يمثل نشاط الفصائل المسلحة في العراق أحد أكثر الملفات تعقيدًا منذ عام 2003، إذ تطور من جماعات مسلحة متفرقة إلى تشكيلات تمتلك نفوذًا عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا واسعًا، ومع مرور الوقت، برزت مجموعات تستخدم أسماء متعددة وتتحرك تحت عناوين مختلفة، من أبرزها ما يعرف بـ "فصائل المقاومة الإسلامية في العراق" و"فصائل الواجهة"، وارتبط نشاط هذه الجماعات بصورة وثيقة بالصراع الإيراني–الأمريكي والتوترات الإقليمية، ولا سيما من خلال استهداف القوات والمصالح الأمريكية داخل العراق وخارجه.

وأدى توسع نشاط هذه الفصائل إلى انعكاسات تتجاوز الجانب الأمني، خصوصًا على علاقات العراق مع دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج، وأصبح العراق أمام معادلة معقدة بين علاقاته الاستراتيجية مع إيران، ووجود فصائل مسلحة قريبة من طهران، وبين التزام الحكومة العراقية بالحفاظ على سيادة البلاد ومنع استخدام أراضيها منصةً لشن هجمات على الدول المجاورة، خاصة مع تحذيرات سابقة وجهت للعراق على مدار الأشهر الماضية من انعكاس تلك الاستهدافات على سيادة العراق وأمنه.  

العراق والسعودية.. من الانفتاح إلى التوتر الأمني

شهدت العلاقات العراقية–السعودية خلال السنوات الماضية انتقالًا بين مراحل من التقارب والانفتاح وبين فترات من التوتر، قبل أن تعود المخاوف الأمنية إلى الواجهة مع التصعيد الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل".

وفي 29 تموز/يوليو 2026، اتخذ التوتر منحى أكثر خطورة؛ إذ نفذت مقاتلات سعودية ضربات داخل العراق استهدفت مواقع مرتبطة بفصائل عراقية مدعومة من إيران، في إطار ردود إقليمية على الهجمات التي طالت السعودية ودولًا خليجية أخرى.

وفي المقابل، تعرضت السعودية لهجمات بطائرات مسيّرة، بعضها تبنته فصائل عراقية، فيما نسبت الرياض هجمات أخرى إلى جماعات مرتبطة بإيران في العراق، وفي 27 تموز/يوليو 2026 أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عدد من المسيّرات التي حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض، وقالت إن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها الفصائل المسلحة تابعة لإيران.

استهداف الفصائل العراقية للسعودية

برزت الاستهدافات المعلنة للسعودية بصورة أوضح خلال آذار/مارس 2026، في إطار التصعيد الإقليمي، فقد أعلنت فصائل عراقية، من بينها رجال البأس الشديد وأصحاب الكهف وسرايا أولياء الدم، تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد أهداف في السعودية، بينما تضمنت بيانات لاحقة للمقاومة الإسلامية في العراق السعودية ضمن مسرح عملياتها.

وبحسب البيانات التي جرى رصدها، أعلن رجال البأس الشديد تنفيذ هجمات على قاعدة الأمير سلطان في 6 و10  آذار/مارس، فيما أعلنت أصحاب الكهف في 10  آذار/مارس استهداف أهداف داخل السعودية، وفي 11  آذار/مارس، أعلنت سرايا أولياء الدم تنفيذ 7 عمليات بطائرات مسيّرة ضد أهداف سعودية، ثم أعلنت لاحقًا أرقامًا أكبر لعملياتها شملت العراق وعددًا من دول الجوار بينها السعودية.

وفي 17 أيار/مايو، أعلنت السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة قالت إنها دخلت من الأراضي العراقية، من دون تحديد الفصيل المسؤول عنها، أما في 27 تموز/يوليو، فقد انتقلت الرياض إلى اتهام مباشر الفصائل المسلحة مرتبطة بإيران في العراق بتنفيذ هجمات استهدفت منشآتها النفطية، وهو اتهام دفع بغداد إلى فتح تحقيق.

في 29 يوليو/تموز 2026، أعلنت هيئة الحشد الشعبي تعرض عدد من مقراتها الرسمية في مناطق متفرقة من العراق لهجمات قالت إن القوات الأمريكية والسعودية نفذتها، وتباينت الروايات بشأن حجم الخسائر البشرية الناجمة عن القصف؛ إذ أشارت الرواية الأمريكية، إلى مقتل نحو 20 مستشارًا وفنيًا إيرانيًا، في حين تحدثت وكالة مهر الإيرانية عن مقتل 4 أو 5 عناصر فقط من الحرس الثوري الإيراني في محافظة ديالى، ونشرت أسماء عدد منهم، بينهم علي أصغر أستانة وأبو الفضل متقي

في المقابل، أعلنت هيئة الحشد الشعبي العراقية مقتل 20 من عناصرها وإصابة 32 آخرين، وفق حصيلة أولية، وذكرت أن الاستهدافات طالت مقرات لها في بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى، ووصفت الهجمات بأنها تصعيد خطير وانتهاك للسيادة العراقية واستهداف لمؤسسة أمنية رسمية. 

استهدافات دول الجوار خلال الحرب

امتد نشاط الفصائل العراقية المسلحة خلال الحرب إلى عدد من دول الجوار والمنطقة، بينها الأردن والكويت والسعودية وسوريا والبحرين والإمارات، ما أسهم في تعقيد علاقات العراق الإقليمية ورفع مستوى التوتر مع هذه الدول. فقد وضعت هذه الهجمات الحكومة العراقية أمام ضغوط متزايدة للحفاظ على سيادة الدول المجاورة ومنع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ عمليات خارج الحدود.

1-الإردن: تعد الأردن من أكثر الدول تعرضًا للاستهدافات المعلنة، إذ تبنت فصائل عراقية، بينها رجال البأس الشديد وسرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف، سلسلة من الهجمات على قاعدة موفق السلطي خلال الفترة بين 28 شباط/فبراير و31 آذار/مارس 2026، وأعلن رجال البأس الشديد عدة هجمات بطائرات مسيّرة على القاعدة في 28 شباط/فبراير و1 و2 و6 و7  آذار/مارس، بينما أعلنت سرايا أولياء الدم استهداف القاعدة في 4 و6  آذار/مارس، إلى جانب عمليات أخرى أعلنتها في الأردن خلال 11 و12  آذار/مارس، كما سجل في 31  آذار/مارس استهداف لقاعدة موفق السلطي في الزرقاء من قبل فصيل عراقي.

 

2- الكويت: وفي الكويت، أعلنت فصائل عراقية عدة عمليات استهداف خلال  آذار ونيسان 2026. فقد تبنت كتائب أصحاب الكهف هجمات بطائرات مسيّرة في 9 و12  آذار/مارس،  كما أعلنت سرايا أولياء الدم في 11  آذار/مارس، تنفيذ أربع عمليات بالطائرات المسيّرة، بينما تبنى جيش الغضب هجومًا في 27  آذار/مارس، وفي الأول من نيسان/أبريل، أعلن فصيل عراقي استهداف مطار الكويت، ما جعل الكويت إحدى أبرز ساحات امتداد العمليات خارج العراق.

3- سوريا: أما سوريا، فقد شهدت هي الأخرى عددًا من الهجمات على القواعد والمواقع العسكرية، خصوصًا في المناطق الشمالية والشرقية. وأعلن رجال البأس الشديد في 6  آذار/مارس استهداف قاعدة الرميلان بطائرتين مسيّرتين، بينما أعلنت سرايا أولياء الدم في 11  آذار/مارس استخدام صواريخ وطائرات مسيّرة ضد أهداف في سوريا، كما سجلت خلال الفترة بين 24 و31  آذار/مارس عمليات استهداف للقواعد العسكرية في الحسكة ومنطقة قسرك، من قبل فصائل عراقية.


 

4- الإمارات والبحرين: وامتد نطاق العمليات كذلك إلى البحرين والإمارات. فقد أعلنت كتائب أصحاب الكهف في 16  آذار/مارس استهداف وجود أمريكي في البحرين، ثم أعلنت في الأول من نيسان/أبريل استهداف المصالح الأمريكية فيها، وفي الإمارات، تبنى لواء الوعد الحق بذات التاريخ استهداف مفاعل براكة النووي وأهداف في أبوظبي.

5- العراق والمنطقة: وعلى صعيد نشاط "المقاومة الإسلامية في العراق" داخل العراق والمنطقة، فسجلت "المقاومة الإسلامية في العراق" سلسلة واسعة من العمليات خلال الفترة الممتدة من 28 شباط/فبراير إلى 8 نيسان/أبريل 2026، وتنوعت وسائل الهجوم بين الطائرات المسيّرة والصواريخ، مع تسجيل عمليات متكررة خلال أيام متتالية، خصوصًا في الفترة بين 3 و11 آذار/مارس، مصنفًة عملياتها ضمن نطاق العراق والمنطقة دون تحديد مكان الاستهداف داخل العراق أول الدولة المستهدفة في المنطقة.

وتكشف هذه الاستهدافات عن تحول مهم في طبيعة نشاط الفصائل العراقية؛ إذ لم تعد العمليات محصورة بالوجود الأمريكي داخل العراق، وإنما اتسعت لتشمل القواعد والمنشآت الأمريكية في دول عربية مجاورة، ويظهر من البيانات أن رجال البأس الشديد وسرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف كانت من أبرز الفصائل التي أعلنت عمليات خارج الحدود العراقية، إلى جانب لواء الوعد الحق في الإمارات.

وبذلك، أسهم توسع نطاق الهجمات إلى دول الجوار في نقل تداعيات الحرب إلى البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق، ورفع مستوى الضغوط على بغداد لمنع استخدام الأراضي العراقية أو الفصائل المرتبطة بها في شن هجمات على الدول الأخرى، في وقت أصبحت فيه هذه العمليات عاملًا إضافيًا في تعقيد العلاقات العراقية– مع دول الجوار والخليجية والعراقية.

بين النفي الإيراني وموقف الفصائل العراقية

زاد ملف الهجمات على السعودية من تعقيد العلاقة بين بغداد والرياض، خصوصًا مع ربط الرياض بين بعض الهجمات والفصائل العراقية المرتبطة بإيران، وفي المقابل، برزت مواقف إيرانية تنفي المسؤولية المباشرة عن بعض الهجمات التي استهدفت دول الخليج.

ويضع هذا التباين الفصائل العراقية القريبة من إيران أمام معادلة سياسية وأمنية حساسة: فمن جهة، تنظر إليها السعودية باعتبارها جزءًا من شبكة إقليمية مرتبطة بطهران، ومن جهة أخرى تحاول بعض هذه الفصائل تقديم عملياتها باعتبارها تحركًا مستقلًا ضمن ما تسميه "المقاومة" ضد الوجود الأمريكي.

وبذلك أصبح نشاط هذه الفصائل عاملًا مؤثرًا في العلاقات العراقية–الخليجية، خصوصًا عندما تنتقل الهجمات من استهداف القواعد الأمريكية إلى استهداف أراضي دول الجوار، كما أصبحت بغداد مطالبة بإثبات قدرتها على ضبط الأراضي العراقية ومنع استخدامها في صراعات إقليمية لا تتبناها الحكومة رسميًا.

أين تقف الدولة العراقية من الصراع الفصائلي؟

تظهر المعطيات أن العلاقة بين العراق وإيران لا يمكن اختزالها في موقف الحكومة العراقية وحدها، كما لا يمكن تفسير نشاط الفصائل المسلحة باعتباره سياسة رسمية للدولة، فالعراق يقف بين منظومتين متداخلتين: دولة تحاول الحفاظ على علاقاتها الإقليمية والدولية، وفصائل مسلحة تمتلك ارتباطات سياسية وعقائدية وإقليمية خاصة بها.

وقد أدى توسع نشاط هذه الفصائل إلى نقل آثار الصراع الإيراني–الأمريكي إلى الأراضي العراقية وإلى دول الجوار، خصوصًا السعودية ودول الخليج، وفي المقابل، بدأت بعض هذه الدول بردود عسكرية باستهداف مواقع لفصائل مرتبطة بإيران داخل العراق.

وبذلك لم تعد قضية الفصائل المسلحة مجرد ملف أمني داخلي، بل أصبحت عاملًا مباشرًا في صياغة علاقات العراق الإقليمية، واختبارًا لقدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم، ومنع أراضيها من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

فصائل تدعم التصعيد مع دول الجوار

تتجه أصابع الاتهام في مسألة استهداف دول الجوار نحو عدة فصائل مسلحة معروفة بارتباطها وبقربها العقائدي من إيران، وهي فصائل برزت خلال السنوات ترفع شعار "المقاومة" ضد القوات والمصالح الأمريكية، ومن أبرز الأسماء التي ظهرت في هذا السياق: المقاومة الإسلامية في العراق، كتائب أصحاب الكهف، سرايا أولياء الدم، رجال البأس الشديد، جيش الغضب، ولواء الوعد الحق.

واعتمدت هذه الجماعات بصورة أساسية على الطائرات المسيّرة والصواريخ في استهداف القواعد والمصالح الأمريكية، في دول مجاورة، من بينها السعودية والكويت والأردن وسوريا والبحرين، 

إولاً: المقاومة الإسلامية في العراق: ظهرت تسمية "المقاومة الإسلامية في العراق" بصورة علنية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولا تشير التسمية إلى تنظيم واحد بالمعنى التقليدي، وإنما إلى مظلة عملياتية وإعلامية أعلنت تحتها عدة فصائل مسؤوليتها عن هجمات مختلفة، ومن أبرز الفصائل التي أعلنت القتال تحت هذه الراية كتائب حزب الله، حركة النجباء، أنصار الله الأوفياء، وكتائب سيد الشهداء. 

1- كتائب حزب الله: تعد كتائب حزب الله من أبرز الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وانضمت إلى هيئة الحشد الشعبي بعد عام 2014. كما تمتلك واجهة سياسية هي حركة حقوق، التي حصلت في انتخابات 2025 على 225,610 أصوات و6 مقاعد، وفق بيانات الانتخابات التي جرى رصدها.

2- حركة النجباء: تأسست حركة النجباء عام 2013 بقيادة أكرم الكعبي، وتعد من الفصائل القريبة من إيران. كما شاركت في استهداف القوات الأمريكية في العراق وسوريا.

3- أنصار الله الأوفياء: تأسست الحركة عام 2014 وأصبحت جزءًا من الحشد الشعبي، وترتبط بقيادة حيدر الغراوي. كما تمتلك واجهة سياسية، وحصلت في انتخابات 2025 على 26,262 صوتًا وثلاثة مقاعد.

4- كتائب سيد الشهداء: تأسست عام 2013 بقيادة أبو آلاء الولائي، وانضمت إلى الحشد الشعبي. وتتبنى خطابًا معاديًا للوجود الأمريكي، كما تمتلك حضورًا سياسيًا من خلال حركة المنتصرون

ثانيًا: أصحاب الكهف وسرايا أولياء الدم ورجال البأس الشديد

ظهرت كتائب أصحاب الكهف بصورة علنية بعد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام 2020، وتبنت هجمات ضد القوات والمصالح الأمريكية، أما سرايا أولياء الدم، فظهرت منذ عام 2020، وتبنت هجمات ضد أرتال ومصالح أمريكية، ثم توسع نشاطها خلال التصعيد الأخير ليشمل أهدافًا داخل العراق وفي دول الجوار.

وبرز كذلك رجال البأس الشديد كأحد التشكيلات التي شاركت في التصعيد، ونفذت عمليات شملت أهدافًا داخل العراق ودولًا مجاورة، بينها السعودية والأردن والكويت، أما جيش الغضب، فقد سجل حضورًا محدودًا مقارنة بالفصائل الأخرى، بينما ظهر لواء الوعد الحق في وقت سابق وتبنى هجمات خارج العراق، من بينها هجمات على السعودية والإمارات.