العراق"، متسائلًا عن "إمكانية تبني تلك الجهات موقفها عمليًا من خلال عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة؟".
وأضاف أنه "من غير المنطقي أن تتم مخالفة الدستور، لأن إلغاء مجالس المحافظات يحتاج إلى معالجة دستورية وقانونية"، وانتقد استخدام ملف مجالس المحافظات لتغطية ما وصفه بـ"الفشل في إدارة الملفات".
ضرب اللامركزية وتعزيز الفساد
إضافة إلى ذلك، يثير تجميد عمل المجالس المحلية مخاوف بعض الجهات التي ترى أن إلغاء المجالس محاولة لتعزيز المركزية والتفرد بالسلطة والحكم.
وبهذا الصدد، تؤكد عضو في مجلس محافظة نينوى نادية الجبوري أن إلغاء مجالس المحافظات من شأنه تكريس السلطة بيد جهة واحدة، وسينتهي تمثيل ومشاركة ممثلي بعض المحافظات واتخاذ القرار.
وقالت الجبوري في حديث لشبكة "الساعة": إن "حل المجالس سيعزز المركزية وينهي اللامركزية الإدارية التي نص عليها الدستور"، مبينة أن "مجلس النواب لا يمتلك حق حل وتجميد عمل مجالس المحافظات ما دامت المجالس المحلية لم تتجاوز مدتها القانونية ولم تتجاوز على الدستور".
وأضافت أن "إلغاء وحل المجالس من شأنه تكريس القرار والحكم بيد جهة واحدة، وخاصة المحافظ وأعضاء مجلس النواب، وهو ما حصل في نينوى خلال السنوات السابقة، عندما جمدت المجالس المحلية، وبالتالي استشرى الفساد وتورط به الكثير من أعضاء مجلس النواب بسبب غياب رقابة مجلس المحافظة"، مشيرة إلى أن "حل المجالس لن يوفر أي مبالغ مالية كما يدعي البعض، إذ إن راتب عضو المجلس يتراوح ما بين مليونين و400 ألف إلى 3 ملايين دينار فقط".
وتابعت الجبوري أن "حل المجالس بهذه الطريقة يشكل مخالفة للدستور، على اعتبار أن الدستور العراقي لعام 2005 اعتمد اللامركزية الإدارية لتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية في بغداد والأقاليم والمحافظات".
المسار القانوني لحل المجالس
من الناحية القانونية، يؤكد الخبير القانوني علي التميمي أن حل مجالس المحافظات لا يمكن أن يكون إلا عبر مسارين اثنين، الأول عبر مسار مجلس النواب بموافقة ثلثي الأعضاء وبناءً على طلب من رئيس الوزراء أو مجلس المحافظة نفسه، والثاني يكون عبر الاستفتاء الشعبي.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الدستور العراقي لسنة 2005 اعترف بمجالس المحافظات في المادة 122 كوحدات إدارية ومالية لها استقلالها، كما نظم قانون مجالس المحافظات رقم 21 لسنة 2008 المعدل عملها وصلاحياتها".
وأضاف أنه "قرار بحل المجالس أو تجميد أموالها لا يمكن أن يكون بقرار إداري أو سياسي منفرد، فتجميد الأموال يمس الاستقلال المالي للمحافظة، ولا يتم إلا بقرار قضائي أو بقانون يصدر من مجلس النواب. أما تجاوزه فيعتبر مساسًا بمبدأ اللامركزية الإدارية الذي كفله الدستور".
وتابع التميمي أن "القانون حصر صلاحية الحل بمسارين لا ثالث لهما، الأول مسار مجلس النواب، ويكون بناءً على طلب من رئيس الوزراء وموافقة مجلس الوزراء، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس المحافظة المعنية، ويشترط لإقرار الحل تصويت مجلس النواب بأغلبية الثلثين، وبعد الحل يتم تشكيل إدارة مؤقتة والدعوة لانتخابات جديدة خلال 90 يومًا، أما المسار الثاني فهو الاستفتاء الشعبي، ويتم بحصول موافقة ثلثي الناخبين في المحافظة على قرار الحل".
وأكد أن "مجلس المحافظة نفسه لا يملك حق حل نفسه، حيث يستطيع أن يتقدم بطلب لمجلس النواب أو أن يستقيل أعضاؤه جماعيًا، لكن القرار النهائي يبقى بيد السلطة التشريعية أو الشعب مباشرة، فالاستقالة الجماعية توقف عمل المجلس لفقده النصاب، لكنها لا تغني عن قرار الحل الصادر من مجلس النواب".
وشدد على أن "أي حراك لحل مجالس المحافظات خارج هذين المسارين يعد إجراءً مخالفًا للمادة 122 من الدستور وقانون 21 لسنة 2008، ويكون عرضة للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا، لأن المعالجة القانونية للأزمة لا تكون بتجاوز القانون، بل بتفعيل آلياته، والإصلاح الحق يبدأ من احترام الدستور الذي هو عقد الشعب".
لا جدوى من حل المجالس لوحدها
أما اقتصاديًا، فيرى أستاذ الاقتصاد محمد مثنى أن حل المجالس المحلية في العراق لوحده لا يكفي لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية التي تضرب العراق.
وقال مثنى في حديث لشبكة "الساعة": إن "الإصلاح الاقتصادي يتطلب جملة من الأمور، منها تقليص عدد أعضاء مجلس النواب وإلغاء الرواتب العليا وحل المجالس المحلية وعدم استحداث مناصب جديدة لنواب الرؤساء، وكذلك يتطلب إلغاء تمويل العديد من المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها الأوقاف الدينية، وكذلك إيقاف تخصيص الأموال للمناسبات الدينية، والأهم مما سبق إعادة النظر بملف الموظفين وتحويل عدد كبير منهم إلى التمويل الذاتي لإجبار مؤسسات الدولة على الإنتاج من أجل تمويل رواتب موظفيها، إلى جانب البدء بحملة حقيقية لمحاربة الفساد لا تستثني أحدًا، حتى وإن كانت وفقًا للنموذج السعودي عبر وضع المتهمين الذين لا تستطيع الدولة القبض عليهم بإرغامهم على إعادة الأموال المسروقة والمهدورة".
وأضاف أن "حل مجالس المحافظات لوحده لن يوفر لخزينة الدولة أكثر من 12 مليار دينار للدولة سنويًا، على اعتبار أن عدد أعضاء مجالس المحافظات لا يتجاوز الـ300 عضو، وأن راتب العضو الواحد لا يتجاوز الـ3 ملايين دينار عراقي"، مبينًا أن "الأموال التي سيتم توفيرها من إلغاء المجالس المحلية لا تكاد تذكر ولا تساهم في حل الأزمة، خاصة وأن العراق شهد قبل أيام، وفي ظل أزمته المالية، تخصيص نحو 80 مليار دينار لدعم إحدى المناسبات الدينية".
إصلاح اللامركزية بدل إلغائها
أما سياسيًا، فيرى الباحث والمحلل السياسي عائد الهلالي أن الحراك المطالب بحل مجالس المحافظات يجب أن يُقرأ بعيدًا عن ردود الأفعال السياسية، وأن يُنظر إليه في إطار الدستور والقانون وتجربة العراق السابقة.
وقال الهلالي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "في السابق أُنهِيَت أعمال مجالس المحافظات في عام 2019 تحت ضغط الاحتجاجات، لكن التجربة أثبتت أن الإلغاء أو التعطيل المؤقت لا يعالج جذور المشكلة، بدليل عودة المجالس بعد الانتخابات المحلية الأخيرة".
ولا يستبعد الهلالي أن "ينجح الضغط السياسي والشعبي في دفع البرلمان إلى اتخاذ خطوة باتجاه الحل أو إعادة النظر في عمل المجالس"، لكنه نوّه إلى أن "الحل وحده لن يكون كافيًا ما لم يترافق مع إصلاح حقيقي لنظام الإدارة المحلية، وتحديد واضح للصلاحيات، وآليات رقابة ومساءلة تمنع تحويل المجالس إلى ساحات للمحاصصة والصراع السياسي".
وتابع أن "القول بأن حل مجالس المحافظات يعزز المركزية، فهو صحيح جزئيًا من الناحية العملية، لكنه لا ينبغي أن يكون الهدف؛ فالدستور العراقي جعل المحافظات غير المنتظمة في إقليم قائمة على مبدأ اللامركزية الإدارية، ومنحها صلاحيات إدارية ومالية واسعة، وبالتالي فإن إلغاء المجالس بصورة دائمة قد يثير إشكالًا دستوريًا، لأن وجودها مرتبط بالنص الدستوري نفسه، وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن البرلمان لا يستطيع إلغاءها بقانون عادي".
وختم الهلالي حديثه بالقول: إن "المطلوب اليوم ليس إلغاء اللامركزية، بل إصلاحها، حتى تصبح مجالس المحافظات أداة لخدمة المواطن لا عنوانًا للصراع السياسي، عبر انتخابات نزيهة، ومحاسبة حقيقية، وفصل واضح بين الرقابة والتنفيذ".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام