تمثل الوفيات مؤشراً أساسياً لقياس الواقع الصحي والاجتماعي في العراق، إذ تتأثر بعوامل متعددة تشمل الأوضاع الأمنية، وانتشار الأمراض، ومستوى الرعاية الصحية، والظروف البيئية، وخلال الفترة التي أعقبت عام 2003، شهدت البلاد تغيرات ملحوظة في معدلات وأسباب الوفاة، إذ انتقل العبء تدريجياً من الوفيات المرتبطة بأعمال العنف إلى الوفيات الناجمة عن الأمراض المزمنة وغيرها من الأسباب الصحية.

وفيات أعمال العنف

شهد عدد الوفيات المدنية الموثقة الناتجة عن أعمال العنف تذبذباً كبيراً خلال المدة 2003–2025؛ إذ بلغ إجمالي الضحايا السنوي أعلى مستوياته خلال سنوات الصراع الطائفي وذروة العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية، قبل أن يتراجع تدريجياً مع تحسن نسبي للأوضاع الأمنية.

 ارتفع عدد القتلى من 12,153 حالة في عام 2003 إلى 29,526 حالة في عام 2006، وهو أعلى رقم مسجل في السلسلة، ثم انخفض إلى 10,286 حالة في عام 2008 و5,382 حالة في عام 2009. وعادت الأعداد إلى الارتفاع خلال 2013–2017 بسبب سيطرة تنظيم داعش والعمليات العسكرية لتحرير المحافظات، إذ بلغت 20,218 حالة في عام 2014 و17,578 حالة في عام 2015، قبل أن تنخفض بصورة متواصلة لتصل إلى 419 حالة في عام 2024، فيما سجلت البيانات الأولية لعام 2025 نحو 107 حالات فقط.

العنف المسلح والإرهاب والصراعات الداخلية كانت الأسباب الرئيسة للوفيات المدنية خلال العقد الأول بعد عام 2003، ولا سيما التفجيرات الانتحارية، والعبوات الناسفة، والاشتباكات المسلحة، والاغتيالات، والعمليات العسكرية. أما بعد هزيمة تنظيم داعش واستعادة الدولة السيطرة على معظم الأراضي العراقية، فقد تراجعت معدلات الوفيات المرتبطة بالعنف إلى مستويات هي الأدنى منذ عام 2003. 

 

 

وفيات الحوادث المرورية

تعد حوادث المرور من أبرز أسباب الوفيات غير الطبيعية في العراق، إذ شهدت السنوات الأخيرة مستويات مرتفعة نسبياً من الحوادث وما نتج عنها من وفيات وإصابات، فقد ارتفع عدد الحوادث من 8,186 حادثاً في عام 2020 إلى 11,948 حادثاً في عام 2025، بزيادة تقارب 46% خلال خمس سنوات.

كما ارتفع عدد الوفيات من 2,152 وفاة في عام 2020 إلى 3,021 وفاة في عام 2022، وهو أعلى مستوى خلال الفترة الزمنية  الممتدة بين 2020 - 2025، قبل أن ينخفض إلى 3,019 وفاة في عام 2023، ثم إلى 2,719 وفاة في عام 2024 و2,351 وفاة في عام 2025، كما بلغ عدد المصابين 11,564 جريحاً في عام 2025، بعد أن سجل ذروته عند 12,677 جريحاً في عام 2022.

 معدلات ونسب الوفيات والإصابات في العراق 

وفق إحصائية لمجموعة من أهم المؤشرات الصحية ومعدلات الوفيات والإصابات في العراق، والمحسوبة وفق المعدلات المعيارية لكل 100 ألف نسمة (أو لكل 100 ألف ولادة حية أو ألف ولادة حية بحسب طبيعة المؤشر)، فإن الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء سجلت أعلى معدل بين المؤشرات المتاحة، إذ بلغت 90.4 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2019، تلتها وفيات الأمهات بمعدل 66 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية عام 2023، ثم معدل الإصابة بالسل بواقع 23 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2023.

كما بلغ معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة 23.34 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2022، في حين سجلت وفيات حوادث المرور 21.5 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2021، وفيما يتعلق بالعنف والإصابات، بلغ معدل جرائم القتل 13.61 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2019،

أما معدل وفيات حديثي الولادة فقد بلغ 13.3 وفاة لكل ألف ولادة حية عام 2022، في حين سجلت الوفيات الناتجة عن خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة غير الآمنة، 4.4 وفيات لكل 100 ألف نسمة عام 2019

وسجل معدل الانتحار 3.25 وفاة لكل 100 ألف نسمة في العام نفسه، مقارنة بمعدل 1.7 وفاة لكل 100 ألف نسمة في المناطق المتأثرة بالنزاع، وبمتوسط عالمي بلغ 3.0 وفيات لكل 100 ألف نسمة، وسجلت الوفيات الناتجة عن التسمم غير المتعمد أدنى المعدلات بين المؤشرات الواردة، إذ بلغت 0.21 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2018.

وتوضح المؤشرات الصحية أن العراق يواجه تحدياً متزايداً يتمثل في انتشار الأمراض غير السارية، التي أصبحت السبب الرئيس للوفيات في البلاد. فقد شكلت هذه الأمراض نحو 55% من إجمالي الوفيات عام 2019، فيما بلغ احتمال الوفاة بسبب الأمراض غير السارية بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و70 سنة نحو 22.4%. 

وتعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة، إذ تمثل 27% من إجمالي الوفيات، تليها الأورام السرطانية بنسبة 11%، ثم مرض السكري بنسبة 4%، وأمراض الرئة المزمنة بنسبة 2% من إجمالي الوفيات.

وتكشف الإحصائيات عن انتشار واسع لعوامل الخطورة المرتبطة بهذه الأمراض، إذ يعاني نحو 30% من السكان من ارتفاع ضغط الدم، بينما تبلغ نسبة انتشار مرض السكري 14%، وتتجاوز السمنة 30% من السكان.

كما تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدلات استخدام التبغ، إذ بلغت نسبة التدخين بين الذكور البالغين 38% عام 2019، فيما بلغت نسبة مستخدمي التبغ من الذكور بعمر 13–15 سنة نحو 20%، مقابل 9% بين الإناث في الفئة العمرية نفسها، أما على صعيد الصحة النفسية، فتشير التقديرات إلى أن 16.5% من السكان ممن تزيد أعمارهم على 15 سنة يعانون من أحد الاضطرابات النفسية.

اتجاهات الوفيات والأمراض (2003–2021)

شهد النظام الصحي في العراق خلال الفترة 2003–2021 تحولاً تدريجياً في طبيعة الأمراض المسببة للوفاة، فبعد أن كانت التحديات الصحية تتركز بصورة كبيرة على الإصابات والوفيات المرتبطة بالنزاعات، أصبحت الأمراض غير السارية تمثل العبء الأكبر على القطاع الصحي. 

وتوضح الإحصائيات وجود زيادة في انتشار الأمراض غير السارية بصورة عامة؛ حيث سجلت الأورام (السرطانات) والسكري وأمراض الكلى وأمراض الجلد والأنسجة تحت الجلد، ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة، الأمر الذي يشير إلى تنامي العبء الصحي للأمراض المزمنة التي تتطلب علاجاً طويل الأمد وتكاليف مرتفعة، بينما سجل المؤشر انخفاضا في انتشار معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وأمراض الجهاز الهضمي خلال الفترة نفسها.

أبرز المؤشرات

1- تراجعت الوفيات الناتجة عن أعمال العنف بشكل كبير بعد ذروتها في عام 2006 التي سجلت 29,526 وفاة، لتنخفض إلى 107 وفيات عام 2025

2- حوادث المرور تمثل أحد أبرز أسباب الوفاة غير الطبيعية، إذ تجاوز عدد الوفيات المرورية 2,000 وفاة سنوياً خلال الفترة 2020–2025، ووصل إلى 3,021 وفاة في عام 2022.

3- الأمراض غير السارية السبب الرئيس للوفاة في العراق، حيث تشكل 55% من إجمالي الوفيات

4- تعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفيات المرتبطة بالأمراض غير السارية، إذ تمثل 27% من إجمالي الوفيات، تليها السرطانات (11%) ثم السكري (4%) وأمراض الرئة المزمنة (2%).

5- تمثل مؤشرات صحة الأمهات والأطفال تحدياً صحياً؛ إذ بلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 23.34 وفاة مقابل 13.3 حديثي الولادة لكل 1000 ولادة حية، عام 2022 كما بلغت وفيات الأمهات 66 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية عام 2023.

6- يشكل تلوث الهواء أحد أبرز عوامل الوفاة البيئية؛ إذ بلغ معدل الوفيات المنسوبة إليه 90.4 وفاة لكل 100 ألف نسمة عام 2019.

7- تنتشر عوامل الخطورة المرتبطة بالأمراض المزمنة، حيث يعاني نحو 30% من السكان من ارتفاع ضغط الدم، و14% من مرض السكري، فيما تتجاوز نسبة السمنة 30%، ويبلغ معدل التدخين بين الذكور البالغين 38%.

8- تشير الاتجاهات الصحية للفترة (2003–2021) إلى استمرار ارتفاع عبء الأمراض المزمنة، مع زيادة انتشار السرطانات والسكري وأمراض الكلى، مقابل انخفاض انتشار بعض أمراض الجهاز التنفسي والهضمي المزمنة.

9- انتقلت أنماط الوفيات في العراق خلال العقدين الماضيين من هيمنة الوفيات المرتبطة بالنزاعات المسلحة إلى هيمنة الوفيات الناتجة عن الأمراض المزمنة والعوامل البيئية وحوادث المرور