في صحراء العراق وعلى أطراف الحدود السورية والأردنية والسعودية، تنتشر مدارج طويلة يمكن رؤيتها بوضوح عبر الأقمار الصناعية، بعضها ما يزال يستقبل الطائرات العسكرية، فيما تحوّل بعضها الآخر إلى منشآت مهجورة لا يعرفها معظم العراقيين رغم أنها كانت يوماً جزءاً من أكبر الشبكات الجوية والعسكرية في الشرق الأوسط.
وخلال السنوات الأخيرة، أعادت التوترات الإقليمية المتصاعدة الحديث عن استخدام مواقع صحراوية نائية لأغراض عسكرية واستخبارية تسليط الضوء على سؤال ظل بعيداً عن النقاش العام:
ما الذي تبقى من شبكة المطارات والقواعد الجوية العراقية ؟
يحتفظ العراق بإرث ضخم من القواعد الجوية والمدارج والمطارات العسكرية والخدمية التي تراكمت عبر عقود من الحروب والصراعات وإعادة بناء القوات المسلحة، وبالاعتماد على قاعدة بيانات تضم أبرز المطارات والقواعد الجوية والمنشآت الجوية المعروفة في العراق، يتضح أن البلاد ما تزال تحتفظ بشبكة واسعة تمتد من الحدود السورية غرباً إلى الخليج جنوباً، ومن الموصل شمالاً إلى البصرة والمثنى جنوباً.
جغرافية صنعتها الحروب
تنتشر نسبة كبيرة من المطارات والقواعد الجوية العراقية في مناطق صحراوية أو حدودية بعيدة عن التجمعات السكانية؛ إذ اعتمد العراق سياسة توزيع القوة الجوية على عشرات المواقع العسكرية والمدارج الاحتياطية لتقليل احتمالات تدمير الطائرات والقواعد الجوية بضربة واحدة، خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم خلال مرحلة التوتر الإقليمي في الثمانينيات والتسعينيات.
كما ظهرت قواعد ومطارات في مناطق مثل H1 والرويشد وشمال الرطبة والسلمان وجليبة والصفرة وطلحة ومواقع أخرى.
طبقتان جويتان في العراق:
تكشف البيانات أن المشهد الجوي العراقي ينقسم فعلياً إلى طبقتين مختلفتين.
الطبقة الأولى: تتفرع الطبقة الأولى إلى فرعين، الفرع الأول يمثل المطارات المدنية العاملة والتي تشكل العمود الفقري للبنية الجوية العراقية الحالية، ومنها:
المطارات المدنية والخدمية
يمتلك العراق شبكة من المطارات المدنية والدولية والخدمية المخصصة لنقل المسافرين والبضائع وتقديم الخدمات الجوية والزراعية، وتمثل هذه المطارات البنية الأساسية للطيران المدني في البلاد، وتنتشر في عدة محافظات؛ حيث تؤدي دوراً مهماً في الربط الداخلي والخارجي ودعم الأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وتضم هذه الفئة سبعة مطارات مدنية ودولية وثلاثة مطارات خدمية متخصصة، موزعة على مختلف مناطق العراق، ما يعكس تنوع الاستخدامات الجوية بين النقل التجاري والخدمات الزراعية واللوجستية.

القواعد الجوية والمطارات العسكرية المفعلة
إلى جانب المطارات المدنية، يمتلك العراق شبكة من القواعد الجوية والمطارات العسكرية المفعلة التي تشكل الركيزة الأساسية لقدراته الجوية والدفاعية. وتضم هذه المنشآت قواعد جوية كبيرة ومطارات عسكرية متخصصة تؤدي مهام القتال والنقل العسكري والاستطلاع والتدريب والإسناد اللوجستي.
وتبرز ضمن هذه المنظومة قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، التي اكتسبت أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة بعد استضافة قوات التحالف الدولي. كما تمثل قواعد بلد وسبايكر والتاجي والإمام علي مراكز استراتيجية مهمة لدعم العمليات الجوية والعسكرية العراقية.

الطبقة الثانية: تضم هذه الشبكة عدداً واسعاً من المطارات والقواعد الجوية القديمة والمدارج التي خرجت عن الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة، إلى جانب مواقع مهجورة بشكل كامل لا يزال وجودها قائماً ضمن نطاق القواعد والمطارات العسكرية في العراق، فضلاً عن مواقع أخرى شبه مهجورة تؤدي أدواراً جزئية في المشهد الجوي والعسكري العام ،
وخلال أربعة عقود من الحروب والعقوبات والصراعات الداخلية، خرجت العديد من المطارات والقواعد الجوية من الخدمة بصورة كلية أو جزئية، إذ تعرّض بعضها للقصف والتدمير، فيما فقد بعضها الآخر أهميته العسكرية نتيجة تغير طبيعة التهديدات وتطور التكنولوجيا العسكرية. كما تُرك جزء منها بسبب الكلف العالية لإعادة التشغيل والصيانة.
ورغم ذلك، لم تختفِ هذه المواقع من الخريطة الجغرافية، إذ ما تزال مدارجها ومنشآتها قائمة بدرجات متفاوتة، كما يحتفظ عدد منها بمساحات استراتيجية كبيرة قد تمنحها قيمة مستقبلية في حال تغيرت الظروف الأمنية أو العسكرية.
ورغم الإهمال والتدمير الذي طال بعض هذه المواقع، فإن وجود هذه المنشآت يمنح العراق ما يمكن وصفه بـ"الاحتياطي الجغرافي العسكري"، وهو إرث تراكم عبر عقود طويلة من بناء القوة الجوية وتوزيعها على مساحات واسعة من البلاد، خاصة في منطقة لا تزال تشهد حروباً وأزمات أمنية متكررة.
-
المطارات والقواعد المهجورة

-
المطارات والقواعد شبه المهجورة

انتشار القواعد والمطارات في المحافظات.. الأنبار في المقدمة
تنتشر المطارات والقواعد العسكري في مختلف المحافظات، فتبرز محافظة الأنبار، كعاصمة المطارات والقواعد الجوية في العراق كونها تضم أكبر تجمع للقواعد الجوية والعسكرية، نظرًا لمساحتها الشاسعة وموقعها الاستراتيجي المطل على حدود ثلاث دول إذ تضم قواعد استراتيجية مثل عين الأسد وقاعدة التقدم الجوية وقاعدة الحبانية العسكرية وهي قواعد مفعلة، مقابل عدد كبير من المطارات المهجورة مثل H-1 وH-2 وH-3 ومطار الرطبة ومدرجات الحبانية القديمة، وذلك نتيجة تراجع البنية الجوية القديمة مقابل استمرار استخدام بعض القواعد الرئيسية.
أما في البصرة، فتوجد قواعد مهمة مثل قاعدة الشعيبة الجوية المفعلة، إلى جانب مطارات عسكرية قديمة مهجورة مثل مطار سفوان وأرطاوي وجليبة، ما يشير إلى تركز النشاط العسكري في موقع واحد رئيسي جنوباً.
وفي بغداد، يتوزع الوجود بين مطار مدني نشط هو مطار بغداد الدولي الذي يضم قواعد ومدارج عسكرية، وقواعد عسكرية مثل التاجي الجوية المفعلة، مقابل مطارات مهجورة مثل الرشيد والمثنى، أما في صلاح الدين، فتبرز قواعد مهمة مفعلة مثل بلد الجوية وسبايكر وقيارة الغربي، إلى جانب مواقع مهجورة أو شبه مهجورة مثل قاعدة تكريت الجنوبية ومطار الصينية، ما يدل توزيع القواعد في محافظة صلاح الدين على أهميتها العسكرية والاستراتيجية.
وفي محافظة نينوى، توجد قواعد نشطة مثل القيارة الغربي والقيارة العسكري، مقابل قواعد مهجورة مثل تلعفر وسنجار، وفي واسط وديالى، يظهر توازن بين قواعد مفعلة مثل الصويرة الجوية ومطار خان بني سعد، وأخرى شبه مهجورة مثل حمرين وكفري، نظراً للاستخدام المحدود للبنية الجوية في هذه المناطق.
أما في بقية المحافظات مثل النجف، المثنى، ذي قار، ميسان، كركوك، فيلاحظ وجود قواعد متفرقة بين مفعلة وشبه مهجورة؛ إذ تبقى بعض القواعد مثل قاعدة الإمام علي الجوية في الناصرية وقاعدة كركوك الجوية ضمن القواعد النشطة، مقابل العديد من المطارات المهجورة لتراجع الاستخدام العسكري لها.
.png)
مطارات وقواعد إقليم كردستان العراق
يضم إقليم كردستان العراق، شبكة جوية مستقلة نسبياً عن بقية المطارات العراقية، تتكون من مطارات مدنية دولية وقواعد عسكرية ومنشآت ذات استخدام مشترك، وتُعد مطارات أربيل والسليمانية من أبرز بوابات العراق الجوية إلى الخارج، إذ تستقبل رحلات دولية منتظمة وتربط الإقليم بعدد من الوجهات الإقليمية والعالمية.
كما يشهد الإقليم توسعاً في بنيته الجوية مع استمرار العمل على مشروع مطار دهوك الدولي، في حين يؤدي مطار "عربت" دوراً خدمياً وزراعياً لدعم الأنشطة المحلية، وعلى الصعيد العسكري، تبرز قاعدة حرير الجوية كواحدة من أهم القواعد العسكرية في شمال العراق، نظراً لاستضافتها قوات أمريكية وقوات من التحالف الدولي.
ويتميز مطار أربيل الدولي بخصوصية إضافية تتمثل في احتوائه على منشآت ومرافق مخصصة لقوات التحالف الدولي، ما يجعله من المطارات ذات الاستخدام المدني والعسكري المشترك، ويمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز دوره في حركة النقل الجوي المدني.
الدور الوظيفي للقواعد والمطارات
تنبع أهمية المطارات والقواعد الجوية، سواء العسكرية أو الخدمية أو المدنية، من دورها الاستراتيجي والأمني في بسط السيطرة على كامل مساحة الدولة، ولا سيما في المناطق الصحراوية والمناطق قليلة الكثافة السكانية، فضلاً عن إسهامها في تشكيل شبكة دعم عسكري وأمني فعّالة في الظروف الاستثنائية.
وقد شكّل مطار الرشيد أحد المراكز الرئيسة للقوة الجوية العراقية داخل بغداد، فيما مثّل مطار المثنى لسنوات طويلة القلب العسكري والجوي للعاصمة. كما يُعد مطار الجليبة من أبرز القواعد الجوية التي لعبت دوراً مهماً قبل أن تتعرض لأضرار واسعة خلال حرب الخليج.
وفي غرب البلاد، كانت قواعد H1 وH2 وH3 جزءاً من منظومة استراتيجية هدفت إلى حماية الطائرات العراقية وإبعادها عن مراكز الاستهداف المحتملة. أما قواعد بلد وعين الأسد والقيارة وسبايكر فقد استعادت أهميتها خلال الحرب ضد تنظيم داعش، لتتحول مجدداً إلى مراكز عمليات عسكرية رئيسية في إدارة العمليات الميدانية.
أنتشار المطارات على خطوط الصراع
تكشف خريطة التوزيع الجغرافي أن عدداً كبيراً من المطارات المهجورة أو شبه المهجورة يتمركز على خطوط الصراع الإقليمي أو بالقرب منها، ففي الغرب تقع مطارات وقواعد الأنبار على مقربة من الحدود السورية والأردنية.
وفي الشمال تتمركز قواعد ومطارات نينوى وصلاح الدين بالقرب من الممرات العسكرية التي شهدت معارك واسعة ضد تنظيم داعش، وفي الشرق والجنوب الشرقي تظهر مواقع في ديالى وواسط على مقربة من الحدود الإيرانية.
أما في الجنوب فتنتشر مطارات قديمة في النجف والمثنى والبصرة ضمن مناطق صحراوية واسعة،مما يعني أن جزءاً كبيراً من البنية الجوية العراقية القديمة لم يُبنَ حول المدن، بل حول الجغرافيا العسكرية والأمنية للدولة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام