تشير المواقف الأخيرة لبعض القوى السياسية العراقية إلى تنصل واضح من الالتزامات التي قطعوها لرئيس الوزراء علي الزيدي في ملف حصر السلاح بيد الدولة، فالفصائل ذاتها التي تعد جزء أساسيا من الإطار التنسيقي الحاكم في البلاد لم توافق لغاية اللحظة على نزع سلاحها، كما أن بعض قادتها بدأ يصعد بخطابه ويتحدى الدولة بشكل صريح ويتوعد بتطوير ترسانة الأسلحة، كما أعلنت كتائب حزب الله، فيما ذهبت حركة النجباء لرفض تسليم السلاح للحكومة على اعتبار أنه جزء من الإملاءات الأمريكية.

ما صدر عن كتائب حزب الله وحركة النجباء لم يأت بجديد، فهي ترفض بوضوح تسليم سلاحها، لكن الغريب يتمثل بموقف حركة بدر التي وصفت خطوات الزيدي لنزع السلاح بالاندفاع الواقع تحت التأثير الأمريكي، مؤكدة في بيان صدر عن مسؤول المكتب السياسي للحركة بدر محمد ناجي أن حركته لن تسمح لرئيس الوزراء ولا لغيره بالوصول إلى هذا المستوى في التعامل مع الفصائل التي وصفها بـ "المقاومة"، مشددا على رفض الحركة لاستخدام القوة العسكرية لنزع السلاح.

واقترح ناجي ثلاثة عوامل لحصر السلاح وهي  الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، وزوال المخاطر الاستراتيجية التي تهدد العراق وبناء القوات المسلحة العراقية بشكل كامل، وخاصة على مستوى الدفاع الجوي.

وفي 5 آب الجاري، أعلن ائتلاف إدارة الدولة الذي يضم الأحزاب المشكلة للحكومة العراقية ومن بينها حركة بدر، دعمها لرئيس الوزراء في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، كما أعلنت في بيان صدر عقب الاجتماع أن الائتلاف يخول الحكومة بالتعامل مع الفصائل والجهات التي ترفض تسليم سلاحها بعد 30 أيلول المقبل وفقا لقانون مكافحة الإرهاب.

ويشير مراقبون للشأن العراقي إلى أن تصاعد الخطاب ضد مشروع حصر السلاح يعكس تنصل بعض القوى السياسية النافذة عن التزاماتها تجاه الدولة والحكومة والشعب العراقي، فيما يرى آخرون أن الموقف الأخير لحركة بدر ورفضها لاستخدام القوة في حصر السلاح يعكس انقساما في المواقف داخل القوى الإطارية، لا سيما وأن بعضها أعلن سابقا دعمه لخطوات حكومة الزيدي.

وفي قراءة للموقف الأخير لمنظمة بدر، يؤكد الناشط السياسي محمد عباس أن موقفها يعكس تنصلا واضحا عن تعهدات القوى السياسية لدعم الحكومة في مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

وقال عباس في حديث لشبكة "الساعة": إن "القوى الإطارية كما جرت العادة تؤيد شعارات دولة القانون وحصر السلاح في خطاباتها العامة لتأمين الغطاء السياسي وإرضاء الشارع والدوائر الدولية، لكنها عندما تنتقل إلى آليات التنفيذ التي تمس البنية العسكرية والأمنية للفصائل، تتحول هذه الشعارات سريعاً إلى خطوط حمراء، كونها تنظر إلى هذا السلاح كـورقة تفاوض وضغط استراتيجي".

وأضاف أن "الموقف المستجد يحاول إيقاف حملة الزيدي عبر اشتراط ربط تفكيك أو حصر سلاح الفصائل بالانسحاب الأمريكي الكامل", وبين أن "التصريحات الأخيرة تؤكد وجود تنصل واضح عن التعهدات الأولية، وكشف عن الحدود السقفية للدعم الممنوح لحكومة الزيدي، إذ يقتصر هذا الدعم على إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية، دون المساس بالمكتسبات العسكرية والأمنية".

ورجح أن "تكون فرص النجاح الكامل لحصر السلاح في تاريخ 30 أيلول ضئيلة جداً، فملف حصر السلاح يتطلب أبعاداً تشريعية ولوجستية وسياسية معقدة تستغرق وقتاً أطول من المهلة المتبقية".

وبشأن الحديث عن سيناريو الصدام المسلح، استبعد عباس ذلك، لكون الطرفين (الحكومة والزعامات السياسية للفصائل) يدركان تماماً أن المواجهة المباشرة ستؤدي إلى إنهاك مؤسسات الدولة والمنظومة الحاكمة على حد سواء، وقال: إن "السيناريو الأكثر ترجيحاً يتلخص في التوافق الرمزي والأمني عبر احتواء التصعيد الإعلامي، وإدارة الأزمة عبر تسويات وكواليس سياسية مغلقة، وإعادة تكييف المفهوم من خلال اختزال صيغة حصر السلاح عبر تأطيره تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي والقائد العام للقوات المسلحة كخطوة مرحلية، وكذلك تفكيك الملف عبر استهداف السلاح المنفلت والعصابات الجنائية إعلامياً لتصدير نجاح جزئي للحملة، مع تأجيل تفكيك الأجنحة المسلحة للفصائل الكبرى إلى مراحل لاحقة عبر التفاهمات السياسية".

ونوه عباس إلى أن واشنطن تتابع ملف حصر السلاح وتراجع نفوذ الجماعات المسلحة عن كثب، باعتباره مؤشراً أساسياً لقياس مدى استقلالية القرار العراقي، ولفت إلى أنها ستستمر في دعم خطط الزيدي وتشجيعه على فرض هيبة الدولة، مع ربط تقدم هذا الملف بالانتقال إلى الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، محذرا من أن واشنطن وفي حال لمست تراجعاً أو استسلاماً من الحكومة أمام ضغوط الفصائل، فقد تلجأ إلى فرض عقوبات اقتصادية ومالية جديدة على القوى والشخصيات المعرقلة لعملية حصر السلاح، وستعيد النظر في جدول ترتيبات انسحاب القوات أو تقليص مستوى التعاون الأمني والاستخباري، وستمارس ضغوط عبر الورقة المالية (الدولار) ومستحقات الطاقة، للإبقاء على السلطة التنفيذية تحت دافع الالتزام بتعهداتها الأمنية.

لكن الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي لا يرى في موقف بدر تراجعا كاملا عن شعار نزع السلاح، بقدر ماهو انتقال للملف من الشعارات السياسية إلى الاختبار الفعلي للقوة.

وقال التميمي لشبكة "الساعة": إن "تصاعد الهجوم على رئيس الحكومة علي الزيدي من بعض القوى التي سبق أن أعلنت دعمها لحصر السلاح يكشف انتقال الملف من شعار سياسي إلى اختبار فعلي لموازين القوة"، وأضاف: أنه "بسبب ذلك يمكن قراءة المواقف الأخيرة ومنها موقف القيادي في بدر، بوصفها محاولة لوضع قيود على استخدام القوة تجاه الفصائل وليس بالضرورة تراجعاً كاملاً عن مبدأ حصر السلاح".

وعن فرص نجاح الزيدي في ضبط الفصائل وسلاحها قبل نهاية أيلول المقبل، رجح التميمي نجاح الزيدي في فرض تسوية تدريجية، وأكد أن "احتمالية ذلك أكبر من اندلاع مواجهة شاملة بين الدولة والفصائل"، مبينا أن "سيناريو الصدام والقتال الداخلي الأسود ممكن، لكنه ليس الخيار الأول ما دام الحوار والوساطات قائمين".

وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد وجه بإعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، وفقا للسياقات الدستورية، وذلك اجتماع مع لجنة الأمن والدفاع البرلمانية التي سيقع على عاتقها إعداد مشروع القانون.

من الناحية القانونية، يؤكد الناشط الحقوقي عادل الخزاعي صحة الخطوات التي تسير عليها حكومة الزيدي لنزع سلاح الفصائل واعتبارها جهات إرهابية والتعامل معها وفق هذا الأساس.

وقال الخزاعي في حديث لشبكة "الساعة": إن "سلاح الفصائل والجماعات الإرهابية من الناحية القانونية يعد إرهابا منظم دوليا عابرا للحدود ويقع تحت كل قوانين الإرهاب الدولية والمحلية"، مشددا على أن "الدستور العراقي حضر بشكل واضح تكوين جماعات مسلحة خارج نطاق الدولة".

وعزا الخزاعي: "عدم معاملة الدولة للفصائل المسلحة الشيعية معاملة الإرهاب طيلة الفترة السابقة، إلى التطبيق السياسي الانتقائي الطائفي لقانون الإرهاب، خاصة وأن جزء كبيرا من النظام القائم في العراق يعتبر السلاح هو الحامي للحكم الشيعي".

وتزامن التصعيد السياسي بشأن السلاح مع زيارة غير معلنة للعراق أجراها إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، حيث التقى خلالها قادة في الفصائل والإطار التنسيقي، وأكد تمسك طهران بسلاح الفصائل ورفض تسليمه للحكومة، مع العمل على إيجاد صيغة يمكن عبرها التفاهم مع الحكومة العراقية للإبقاء على سلاح الفصائل دون الدخول بمواجهة مع القوات العراقية، مع وقف التصعيد العسكري للفصائل تجاه المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة خلال الفترة الحالية.