منذ عام 2003، اعتمد العراق بشكل متكرر على القنوات الدبلوماسية والقانونية للأمم المتحدة لتوثيق انتهاكات سيادته وتسجيل اعتراضاته الرسمية أمام مجلس الأمن، وتنوعت هذه المراسلات بين شكاوى رسمية ورسائل احتجاج وطلبات لاتخاذ إجراءات دولية، شملت قضايا التدخلات العسكرية، والانتهاكات الحدودية، ومكافحة الإرهاب، والملفات القانونية المرتبطة بالعراق.
واليوم، يعتزم العراق تقديم شكوى إلى مجلس الأمن استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بهدف منع تكرار الانتهاكات، كما كلفت الحكومة وزارة الخارجية بتوثيق الاعتداءات الأخيرة وتسجيلها رسميًا لدى الأمم المتحدة، مؤكدة رفضها أي أعمال عسكرية تمس السيادة العراقية، بغض النظر عن الجهة المنفذة لها.
حصيلة الشكاوى والرسائل
وجّه العراق 42 شكوى ورسالة احتجاج رسمية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة خلال الفترة من 2003 وحتى 2 آب/أغسطس 2026، كان عام 2003 الأكثر نشاطًا بواقع 8 مراسلات، في ظل التطورات التي سبقت الغزو الأميركي للعراق، بينما احتلت تركيا المركز الأول بعدد الشكايات الموجهة ضدها.
تطور عدد الشكاوى حسب السنوات
سجل العراق في عام 2003 أعلى عدد من الشكاوى والرسائل التي قدمها إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، بواقع 8 مراسلات، حيث كثف العراق تحركاته الدبلوماسية قبل وأثناء وبعد عمليات الغزو الأميركي مباشرة، وبعد ذلك شهدت الفترة بين 2004 و2006 تراجعًا كاملًا في عدد الشكاوى المسجلة، قبل أن تعود للارتفاع في عام 2007 بثلاث شكاوى تركزت على الانتهاكات التركية للسيادة العراقية.
وسجلت الأعوام 2009 اربع شكاوي و2010 ثلاث شكاوى، معظمها ارتبط بالملفات القانونية والدولية إلى جانب الانتهاكات الحدودية، بينما انخفض العدد إلى شكوى واحدة في عام 2013، ثم ارتفع إلى شكويين في كل من عامي 2014 و2015 مع بروز ملف مكافحة تنظيم "داعش" واستمرار الاحتجاجات على التدخلات العسكرية.
وعادت وتيرة الشكاوى إلى الارتفاع خلال الأعوام 2019 و2020، إذ سجل العراق 3 شكاوى في عام 2019 و4 شكاوى في عام 2020، على خلفية تصاعد الانتهاكات العسكرية والضربات التي شهدتها أراضيه.
وفي السنوات اللاحقة، تراوح عدد المراسلات بين شكوى واحدة وشكويين سنويًا، إذ سجل عاما 2021 و2022 شكويين لكل منهما، ثم شكوى واحدة في كل من 2023 و2024، قبل أن يرتفع العدد مجددًا إلى شكويين في عام 2025، واستمر بالمعدل ذاته خلال عام 2026 حتى 2 آب/أغسطس.
@2x (1).png)
الشكاوى حسب الجهة
تصدرت تركيا قائمة الجهات التي وجّه العراق ضدها أكبر عدد من الشكاوى والاحتجاجات إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، بواقع 13 شكوى ورسالة احتجاج، تركزت على التوغلات العسكرية والقصف المتكرر للمناطق الحدودية، ووجود القوات التركية داخل الأراضي العراقية.
وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بـ10 شكاوى، معظمها ارتبط بالغزو عام 2003 والضربات العسكرية التي شهدها العراق لاحقًا، تلتها المملكة المتحدة بـ7 شكاوى مرتبطة بشكل رئيسي بالعمليات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة.
كما احتلت الكويت المرتبة الرابعة بـ6 شكاوى، تركزت على الملفات القانونية والحدودية، ولا سيما التعويضات وقضية خور عبد الله، وشملت المراسلات أيضًا 3 شكاوى تتعلق بتنظيم "داعش"، شكويين ضد جهات خارجية اتهمها العراق بدعم الإرهاب، إضافة إلى شكويين ضد "إسرائيل" على خلفية انتهاكات السيادة العراقية، وشكويين ضد إيران بسبب القصف الذي استهدف الأراضي العراقية، فضلا عن شكوى قدمت ضد سوريا بسبب إيوائها جماعات إرهابية تستهدف العراق. @2x.png)
تطور طبيعة الشكاوى
منذ عام 2003، لجأ العراق مرارًا إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة لتسجيل اعتراضاته الرسمية على انتهاكات اعتبرها تمس سيادته ووحدة أراضيه، في مسار دبلوماسي يبين اعتماد بغداد على القنوات الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية.
وخلال السنوات الأولى بعد عام 2003، انصبت الشكاوى العراقية على العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية؛ إذ وثقت الحكومة انتهاكات للمجال الجوي، وقصفًا عسكريًا، وحشودًا قرب الحدود، مطالبة مجلس الأمن بالتدخل لوقف العمليات واحترام سيادة العراق، كما قدمت بغداد طلبات لعقد جلسات طارئة قبيل الغزو الأميركي.
ورغم مناقشة بعض هذه الملفات داخل مجلس الأمن وتسجيلها رسميًا في وثائق الأمم المتحدة، فإنها لم تُفضِ إلى إجراءات أو قرارات حالت دون الغزو أو أوقفت العمليات العسكرية، وفي عام 2020، عاد هذا المسار مع تقديم العراق شكوى جديدة على خلفية الضربات العسكرية الأميركية داخل أراضيه، مطالبًا باحترام سيادته، إلا أن مجلس الأمن اكتفى بتسجيل الاحتجاج دون إصدار قرار ملزم.

من الحرب إلى الملفات القانونية
اتجهت المراسلات العراقية ابتداءً من عام 2009 إلى معالجة الملفات القانونية والدولية المرتبطة بوضع العراق بعد عام 2003، بعيدًا عن الاحتجاجات العسكرية المباشرة، ففي عام 2009، طلبت بغداد إنهاء عمل لجان التفتيش الدولية، وهو ما تُوّج لاحقًا بإنهاء ولاية تلك اللجان.
وفي عام 2010، ركزت الشكاوى على مراجعة ملف التعويضات وإنهاء القيود الدولية المفروضة على العراق، وأسفرت هذه التحركات عن صدور قرارات من مجلس الأمن أسهمت في إنهاء عدد من الالتزامات الدولية وإخراج العراق تدريجيًا من القيود المفروضة عليه.
بينما واصلت الحكومة العراقية في عام 2015 مطالبها باستكمال تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعراق، في إطار استعادة وضعه القانوني الطبيعي على الساحة الدولية، وقد حققت هذه المراسلات نتائج عملية من خلال استكمال تنفيذ عدد من القرارات الأممية المتعلقة بالعراق.

مكافحة الإرهاب على أجندة الأمم المتحدة
مع تصاعد التهديدات الإرهابية، تحولت المراسلات العراقية إلى حشد الدعم الدولي لمواجهة تنظيم "داعش" وملاحقة الجهات الداعمة للإرهاب، ففي عام 2013، وجّه العراق شكاوى بشأن جهات خارجية اتهمها بدعم الإرهاب، بينما طلب في عام 2014 دعمًا دوليًا لمواجهة تنظيم "داعش"، بالتزامن مع توثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها التنظيم بحق المدنيين.
وأسهمت هذه التحركات في تشكيل التحالف الدولي ضد "داعش"، قبل تبدأ في عام 2019 بمتابعة ملف جرائم التنظيم عبر دعم عمل فريق التحقيق الأممي (UNITAD) المختص بجمع الأدلة تمهيدًا لمحاسبة مرتكبيها.

السيادة والانتهاكات الحدودية
ومنذ عام 2007 أصبحت تركيا محور العدد الأكبر من رسائل الاحتجاج العراقية، إذ اتهمتها بغداد بتنفيذ عمليات عسكرية متكررة داخل الأراضي العراقية، وخرق المجال الجوي، وإنشاء قواعد عسكرية من دون موافقة الحكومة الاتحادية، مطالبة مجلس الأمن بإلزام أنقرة باحترام السيادة العراقية وسحب قواتها، ورغم عقد جلسات لمناقشة بعض هذه القضايا، لم يصدر المجلس قرارات ملزمة بشأنها.
وفي عام 2009، قدّم العراق شكوى رسمية إلى مجلس الأمن طالب فيها بفتح تحقيق بشأن اتهام النظام السوري آنذاك بالتدخل في الشؤون العراقية وإيواء جماعات إرهابية معادية للعراق، وذلك على خلفية تفجيرات 19 آب/أغسطس 2009 التي استهدفت وزارتي الخارجية والمالية، وأسفرت عن مقتل 95 شخصًا وإصابة نحو ألف آخرين.
ووثق العراق احتجاجات رسمية ضد إيران، أبرزها بعد قصف أربيل مطلع عام 2024، مؤكدًا رفض استخدام أراضيه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، ومطالبًا جميع الأطراف باحترام سيادته ووحدة أراضيه.
وفي عام 2025، قدم العراق شكوى جديدة ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد استخدام طائراته المجال الجوي العراقي خلال الهجوم على إيران، عادًّا ذلك انتهاكًا مباشرًا لسيادته، فيما شهد عام 2026 انتقال الاحتجاجات إلى ملف الحدود البحرية مع الكويت، عبر رسائل قانونية تناولت قضية خور عبد الله وترتيبات الملاحة والحدود البحرية.
.png)
نتائج الشكاوى والاحتجاجات
وعلى صعيد النتائج، فإن غالبية الشكاوى والرسائل التي قدمها العراق إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة لم تتجاوز مرحلة التوثيق الرسمي، إذ انتهت 20 من أصل 41 مراسلة بمجرد تسجيلها في وثائق الأمم المتحدة دون اتخاذ إجراءات إضافية.
انتقلت الشكاوى إلى مرحلة المناقشة أو عقد جلسات ومتابعات داخل مجلس الأمن في 9 حالات، بينما أفضت 6 مراسلات إلى استجابات عملية تمثلت في صدور قرارات أممية أو اتخاذ إجراءات تنفيذية، من بينها ملفات مرتبطة بإنهاء عمل لجان التفتيش الدولية، والتعويضات، وإنشاء فريق التحقيق الأممي (UNITAD)، بينما بقيت 6 شكاوى بنتائج غير محددة، دون أن تترتب عليها إجراءات ملموسة.
@2x (1).png)
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام