تشهد مناطق حزام العاصمة بغداد منذ سنوات عمليات استيلاء ممنهجة وواسعة على الأراضي الزراعية بذريعة الاستثمار تارة وانتهاء العقود الزراعية تارة أخرى.

ورغم الشكاوى والمناشدات التي قدمها سكان تلك المناطق للسلطات المعنية، إلا أن حالات الاستيلاء والسيطرة على الأراضي والممتلكات ما تزال مستمرة، وتجري في كثير من الأحيان بدوافع طائفية بهدف التغيير الديمغرافي، لكنها تنفذ باسم سلطة الدولة والقانون من قبل الجهات المتنفذة التي تمتلك غالبا فصائل مسلحة متنفذة.

وإلى جانب الاستيلاء على الأراضي بذريعة الاستثمار والعقود الزراعية، تستغل بعض الجهات نفوذها في التضييق على سكان تلك المناطق عبر الاعتقالات وملاحقة الشباب وفق المادة الـ 4 إرهاب، وغيرها من ممارسات التضييق من أجل إرغام السكان على الهجرة من أراضيهم أو بيعها.

ويشكل "حزام بغداد" أكثر من 70% من مجمل المساحة الكلية لمحافظة بغداد وتتصف مناطقه بكونها مناطق خصبة تشكل عنصراً مهماً لرفد الاقتصاد الزراعي لمدينة بغداد، إذ تشتهر بكثرة بساتين النخيل وزراعة مختلف المحاصيل، ويضم حزام بغداد عدة أقضية منها قضاء المدائن شرقاً، والمحمودية والدورة جنوباً، وقضاء أبوغريب غرباً، وقضائي التاجي والطارمية شمالاً، وتسكن مناطق حزام بغداد أغلبية عربية سنية من عشائر المشاهدة والجبور والجنابيين والدليم وزوبع وشمر وغيرها من العشائر.

آخر الشكاوى التي أطلقت بشأن الاستيلاء على الأراضي لم تطلق من سكان مناطق حزام بغداد، لكنها جاءت على لسان أحد قادة الفصائل المسلحة المدعو "أبو عزرائيل" وهو قيادي في كتاب الإمام علي المنضوية في الحشد الشعبي، إذ شكا من استيلاء جهة مسلحة تابعة للحشد على أرض له اشتراها مؤخرا في منطقة ألبوعيثة التابعة لقضاء الدورة جنوبي بغداد.

وظهر "أبوعزرائيل" في مقطع مصور وهو يهاجم فصيلا مسلحا ينتشر في منطقة ألبوعيثة، على خلفية استيلاء مقاتلين من الفصيل على قطعة أرض قال "إنه اشتراها" في المنطقة بمبلغ 150 مليون دينار، وتبلغ مساحتها 150 مترا مع 100 متر إضافية ليكون مجموعها 250 مترا"، وأضاف في مقطع الفيديو المنشور أنه: "فوجئ بقوات تمسك بالمنطقة وتقول إن الأرض تابعة لها وإنها تريد استخدامها لإقامة ثكنات عسكرية".

وقال "أبوعزرائيل": إنه "إذا كان يتعرض لمثل هذه الممارسات رغم وجوده في الحشد، فإن السني يشرد، وهو حديث أثار تساؤلات بشأن استغلال النفوذ للسيطرة على الأراضي والتضييق على أصحابها في مناطق حزام بغداد".

وتنتشر في منطقة ألبوعيثة التابعة لقضاء الدورة، فصائل مسلحة أبرزها اللواء 17 المعروف باسم سرايا الجهاد، واللواء 18 المعروف باسم قوات الخرساني، وهما لوائين عقائديين عرفا بقربهما من خط ولاية الفقيه في إيران.

وتنتشر في مناطق حزام بغداد الأخرى ألوية في الحشد الشعبي وهي اللواء 12 المعروف بالنجباء والمنتشر في مناطق الطارمية والمشاهدة والعبايجي شمالي بغداد، فيما ينتشر اللواء 38 شمال شرق بغداد وقرب قضاء المدائن وكذلك اللواء الثالث التابع لمنظمة بدر في محيط بغداد الشمالي، وفي غرب بغداد باتجاه الأنبار ينتشر اللواء الثاني في الحشد المعروف باسم فرقة الإمام علي، فيما ينتشر في بعض مناطق جنوب بغداد اللواء 12 التابع لحركة النجباء.

ويؤكد النائب السابق عن مناطق حزام بغداد كامل الغريري تسجيل عمليات استيلاء كبيرة دون توقف منذ سنوات للأراضي الزراعية في أقضية محيط بغداد، داعيا الحكومة العراقية متمثلة برئيس الوزراء علي الزيدي بالتدخل لإيقاف تلك العمليات والتحرك العاجل من أجل حماية أملاك الأهالي في تلك المناطق والتي تستغل بعض الجهات المسلحة نفوذها من أجل السيطرة عليها.

وقال الغريري في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاستيلاء على أراضي حزام بغداد وصل مرحلة متقدمة، حيث وصل مرحلة الذروة وتستخدم فيه الكثير من الذرائع وأبرزها الاستثمار".

وكشف الغريري عن "الذرائع والطرق التي تستخدم في الاستيلاء على الأراضي والجهات التي تقوم بعمليات الاستيلاء وكذلك المناطق التي تتعرض لسيطرة بعض الجهات المتنفذة"، مشيرا إلى أن "الجهة المتورطة في هذه العمليات هي الجهات المتنفذة والفصائل المسلحة الخارجة على سلطة الدولة وصاحبة السلاح المنفلت".

وأكد أن "الطرق التي تستخدم في عمليات السيطرة على الأراضي تتنوع تحت ذرائع مختلفة، أولها الاستثمار، هي تستغل هذه الجهات مسمى الاستثمار لإبعاد الأهالي عن مناطقهم والسيطرة على أراضيهم وتحويلها إلى مجمعات سكنية أو مشاريع استثمارية خلافا للقوانين والضوابط"، وبين أن "الأسلوب الآخر في عمليات السيطرة على أراضي حزام بغداد هو التزوير والتلاعب في السندات الرسمية للأراضي، حيث تستخدم هذه الجهات نفوذها في دوائر الدولة من أجل تغيير ملكية الأراضي وبيعها دون علم أصحاب تلك الأراضي".

ونوه إلى أن "الطريق الآخر يتمثل في الترهيب واستخدام القوة والسلاح المنفلت في الهيمنة على الأراضي، إذ تعمد تلك الجهات على تهديد مالكي الأراضي وملاحقة أبنائهم بحجج وتهم مختلفة، ما يدفع الكثير منهم إلى الهجرة أو محاولة بيع أرضه للخلاص من تهديدات تلك الجهات المسلحة المتنفذة التي ترى نفسها أقوى من سلطة الدولة".

وشدد على أن "الغرض من هذه العمليات هو إحداث التغيير الديمغرافي في مناطق حزام بغداد وأفراغه من أهله وسكانه الأصليين، إلى جانب الكسب المالي الذي تحققه الجهات التي تستولي على الأراضي الزراعية"، ولافتا إلى أن "تلك العمليات تحمل مخالفة صريحة لأنهاء تجاوز واضح على حقوق الأهالي من جهة وعلى الأراضي الزراعية المخصصة للزراعة والمخصص لها حصص مائية من قبل وزارة الموارد المائية ما يؤكد أنها أراضي زراعية لا يمكن استغلالها بالاستثمار السكني".

وفي هذا الصدد، أكد الباحث والناشط السياسي زيدون السلمان أن عمليات الاستيلاء على الأراضي في حزام بغداد تعتمد على أسلوب الترهيب والترغيب، وتستهدف المناطق السنية لأهداف التغيير الديمغرافي من جهة ولتحقيق المكاسب والمصالح الخاصة من جهة اخرى.

وقال السلمان في حديث لشبكة "الساعة": إن "حالات السيطرة على الأراضي بذريعة الاستثمار وغيرها تفتقر لأي سند قانوني أو إداري"، وأضاف: أن "الجهات التي تستهدف السيطرة على الأراضي تعتمد على الترهيب من خلال التضييق على السكان وخلق التهم ضدهم وإنشاء الثكنات العسكرية بالقرب من مساكنهم أو ملاحقتهم كما كان يحصل بشكل كبير في السابق، وإلى جانب الترهيب تستخدم الترغيب من خلال استغلال حالة الترهيب ورغبة بعض الأهالي بالهجرة وترك مناطقهم خوفا من الاستهداف عبر محاولة شراء أراضيهم في هذه الظروف بأسعار زهيدة".

ونوه السلمان إلى "الفصل بين الاستيلاء على الأراضي وبين أسلوب التغيير الديمغرافي الجاري في العراق"، وأشار إلى أن "الاستيلاء على الأراضي يحدث لعدة أمور جزء منها بهدف التغيير الديمغرافي والجزء الآخر تحقيق المصالح والمكاسب المادية، أما التغيير الديمغرافي فحصل في المناطق السنية في بغداد وحزام العاصمة ونينوى وصلاح الدين وجرف الصخر وديالى وشمل مناطق أخرى في الجنوب في محافظات البصرة وذي قار وواسط واستهدف المكون السني في جميع هذه المناطق".

وبخصوص الظهور الأخير للمدعو "أبو عزرائيل" أشار السلمان إلى أن "كلامه عبارة عن محاولة جديدة للتضييق والترهيب ضد السكان السنة في حزام بغداد، وبالتالي إجبار المواطنين على بيع منازلهم وأراضيهم وتركها".

وأكد أن "هذه العمليات تنفذ خلافا للقوانين والتعليمات الإدارية، كاشفا عن وجود حالات استيلاء على الأراضي في قضاء المدائن بحزام بغداد نفذتها جهات متنفذة بعد تزوير سندات الأراضي التي يمتلكها السكان وهي عقود الـ 117 ومن ثم قاموا بإخراجهم من أراضيهم بقوة السلاح".

من جهته، شدد نائب رئيس مرصد الرافدين للعدالة وحقوق الإنسان عادل الخزاعي على أن جرائم الاستيلاء على الأراضي تندرج ضمن جرائم التغيير الديمغرافي الممنهج، والذي يتطلب تدخلا دوليا لحماية استهداف السكان في حال استمر عجز السلطات العراقية في حمايتهم.

وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما يجري في مناطق حزام بغداد هو جريمة تغيير ديموغرافي مشخصة وواضحة وبالدلائل لأن تكرار حالات الاستيلاء على الأراضي أو إخلاء السكان (السنة) تحت عناوين مثل الاستثمار أو انتهاء العقود أو إعادة تنظيم الملكية، إذا لم يتم وفق إجراءات قضائية مكتملة وضمانات قانونية، فإنه يمثل انتهاكاً للدستور العراقي".

وأضاف الخزاعي: أن "المادة (23) من الدستور العراقي نصت بوضوح على حماية الملكية الخاصة، وأكدت أنه لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وينظم ذلك بقانون، كما أن المادة (14) من الدستور قررت أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب القومية أو المذهب أو الدين، وأن تكرار هذه الإجراءات في مناطق محددة ذات أغلبية سنية، فإنها تؤكد وجود تغيير ديموغرافي يستوجب تحقيقاً قضائياً مستقلاً وتدخلاً دولياً، لأن أي سياسة تؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية خارج إطار القانون تمثل انتهاكاً لمبادئ الدستور ولمعايير حقوق الإنسان خصوصاً وان جهة مثل الحشد الشعبي تابعة للحكومة هي من تقوم بالاستيلاء مما يجعل هذه العملية جريمة منسوبة إلى النظام نفسه خصوصا عندما تحدث المتحدث باسم حزب الله ابو علي العسكري بوضوح عن ما اسماه تطهير حزام بغداد من النواصب ومن المعلوم ان حزب الله الان هو جزء من الحكومة وهو من يقوم بذلك بدون أي ردع من السلطة في العراق".

ووجه الخزاعي نداء استغاثة إلى "المنظمات الدولية الحقوقية من الأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي توم براك بضرورة التدخل العاجل للضغط على الحكومة العراقية لإيقاف هذه الجرائم، لا سيما وأنه لا توجد أي جهة تنفيذية أو أمنية أو سياسية تمتلك صلاحية قانونية لإبعاد المواطنين عن مناطقهم أو الاستيلاء على ممتلكاتهم خارج حكم قضائي نافذ وإجراءات قانونية مكتملة، كما أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يجرّم الاستيلاء على أموال الغير أو اغتصاب العقار أو استخدام القوة أو التهديد لحرمان المالك من حقه، بغض النظر عن هوية الفاعل أو نفوذه".

وتابع أنه "عندما تكون الجهة التي تمارس هذا الفعل جهة مسلحة أو تتمتع بنفوذ حكومي يمنع المتضررين من اللجوء الفعلي للقضاء، فإن الأمر لا يعود مجرد نزاع عقاري، بل يتحول إلى انتهاك لسيادة القانون وحق المواطن في الملكية والأمن وأن الكثير من الشكاوى تصل للمركز الحقوقي على شكل إبلاغات لأن اصحاب الأراضي مهددين في حال حديثهم للإعلام ممكن ان يتعرضوا لعملية اعتقال بتهم متعددة منها الترويج للبعث أو الإرهاب".

وعن ظهور المدعو "أبوعزرائيل" وحديثه عن الاستيلاء على أراضي ألبوعيثة في حزام بغداد الجنوبي، فأوضح الخزاعي أن "هذه الواقعة تكشف أن منطق الاستيلاء بالقوة لم يعد يقتصر على استهداف المواطنين المدنيين، بل امتد حتى وصل الى مرحلة الصدام على الغنائم بين الفصائل المسلحة في ضل عدم وجود رادع حقيقي وقانون وتقاضي عادل".

واستدرك قائلا: أن "(عبارته أنا مو سني حتى تحاربوني)، فهي تحمل دلالة خطيرة، لأنها تعكس وجود اضطهاد حقيقي بأن المناطق السنية كانت الأكثر تعرضاً لمثل هذه الممارسات خلال السنوات الماضية، وهو ما يستوجب فتح تحقيق رسمي محلي ودولي في جميع ملفات الاستيلاء على الأراضي في حزام بغداد، بعيداً عن الانتماءات السياسية أو المذهبية، لأن حماية الملكية حق دستوري لجميع العراقيين".