خلال الأسبوع الأخير، شهدت محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل 4 تظاهرات احتجاجا على منع فصائل مسلحة وجهات متنفذة البناء على آلاف الأراضي السكنية داخل حدود بلدية الموصل والتي يمتلك أصحابها سندات رسمية من دائرة التسجيل العقاري.
وترجع مشكلة الأراضي الممنوعة من البناء إلى ما بعد استعادة القوات العراقية السيطرة على الموصل عام 2017، فبعد هذا التاريخ فرضت فصائل مسلحة منخرطة في الحشد الشعبي سيطرتها الأمنية على كثير من المناطق ولا سيما أطراف الموصل وحتى داخل مركزها، ثم عمدت تلك الجهات وأبرزها لواء 30 المعروف باسم حشد الشبك ولواء 50 المعروف باسم لواء بابليون لمنع أصحاب الأراضي من البناء في المناطق الواقعة تحت نفوذ فصائلهم وإن كانت لتلك الأراضي سندات رسمية من دائرة التسجيل العقاري أو أنها داخلة ضمن حدود بلدية الموصل.
والأسبوع الماضي، تظاهر المئات من أصحاب الأراضي الممنوعين من البناء في منطقتي جليوخان وقزة فخرة الواقعتين جنوب شرقي الموصل وضمن الحدود الإدارية لبلدية الموصل (أي أنها داخل مركز الموصل)، وذلك احتجاجا على منعهم من البناء على أراضيهم بذريعة التغيير الديمغرافي.
ويتذرع فصيل حشد الشبك بذريعة التغيير الديمغرافي لمنع نحو 30 ألف مواطن من مدينة الموصل وأغلبهم من المكون العربي من البناء، ويستخدم نفوذه وقوة سلاحه لمنع الأهالي من استغلال أراضيهم، رغم أن منطقتي جليوخان وقزة فخرة تقعان ضمن حدود بلدية الموصل وملاصقة بشكل مباشر للعديد من الأحياء السكنية في المدينة، وبعيدة مسافة لا تقل عن 5 كم عن القرى التي يسكنها المكون الشبكي.
بشير إسماعيل وهو موظف متقاعد من سكنة الموصل يشكو من حرمانه من البناء على أرضه من قبل اللواء 30 حشد الشبك، ويؤكد في حديث لشبكة "الساعة" أنه وأصحاب الأراضي الممنوعين من البناء تواصلوا مع الحكومة المحلية في نينوى ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني والأسبق مصطفى الكاظمي لحل مشكلتهم لكن الجميع عجز عن حلها بسبب نفوذ الفصيل المسلح وعلو سلاحه على قرار الدولة والقضاء العراقي"، مبينا أن "القضاء العراقي كان قد نظر في طلبهم بوقت سابق وأكد أن هذه المناطق لا تمثل تغييرا ديمغرافيا للمناطق الشبكية في سهل نينوى".
وناشد إسماعيل رئيس الوزراء السماح لهم بالبناء وإخضاع القوة الماسكة للأرض في تلك المنطقة للقانون، مؤكدا أن "قسم كبير قطع الأراضي قد وزعت قبل العام 2003 وأصحابها يمتلكون سندات رسمية، والقسم الآخر من الأراضي وزع على عائلات الشهداء والمصابين من ضحايا الإرهاب بعد العام 2010 من قبل الدوائر الرسمية الحكومية، ولكن رغم كل هذا يمنع الأهالي من البناء ولايسمح لهم بالبناء عليها، ما دفع الكثير منهم يلجأون إلى السكن في دور للإيجار لحين حل أزمتهم التي لم تعالج طيلة السنوات العشرة الماضية بسبب قوة السلاح خارج إطار القانون والدولة"، حسب تعبيره.
وبسبب مشكلة الأراضي، كشف النائب عن نينوى جميل عبد سباك عن تشكيل لجنة برلمانية عليا لتشخيص مشكلة الأراضي وإيجاد حل عاجل لها.
وقال سباك الذي كلف برئاسة اللجنة البرلمانية للتحقيق في ملف الأراضي الممنوعة من البناء في تصريح مقتضب لشبكة "الساعة": إن "اللجنة بدأت أعمالها اليوم الاثنين، وعقدت أول اجتماعاتها، وستسمع لمطالب المواطنين من أصحاب الأراضي، ومن ثم تأخذ رأي الدوائر المختصة كالبلدية والتسجيل العقاري والتخطيط، ثم ترفع توصياتها إلى رئاسة البرلمان لاتخاذ إجراءات وقرارات تلزم الحكومة بتنفيذها وحل مشكلة الأراضي في تلك المناطق"، مبينا أن "اللجنة حريصة على إنهاء هذا الملف وحله وفقا للقانون والدستور العراقي".
وترتكز الفصائل المسلحة على قرار سابق صدر في العام 2013 من المحكمة الاتحادية، والذي بموجبه يمنع البناء داخل مركز قضاء الحمدانية بسبب تواجد الأقليات فيها من المكونين الممسيحي والشبكي، ولكن تطبيق هذا القرار على مناطق جليوخان وقزة فخرة اللتين تقعان ضمن حدود بلدية الموصل يعد مخالفة للقانون وقرار المحكمة الاتحادية، كما تؤكد عضو مجلس النواب سمية الخابوري.
وقالت الخابوري في تصريح خاص لشبكة "الساعة": إن "حرمان نحو 35 ألف مواطن من محافظة نينوى من البناء على أراضيهم في هاتين المنطقتين يعد مخالفة واضحة وصارخة للقانون وقرارات المحكمة الاتحادية والدستور العراقي الذي يمنح لكل عراقي حق السكن والتملك في أي منطقة في البلاد".
وأضافت الخابوري: أن "منع المواطنين من البناء غير مرتكز على قرار أو حكم من القضاء، وإنما يأتي بقوة السلاح، إذ يمنع فصيل مسلح خلافا للقانون الأهالي من بناء أراضيهم على اعتبارات سياسية وطائفية وقومية"، مؤكدة أن "الحديث عن وجود تغيير ديمغرافي في حال السماح لهم بالبناء بعد افتراء وكذبة كبيرة".
ودعت الخابوري رئيس الوزراء علي الزيدي إلى "التدخل المباشر من أجل وضع حد للفوضى والتجاوز على القانون حسب وصفها، وطالبت بالسماح الفوري لأصحاب الأراضي بالبناء، محذرة في ذات الوقت من تجاهل طلبات أصحاب وملاك الأراضي لأن تجاهلها يدفع شريحة واسعة من المظلومين إلى الاقتناع بعدم وجود الدولة ما دام هناك جهات مسلحة أعلى منها وأعلى من القانون".
كما تظاهر العشرات من أصحاب الأراضي في مجمع زيونة الواقع قرب سيطرة الشلالات المعروفة بسيطرة المرور شمال شرقي الموصل احتجاجا على منعهم من البناء على أراضيهم من قبل اللواء 30، مؤكدين أن عدد قطع الأراضي الممنوعة من البناء تصل لنحو 1000 قطعة أرض سكنية.
وأكد مشاركون في التظاهرة أن منطقتهم تقع ضمن حدود مدينة الموصل وبلديتها، وبعيدة عن القرى الشبكية، لكن يمنعون من البناء بذريعة التغيير الديمغرافي رغم أنها ملاصقة لأحياء الموصل والعديد من الدوائر الرسمية في المحافظة كمبنى المحافظة السابق ومديرية المرور الحالية.
كما يشكو الآلاف من أصحاب الأراضي من منعهم من البناء على أراضيهم في أحياء الكندي الأولى والثانية والثالثة والرابعة والتعليم والتربية، حيث تمنعهم قوات تابعة للواء 50 حشد بابليون من البناء، وتفرض عليهم أتاوات تصل لأكثر من 1000 دولار لكل 100 متر من أجل السماح لهم بالبناء عليها.
وعلى خلفية الاحتجاجات، دعا عضو مجلس محافظة نينوى عبدالله النجيفي الحكومة العراقية إلى التدخل وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة التي تمنع المواطنين من حقهم القانوني والدستوري في البناء والتملك في مدينهم الموصل.
وقال النجيفي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "ملف الأراضي الممنوعة من البناء أخذ خلال الفترة الماضية مساره المؤسسي من خلال اللجان المختصة والاجتماعات والاستماع إلى أصحاب الحقوق والجهات المعنية، إلا أن المشكلة لم تعد تكمن في تشخيص الملف أو معرفة أسبابه، بل في وجود إرادة لتعطيل الحلول وتأخير معالجته".
وأكد أن "أصحاب السندات القانونية في مناطق جليوخان وقزة فخرة والعباسية وغيرها لا يمكن أن يبقوا محرومين من حقهم الطبيعي في البناء والسكن"، لافتاً إلى أن "استمرار المنع لا ينسجم مع مبادئ القانون والإنصاف".
وأضاف النجيفي أن "حماية نينوى لا تتحقق من خلال تعطيل حقوق المواطنين أو إبقاء آلاف العائلات رهينة الانتظار، بل عبر إيجاد حلول قانونية عادلة تحفظ حقوق الأهالي وتراعي متطلبات التنمية والاستقرار في المحافظة"، وشدد على أن "ملف الأراضي الممنوعة من البناء لم يعد يحتمل المجاملة أو تدوير المسؤولية".
بدوره كشف عضو مجلس نينوى أحمد العبد ربه عن اتخاذ كتلة نينوى الموحدة قرارا يقضي بعدم التصويت على أي قرارات في المجلس لاستحداث وتطوير الوحدات الإدارية في المحافظة إلا بعد السماح لأصحاب الأراضي الممنوعين من بنائها بالبناء عليها والتملك فيها.
وقال العبد ربه في حديث لشبكة "الساعة": إن "بعض الأطراف في مجلس نينوى تسعى لاستحداث وحدات إدارية والارتقاء ببعض المناطق إداريا، لكن كتلة نينوى الموحدة (تضم أعضاء القوى والكتل العربية السنية في المجلس) قررت عدم التصويت لصالح أي قرار باستحداث أو تطوير الوحدات الإدارية لحين حل مشكلة أصحاب الأراضي في جليوخان وقزة فخرة وغيرها من المناطق"، مشيرا إلى أن "بعض الكتل ساندت موقف كتلة نينوى الموحدة بهذا الخصوص".
وفي وقت سابق قدم أعضاء في مجلس نينوى من المقربين للفصائل المتنفذة في سهل نينوى طلبات تقضي باستحداث وتطوير وحدات إدارية في سهل نينوى ومنها تحول قرية بازوايا إلى ناحية وغيرها من التحديثات الإدارية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام