على مدار الأيام الثلاثة الماضية، استهدفت إيران بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة إقليم كردستان العراق، في خطوة تحمل رسائل إيرانية للعديد من الدول ابتداء من الولايات المتحدة والعراق الذي تشكل زيارة رئيس وزرائه علي الزيدي إلى واشنطن تهديدا واضحا للنفوذ والمصالح الإيرانية في العراق والمنطقة خاصة وأنه تعهد بتفكيك الفصائل والجماعات المسلحة العراقية الحليفة لإيران.
وتعرض إقليم كردستان وتحديدا مدينتي أربيل والسليمانية إلى قصف من الجانب الإيراني، وبحسب مصدر عسكري كبير في أربيل فإن الهجمات نفذت بـ 10 صواريخ ونحو 30 طائرة مسيرة أطلقت جميعها من الجانب الإيراني تجاه الإقليم، وأشار المصدر في تصريح لشبكة "الساعة" إلى أن القصف استهدف مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، إضافة إلى القنصلية الأمريكية والقاعدة العسكرية الأمريكية في أربيل، لافتا إلى أن أغلب الصواريخ والمسيرات تم التصدي لها واسقاطها من قبل المضادات الجوية التابعة للتحالف الدولي، منوها إلى أن الضربات التي استهدف مواقع الأحزاب الكردية المعارضة طالت الأهداف وتسبب أحدها بمقتل 9 عناصر من حزب كادحي كردستاني الإيراني قرب مدينة السليمانية.
وخلال الساعات الـ 72 الماضية، نشرت السلطات في إقليم كردستان بيانات عدة تتحدث عن تعرضها لهجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيرة، كما تتحدث عن اعتراض قوات التحالف الدولي لتلك الهجمات ولا سيما التي تستهدف مدينة أربيل.
وعن الأهداف والرسائل التي تحاول إيران توجيهها عبر استهداف كردستان، أكد المحلل السياسي المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة أن الحرس الثوري وعبر هذه الضربات وجه العديد من الرسائل منها للولايات المتحدة ومنها للعراق ومنها للداخل الإيراني.
وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "الرسائل الإيرانية من استهداف إقليم كردستان بالقصف تتمثل في أنها تريد أن تبين للولايات المتحدة أنها تشن حربا عامة شاملة ولها القدرة على مواجهة أي جهة لها تحالف ولو صغير مع الولايات المتحدة ودول الخليج"، وبين أن "الرسائل الأخرى تستهدف العلاقة الإيجابية بين إقليم كردستان ودول الخليج العربي ولا سيما قطر والسعودية والإمارات، إذ إن إيران تشعر بالقلق من العلاقات الكردية مع الخليج والولايات المتحدة".
وأضاف أن "الرسائل الإيرانية أيضا تتضمن رسائل لاستهداف المشاريع والاستثمارات التي أعلن عنها خلال زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة في العراق عموما وإقليم كردستان خصوصا، إذ أن إيران ترى أن هذه المشاريع تمثل تهديدا للاقتصاد الإيراني"، ولفت إلى أن "طهران تريد من الهجمات أيضا إرسال رسائل إلى الحكومة العراقية برئاسة الزيدي مفادها أن إيران حاضرة وبقوة وأنها قادرة على استهداف أي موقع داخل العراق تراه مناسبا".
وأوضح زنكنة أن "من الرسائل الإيرانية من الهجمات ما هو موجه للداخل الإيراني، إذ يحاول الحرس الثوري توجيه رسائل للحركة الإصلاحية في إيران تفيد بأنه ما يزال المتحكم في مصير إيران ومستقبل حكمه ومصير وشكل المفاوضات والتعامل مع الولايات المتحدة".
ولم يستبعد زنكنة أن "تكون الهجمات التي استهدفت إقليم كردستان قد انطلقت من داخل الأراضي العراقية، رغم أن الحرس الثوري هو من تبنى الهجمات"، مشيرا إلى "إمكانية أن تكون أجنحة الحرس الثوري في الداخل العراقي هي من أطلقت الصواريخ والطائرات".
من جانبه، رجح الباحث في الشأن العراقي غانم العابد أن توسع إيران من المناطق المستهدفة ونوعية الأهداف، مع استمرار التصعيد الأمريكي ضد إيران، على اعتبار أن طهران تؤمن بأن هدف أمريكا هو إسقاط النظام ولذلك فهي تسعى لإحراق جميع المنطقة.
وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "عودة استهداف إقليم كردستان من قبل إيران مع عودة التصعيد المسلح بين واشنطن وطهران هو أمر متوقع"، وبين أن "إيران تستغل عدم وجود دفاع جوي في العراق وإقليم كردستان ولذلك تشن هجمات على أهداف فيه"، مشيرا إلى أن "إيران من المتوقع أن توسع مناطق الاستهداف وأن تشمل جميع الدول والمناطق الحليفة للولايات المتحدة من جهة، وتوسع نوعية الأهداف التي تطلق عليها المسيرات والصواريخ من جهة أخرى".
وبين أن "إيران ستنتقل من استهداف السفارات والقنصليات والمعسكرات إلى استهداف المنشئات النفطية والغازية والكهرباء كلما تصاعدت وتيرة الحرب، وما حصل في الهجمات على كردستان واستهداف قوات المعارضة ومخازن الأسلحة التابعة لقوات بيشمركة الاتحاد الوطني دليل على ذلك".
وشدد العابد على أن "غاية إيران ورسائلها من الضربة الأخيرة، هي أن طهران لن تبقي الحرب محصورة بينها وبين واشنطن، وإنما ستدخل إليها كل الدول الحليفة للولايات المتحدة".
ولفت الباحث العراقي إلى أن "الزيدي سيذهب إلى إيران ويبدو أنه يحمل رسالة من واشنطن إلى إيران وسيتم الحديث عن موضوع استهداف العراق في الزيارة، لكنه رجح أن لا تقدم الزيارة حلولا كبيرة لمشكلة الاعتداءات الإيرانية على العراق"، ورجح أيضا أن "يستمر تعامل إيران مع العراق بهذه الاعتداءات وربما يشهد تصعيدا أكبر في حال توسع نطاق الصراع الأمريكي الإيراني".
وفي المواقف التي صدرت عقب تلك الهجمات، دانت الولايات المتحدة الأمريكية بأشد العبارات الهجمات التي شنتها إيران مؤخراً على مدينتي أربيل والسليمانية، واصفةً إياها بالانتهاك الصارخ والواضح لسيادة العراق ووحدة أراضيه.
داخليا، أدان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بشدة الاعتداءات على إقليم كوردستان، ووجه الأجهزة والتشكيلات الأمنية المختصة بالتنسيق والعمل المشترك مع القوات الأمنية في الإقليم للحفاظ على الاستقرار.
كما أكد رئيس الجمهورية نزار آميدي أن الاعتداءات التي استهدفت مدينتي أربيل والسليمانية تمثل انتهاكاً لسيادة البلاد ويهدد أمن المواطنين واستقرارهم، وشدد في بيان على أن العراق يرفض أن يكون ساحة للصراعات أو ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية، ويجدد تمسكه بعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، بما يصون سيادة الدول ويجنب شعوب المنطقة مزيداً من التصعيد وعدم الاستقرار.
وفي كردستان، أدانت حكومة الإقليم الهجمات التي شنتها إيران على أراضي إقليم كردستان، وحذرت من التداعيات الخطيرة لاستمرار هذه الهجمات، وطالبت في بيان لها طهران بوقف هذا التصعيد فوراً، فيما دعت حكومة أربيل الحكومة الاتحادية في بغداد والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم والتدخل العاجل لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.
وتسبب الهجمات الإيرانية على إقليم كردستان بخلق أزمة في توليد وتأمين الطاقة الكهربائية، إذ أوقفت شركة "دانة غاز" الإماراتية، العمل مؤقتاً في المنشآت الإنتاجية الرئيسة كافة بحقل "كورمور" الغازي في كردستان وذلك بسبب وجود تهديدات أمنية وتصاعد وتيرة التوترات في المنطقة، وسبب هذا التوقف بانخفاض إنتاج الطاقة الكهربائية بنحو 2500 ميغاواط، بحسب ما أعلنت وزارة الكهرباء في الإقليم، الأمر الذي انعكس سلبا على تجهيز الكهرباء في الإقليم وعموم العراق وزيادة ساعات القطع اليومية من الكهرباء في ظل الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة ووصولها لـ 45 درجة.
ويتزامن القصف الإيراني على شمال العراق، مع تصعيد في خطاب الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أصدرت تلك الفصائل بيانات أكدت فيها تمسكها بسلاحها ووقوفها إلى جانب إيران في الحرب، وأعلنت في آخر بيان نشرته صدر عن ما يسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" عن رصد مكافئة مالية قدرها 10 ملايين دولار، قالت إنها "جُمعت من تبرعات عناصرها، وخصصت لمن يقتل الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
لكن كتائب سيد الشهداء التي يتزعمها أبو آلاء الولائي المطلوب للولايات المتحدة الأمريكية بتهم الإرهاب، أخلت مسؤوليتها ومسؤولية باقي الفصائل المسلحة العراقية عن الهجمات التي استهدفت إقليم كردستان.
وقال المتحدث باسم الكتائب كاظم الفرطوسي في تصريح لوكالة "شفق نيوز": إنه "لا توجد أي عمليات انطلقت من العراق باتجاه أربيل، كما لم يصدَّر عن فصائل المقاومة أي عمل في هذا الجانب".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغراماخترنا لك
الـ 30 من أيلول.. هل ينجح العراق باختبار قدرته على تحقيق السيادة الكاملة؟
ولايتي يهاجم الإطار.. هل تعيد المطارات شكل العلاقة بين إيران وحلفائها بالعراق؟
تحذيرات المالكي من الاقتتال الداخلي.. هل تعكس إصرارًا إيرانيًا على الاحتفاظ بسلاح الفصائل؟
كيف سيؤثر تراجع الاحتياطي النقدي على الوضع المالي والاقتصادي في العراق؟