بالتزامن مع حراك الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي لتفكيك الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة، تداولت مصادر عدة داخل العراق وخارجه معلومات تفيد بمساعي بعض قادة الفصائل لفتح قنوات تواصل مع واشنطن عبر البدء بحملات إعلامية داخل الولايات المتحدة من شأنها تغيير صورة هؤلاء القادة العدائية لأمريكا إلى صورة جديدة لا تحمل العداء لواشنطن ولا تؤمن بالسلاح والعمل ضمن خندق المحور الإيراني كما كانت في السابق.
ومنذ ظهور الفصائل الشيعية المسلحة في العراق بعد الغزو الأمريكي 2003، وتصاعد حضورها عسكريا وسياسيا بعد الحرب على داعش عام 2014، كانت هذه الفصائل تؤمن بشعارات الموت لأمريكا والعداء لها والاقتراب من إيران والقتال معها ضد ما تسميه "المشروع الأمريكي والصهويني" في المنطقة، كما كانت ترفض أي حديث أو مقترح لتسليم السلاح الخاص بها على اعتبار أنه سلاح "مقاومة" هدفه حماية الدولة والنظام في العراق وحماية المذهب الشيعي في العراق والمنطقة.
لكن التهديدات الأمريكية وشروط واشنطن على حكومة علي الزيدي بعدم إشراك أي جهة مسلحة في الحكومة العراقية وإبعادها عن المشهد الأمني والسياسي لتجنب فرض عقوبات أمريكية على بغداد، أرغمت العديد من الفصائل إلى الإعلان ولو شكليا بتسليم سلاحها للدولة، رغم أنها كانت ترفض هذا الموضوع جملة وتفصيلا، إذ أعلنت حركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي وسرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر البدء بإجراءات تسليم سلاحها للدولة وفك الارتباط السياسي مع تلك الفصائل المسلحة التي من المفترض أن تكون تحت أمرة القائد العام للقوات المسلحة.
وأثناء هذه التطورات، كشفت مصادر داخل العراق وخارجه ومنها تقرير لصحيفة العربي الجديد، وشخصيات سياسية خارج العراق ومصادر داخل العراق عن وجود حملات ضغط داخل الولايات المتحدة ينفق عليها مبالغ مالية كبيرة وتقودها شخصيات عراقية من أجل خلق مقبولية داخل الرأي العام الأمريكي لقادة بعض الفصائل العراقية على اعتبار أنهم تخلوا عن السلاح وأخذوا يؤمنون بالعمل السياسي، وذلك بهدف حصولهم على الدعم الأمريكي في المرحلة المقبلة وضمان وصولهم وتسلمهم لمناصب قيادية في الدولة العراقية مستقبلا.
ضغوط في واشنطن لصالح قادة فصائل عراقية
وبحسب صحيفة "العربي الجديد" فإنها حصلت على معلومات من مصادر سياسية وأخرى تنشط في مراكز بحثية وعلاقات عامة بواشنطن، أكدت ضلوع ثلاث شخصيات عراقية بارزة في حملات ضغط في واشنطن، وذلك إطار الجهود الرامية لإيصال رسائل إيجابية، للجانب الأميركي، ومن جهة أخرى لنفي المشاركة في الهجمات ضد المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، مع التأكيد على انفتاح هذه الشخصيات على التفاهم والتأسيس لمرحلة علاقات جديدة مع واشنطن.
وقالت الصحيفة إن "هذه المعلومات أكدها مسؤول في دائرة الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية"، وبينت أن "المسؤول الأمريكي أكد أن شخصيات عراقية وظفت، في الأسابيع الأخيرة، جهودا لتحسين صورتها في واشنطن، وتستهدف وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وشخصيات مؤثرة، إلى جانب أعضاء في الكونغرس الأميركي".
المسؤول ذاته بحسب الصحيفة أشار إلى أن "حملات الضغط جاءت مع بدء مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وما زالت مستمرة، من خلال مكتب علاقات عامة وفرق تشبيك معروفة وتعتمد هذه الجهات، وفق المسؤول، على باحثين وناشطين سياسيين أمريكيين من أصول عراقية، وعلى أعضاء كونغرس سابقين، ودبلوماسيين وعسكريين سبق لهم الخدمة في العراق، إلى جانب صحافيين ومسؤولي علاقات عامة في صحف أمريكية".
وأكد تقرير الصحيفة أن "بعض الشخصيات عمدت إلى تنظيم مؤتمرات وندوات و (عشاء عمل سياسي) في واشنطن، من أجل الترويج لفكرة التغيير الحاصل في منهج بعض الشخصيات العراقية النافذة وتحولها من السلاح إلى العمل السياسي"، مشيرة إلى أن "تلك الندوات والمؤتمرات تبدأ كلفتها من 200 ألف دينار فصعودا".
حملات لتحسين صورة قادة الفصائل
في هذا الصدد، يقول الصحفي العراقي المختص بالتحقيقات الاستقصائية عثمان المختار في حديث لشبكة "الساعة": إن "عددا من الباحثين الأمريكيين والمختصين بشؤون الشرق الأوسط، إلى جانب مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية الأميركية، في حملة علاقات عامة تهدف إلى تحسين صورة شخصيات سياسية وقادة فصائل متورطة في جرائم تطهير طائفي ضد العراقيين السنة وملفات فساد"، وبين المختار أن "من أبرز الأسماء التي يجري تداولها في الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن ضمن تلك الحملات قيس الخزعلي أمين عام حركة العصائب، وشبل الزيدي قائد كتائب الإمام علي، وريان الكلداني قائد حركة بابليون، إلى جانب طرح اسم محسن المندلاوي نائب رئيس البرلمان السابق".
وأضاف المختار: أن "هذه الحملات تقوم على الترويج لفكرة أن هذه الشخصيات غيّرت سلوكها، وتخلت عن نهجها السابق، وأصبحت مستعدة للابتعاد عن السلاح والانخراط في العملية السياسية"، لافتا إلى "معلومات مؤكدة تشير إلى أن الحملات تقام مقابل مبالغ مالية بعضها يصل إلى نحو 600 ألف دولار للحملة الواحدة".
ولفت إلى أنه "خلال الفترة الأخيرة، نُظّمت عدة فعاليات تحت عناوين من قبيل "عشاء عمل"، و"ورشة عن مستقبل العراق"، و"نقاش مغلق"، كان آخرها في فندق Park Hyatt جرى خلالها تقديم هذه الأسماء إلى صحفيين وسياسيين وأعضاء في الكونغرس، بوصفها شخصيات تغيّرت أو أعادت النظر في نهجها العدائي تجاه واشنطن".
وتابع: أنه "بعيداً عن الجريمة الأخلاقية المتمثلة في تلميع صورة شخصيات تقطر أيديها من دماء الأبرياء، والانتهاكات والعنف، فإن اللافت هو هوية الوسطاء الذين يتولون فتح الأبواب أمامها في واشنطن، إذ تشير المعلومات إلى أن شخصيات عراقية مقربة من حزب الدعوة ومن دوائر مرتبطة بعائلة الطالباني تؤدي دور الوسيط في هذه الحملات"، مبينا أن "الغاية من هذه الحملات تكرار التجربة السورية في العراق ولا سيما الخاصة بالرئيس أحمد الشرع، حيث كان الأخير يؤمن بالعمل المسلح ثم أصبح رجلا يحظى بقول أمريكي، وهذه التجربة يسعى لخلقها قادة بعض الفصائل ليحضوا بقبول أمريكي بعد أن كانوا يحملون نهجا عدائيا لها".
العصائب تنفي وتتهم مروجي المعلومات
لكن حركة العصائب وكتلة صادقون الممثل السياسي لها، نفت تلك المعلومات وأكدت أنها لا تمت للحقيقة والواقع بصلة، مؤكدا أن قيادات حركة صادقون والعصائب وباقي حركات المقاومة العراقية لم تلجأ إلى محاولات الترويج لقادتها، وأن المعلومات المنشورة بهذا الصدد عارية عن الصحة.
وقال المتحدث باسم كتلة صادقون البرلمانية النائب محمد البلداوي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الموضوع المنشور من قبل بعض الأشخاص لا صحة له، ولا أساس له، وأن من يقوم بترويج تلك الأكاذيب هم أشخاص مأجورين هدفهم تسقيط وتشويه صورة المقاومة العراقية وقادتها وشخصياتها، فضلا عن الإساءة للدولة العراقية والتحريض ضد العملية السياسية العراقية".
وأشار البلداوي إلى أن "نشر هذه المعلومات غير الصحيحة لن تؤثر على المقاومة العراقية ولا على قادتها وأبرزهم أمين عام حركة العصائب قيس الخزعلي ولا على باقي فصائل المقاومة"، مؤكدا أن "منهجية العصائب وباقي فصائل المقاومة واضحة وثابتة وكانت منذ البداية ضد القوات الأمريكية خلال الاحتلال، ثم انتقلت لقتال تنظيم القاعدة وداعش فيما بعد، وصولا إلى الوقوف إلى جانب كل الأطراف والجهات المناهضة للكيان الصهويني".
وبين أن "العصائب كانت وما تزال جزء أساسيا من محور المقاومة ولكنها مؤخرا استجابت لمصلحة العراق العليا ورأت أن المصلحة الوطنية تقتضي العمل ضمن منظومة الدولة كجزء من العملية السياسية ودعم النظام لا سيما بعد انتهاء المقاومة المسحلة"، مبينا أن "العصائب وغيرها من فصائل المقاومة رأت أنها تكون شريكا فاعلا في تشريع القوانين وتقديم الخدمات وبناء الدولة والنهوض بالأعباء والمسؤوليات التي يتطلبها العمل السياسي وتفرضها مصلحة العراق العليا"، حسب تعبيره.
أمر في غاية الصعوبة
وتعليقا عن الموضوع، يرى السياسي العراقي القريب من الولايات المتحدة انتفاض قنبر أن قيام فصائل مسلحة عراقية بحملات ضغط داخل الولايات المتحدة أمر في غاية الصعوبة.
وأكد قنبر في حديث مع شبكة "الساعة" أن "المعلومات المنشورة ورغم صعوبة تأكيدها إلا أنها من الممكن أن تكون حقيقية شرط أن تكون معتمدة على وسطاء لهم القدرة على خلق مثل هذا الضغط داخل الولايات المتحدة الأمريكية".
محاولات لن تحقق أهدافها
أما الباحث والمحلل السياسي رمضان البدران فأكد أن محاولات بعض الفصائل العراقية المدرجة ضمن قوائم الإرهاب القيام بحملات داخل الولايات المتحدة أمر ممكن لكنه من الصعب أن يحقق أهدافه.
وقال البدران في حديث لشبكة "الساعة": إنه "من الصعب تأكيد أو نفي صحة تلك التحركات في الوقت الحالي"، وأضاف: أن "هذه المحاولات ممكنة وفي حال حصولها فإنه من الصعب أن تحقق أهدافها".
وأوضح البدران أن "مشكلة الإدارة الأمريكية مع الفصائل العراقية المتهمة بالإرهاب تتعدى حدود المطالبات الإعلامية، حيث أن هناك دماء أمريكية تركز عليها الإدارة الأمريكية وتعيد استذكارها في الأونة الأخيرة وهو ما يخلق رأي عام ما يدفع نحو التشدد في الداخل الأمريكي ضد هذه الفصائل، ولذلك من الصعب خلق تغيير في الموقف الأمريكي في الوقت الحالي أو القريب".
وشكك البدران في "قدرة هذه المحاولات والمساعي من تحقيق أي من أهدافها، باستثناء طي بعض الصفحات والملفات على المستوى البعيد والتي ليس من شأنها التأثير كثيرا على موقف الرأي الأمريكي من هذه الجماعات".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام