تُظهر سجلات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC) أن العراق لا يزال حاضراً بكثافة على قوائم العقوبات الأميركية، عبر 271 سجلاً ترتبط بأفراد وكيانات وشركات امتدت إدراجاتهم من حقبة النظام السابق إلى مرحلة ما بعد عام 2003. وتكشف البيانات أن 225 من هذه السجلات تعود إلى أفراد، مقابل 24 كياناً و22 شركة، فيما يرتبط 116 سجلاً بالنظام السابق و155 سجلاً بمرحلة ما بعد سقوطه.
ولا تقتصر هذه الإدراجات على التنظيمات المسلحة أو الشخصيات الأمنية، بل تمتد إلى شبكات سياسية ومالية وتجارية وإعلامية، وترتبط ببرامج متعددة تشمل الإرهاب، وتمويل الفصائل، والحرس الثوري الإيراني، والفساد، والجريمة المنظمة، وتهديد استقرار العراق. ويُظهر تحليل السجلات أن ثقل العقوبات انتقل تدريجياً من ملاحقة أموال ورموز النظام السابق إلى استهداف شبكات أكثر تعقيداً، تضم فصائل وشركات وواجهات مالية وأفراداً يعملون ضمن مسارات متداخلة بين السياسة والسلاح والاقتصاد.
يرصد هذا التقرير خريطة الأسماء والجهات المرتبطة بالعراق داخل قوائم OFAC، ويحلل طبيعة هذه السجلات، والبرامج التي أُدرجت بموجبها، والقطاعات التي تنتمي إليها، فضلاً عن أبرز التحولات التي طرأت على بنية العقوبات الأميركية تجاه العراق منذ عام 2003.
برامج العقوبات المرتبطة بالسجلات العراقية:
توزعت السجلات المرتبطة بالعراق على 13 رمزاً من رموز العقوبات الأميركية. ولا تمثل هذه الأعداد سجلات مستقلة في جميع الحالات، إذ يمكن أن يحمل السجل الواحد أكثر من رمز عقوبات؛ لذلك بلغ مجموع مرات ظهور البرامج 323 مرة داخل 271 سجلاً فريداً.

ظهر برنامج الإرهابيين العالميين المصنفين بصفة خاصة (SDGT) في 131 سجلاً، وهو الأعلى حضوراً بين البرامج، وتوزعت مرات ظهوره بين 97 فرداً و18 كياناً و16 شركة، بما يعادل 48.34% من إجمالي السجلات الفريدة.
وجاء برنامج عقوبات النظام العراقي السابق وأمواله (IRAQ2) ثانياً بواقع 116 سجلاً، موزعة بين 111 فرداً وكيان واحد و4 شركات، بما يعادل 42.80% من إجمالي القاعدة.
كما ظهر برنامج لوائح العقوبات المالية الإيرانية (IFSR) في 23 سجلاً، وبرنامج المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO) في 14 سجلاً جميعها كيانات، فيما ظهر برنامج تهديد السلام والاستقرار وإعادة الإعمار في العراق (IRAQ3) في 11 سجلاً.
وبحسب نوع السجلات، توزعت مرات ظهور رموز العقوبات البالغة 323 مرة بين 247 ظهوراً لأفراد، و46 ظهوراً لكيانات، و28 ظهوراً لشركات. ولا تمثل هذه الأرقام عدد الأشخاص أو الجهات الفريدة، بل عدد مرات ظهور كل فئة ضمن برامج العقوبات المختلفة.
ولا يمكن جمع نسب البرامج للوصول إلى 100%، لأن بعض الأفراد والكيانات والشركات مدرجون تحت أكثر من برنامج في الوقت نفسه.
.png)
يظهر التحليل أن 225 من أصل 271 سجلاً تعود إلى أفراد، أي أكثر من أربعة أخماس القاعدة. ويعكس ذلك اعتماد العقوبات الأميركية على الاستهداف الشخصي بدرجة أكبر من استهداف الشركات والكيانات، سواء عبر تجميد الأصول أو حظر التعاملات أو القيود المرتبطة بالسفر والتمويل.
إرث النظام السابق:
تضم القاعدة 116 سجلاً مرتبطاً بالنظام العراقي السابق وأمواله، بينها 111 فرداً، و4 شركات، وكيان واحد. وتمثل هذه المجموعة 42.8% من السجلات، ما يجعلها أكبر كتلة منفردة داخل البيانات، رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام في عام 2003.
في المقابل، ترتبط 155 حالة بجهات وأحداث وشبكات ظهرت أو نشطت في مرحلة ما بعد عام 2003، وتشمل فصائل مسلحة وتنظيمات متطرفة وشخصيات سياسية وشبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وشركات وكيانات مالية وتجارية. وبذلك أصبحت إدراجات ما بعد 2003 أكثر عدداً من إدراجات النظام السابق، لكنها موزعة على فئات متعددة وغير متجانسة.
الفصائل والتنظيمات المسلحة تتقدم إدراجات ما بعد 2003:

بعد استبعاد سجلات النظام السابق، تظهر الفصائل كأكبر فئة في بيانات ما بعد 2003: 42 فرداً، و7 كيانات، و8 شركات، أي 57 سجلاً بصورة مباشرة. وعند إضافة السجلات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ترتفع الكتلة المتصلة بالفصائل وشبكاتها الإقليمية إلى مستوى أكبر، ما يوضح أن العقوبات لم تعد تستهدف السلاح وحده، بل امتدت إلى الشركات والوسطاء والشبكات المساندة.
أما القاعدة وداعش، فظهرا في 42 سجلاً موزعة بين 34 فرداً و7 كيانات وشركة واحدة، بما يضع التنظيمات الجهادية في المرتبة الثانية ضمن إدراجات ما بعد 2003 من حيث طبيعة الارتباط.

تضم الفئتان الأمنية والسياسية 94 سجلاً، أي 34.7% من إجمالي القاعدة. ويأتي قطاع الطاقة والنقل ثالثاً بـ21 سجلاً، ثم الأنشطة التجارية والصناعية بـ13، والقطاع المالي والمصرفي بـ12. ويكشف هذا التوزيع أن العقوبات المرتبطة بالعراق تتجاوز الشخصيات المسلحة إلى البنى الاقتصادية واللوجستية التي يمكن أن تدعم الحركة والتمويل والتجارة.
لكن 124 سجلاً، أي 45.76%، لم تسمح البيانات المتاحة بتحديد قطاعها بدقة. وهذه النسبة المرتفعة تمثل قيداً منهجياً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تفسير الخريطة القطاعية.
برنامج الإرهاب العالمي هو الأكثر ظهوراً:

ظهر رمز SDGT "الإرهابيون العالميون المصنفون بصفة خاصة" في 131 سجلاً، ليكون البرنامج الأكثر حضوراً، يليه IRAQ2 "عقوبات النظام العراقي السابق وأمواله"، في 116 سجلاً. وبعض السجلات تحمل أكثر من رمز عقوبات في الوقت نفسه. ولهذا بلغ مجموع مرات الظهور 323 مرة، مقابل 271 سجلاً فريداً.
يكشف هذا التداخل أن بعض المدرجين لا ينتمون إلى مسار عقوبات واحد؛ فقد يجتمع في السجل نفسه تصنيف الإرهاب العالمي مع لوائح العقوبات المالية الإيرانية أو الحرس الثوري أو المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهو ما يعكس تشابك الأدوار الأمنية والمالية والتنظيمية.
الخلاصة
تكشف بيانات OFAC عن طبقتين رئيسيتين في خريطة العقوبات المرتبطة بالعراق: الأولى تاريخية، تضم 116 سجلاً لرموز النظام السابق وأمواله؛ والثانية ترتبط بمرحلة ما بعد عام 2003، وتضم 155 سجلاً موزعة بين فصائل وتنظيمات مسلحة وشخصيات سياسية وشبكات مالية وتجارية وجهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
ورغم أن الأفراد يمثلون 83.03% من القاعدة، فإن وجود 46 شركة وكياناً يكشف جانباً آخر من العقوبات لا يقتصر على استهداف الشخصيات، بل يمتد إلى الأدوات المؤسسية والمالية والتجارية التي تقول السلطات الأميركية إنها تسهم في التمويل أو نقل الأموال أو توفير الدعم والخدمات.
ويظهر تصنيف الإرهابيين العالميين بصفة خاصة في 131 سجلاً، أي في نحو نصف القاعدة، بينما يحتفظ برنامج النظام العراقي السابق بكتلة مقاربة تبلغ 116 سجلاً. ومع ذلك، تبقى قراءة التوزيع القطاعي محدودة؛ إذ لم يكن ممكناً تحديد طبيعة نشاط 124 سجلاً، ما يجعل النتائج مؤشراً إلى الاتجاهات العامة في بنية العقوبات، لا خريطة مكتملة لجميع العلاقات والأدوار.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام