مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وجد العراق نفسه داخل دائرة الصراع، فكان هدفًا أساسيًا لكلا الطرفين، وذلك عقب تدخل فصائل عراقية مساندة لإيران؛ إذ أعلنت مشاركتها في الصراع عبر استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق ودول الجوار. ما جعل السيادة العراقية عرضة للاختراق، إذ نفذت الولايات المتحدة ضربات استهدفت ألوية وتشكيلات من الحشد الشعبي بدافع الرد على تلك الفصائل المسلحة.
أسباب الاستهداف الأمريكي للحشد الشعبي
ترتبط الفصائل المسلحة التي ترفع شعار “مقاومة الأمريكان” بشكل عابر للحدود، بفصائل الحشد الشعبي، وتُدار من قبل قيادات الحشد وذلك وفق تصريحات قيادات بارزة مثل أبو آلاء الولائي وأبو حسين الحميداوي، اللذين أكدا في بيانات وتصريحات سابقة قيادتهما لتلك الفصائل مع ثلة من القيادات الأخرى.
في الوقت ذاته، تؤكد واشنطن، أن هذه الفصائل المسلحة ليست كيانات منفصلة، بل جزء لا يتجزأ من ألوية الحشد الشعبي، وترتبط بقياداته، خاصة مع بيانات وتصريحات قادة في الحشد تتبنى استهداف المصالح الأمريكية عبر "فصائل الواجهة"، وهو ما دفع واشنطن إلى تحميل الحشد الشعبي والحكومة العراقية مسؤولية الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، وبالتالي توسيع نطاق الاستهداف ليشمل ألوية الحشد الشعبي بوصفها أهدافًا عسكرية محتملة.
يذكر أن الفصائل المسلحة المعروفة بـ "فصائل الواجهة"، تشكلت عقب عام 2014، بعد انخراط الفصائل الأم في هيئة الحشد الشعبي كقوات رسمية، ثم تركز تأسيسها عام 2020، ولخصت الأسباب الرئيسية لظهور هذه الأجنحة بعدة نقاط أبرزها، تقليل كلفة الإسناد المباشر للفصيل الأم، تجنب العقوبات الدولية والملاحقات القانونية، توفير مرونة إعلامية وعملياتية في إعلان الهجمات، فضلا عن توزيع الأدوار بين غرف العمليات المختلفة داخل بيئة الفصائل.
خريطة الضربات الأمريكية ضد الحشد الشعبي

نفذت القوات الأمريكية استهدافات مباشرة لألوية الحشد الشعبي، بـ 145 ضربة أسفرت عن مقتل نحو 80 منتسبًا وإصابة 266 آخرين، فضلًا عن استهداف قيادات بارزة في الحشد الشعبي، مثل فالح الفياض رئيس هيئة الحشد المتحدث باسم حزب الله أبو علي العسكري، إلى جانب قيادات أخرى.
وتُظهر البيانات التي رصدها فريق صحافة البيانات في شبكة الساعة تصدّر اللواء 45 في الحشد الشعبي، التابع لكتائب حزب الله، قائمة الألوية الأكثر تعرضًا للاستهداف بـ 19 عملية، توزعت بين الأنبار وبابل وبغداد.
تلاه اللواء 40 التابع لكتائب الإمام علي بـ 8 عمليات في كركوك ونينوى، ثم اللواء 30 التابع لقوات حشد الشبك بـ 8 عمليات في نينوى. كما سُجلت 6 عمليات ضد اللواء 14 التابع لكتائب سيد الشهداء، و5 عمليات لكل من اللواء 41 التابع لعصائب أهل الحق واللواء 31 التابع لكتائب رساليون.
واستمرت الضربات الأمريكية ضمن هذا السياق، حيث تعرض اللواء 52 التابع لمنظمة بدر/قوات أمرلي إلى 5 عمليات في صلاح الدين. كما شملت الاستهدافات اللواء 13 التابع للواء الطفوف بـ 4 عمليات في الأنبار، واللواء 18 التابع لسرايا طليعة الخراساني بـ 4 عمليات في المحافظة نفسها.
وفي نينوى، تعرض اللواء 50 التابع لكتائب بابليون إلى 3 عمليات، بينما طالت الضربات الأمريكية اللواء 16 التابع لمنظمة بدر/قوة التركمان في كركوك. كما استهدف الطيران الأمريكي ألوية أخرى بأعداد أقل، مثل اللواء 12 (حزب الله النجباء)، واللواء 19 (أنصار الله الأوفياء)، واللواء 17 (سرايا الجهاد)، واللواء 63 (قوة التركمان)، واللواء 15 (قوات الشهيد الصدر).
إضافة إلى ذلك، شملت الاستهدافات المحدودة الحشد العشائري (اللواءان 65 و58)، وحشد شهداء حديثة (اللواء 57)، ولواء الحسين (اللواء 53)، ولواء صلاح الدين (اللواء 51)، وجند الإمام (اللواء 6)، وألوية وعد الله (اللواء 33).
كما سُجلت عدة ضربات غير محددة الجهة، توزعت على محافظات بغداد والنجف ونينوى وبابل والبصرة والأنبار، ما يشير إلى أن جزءًا من العمليات لم تُحدد فيه الفصائل المستهدفة بدقة.
الفصائل المستهدفة ونفوذها السياسي

بلغت فصائل الحشد الشعبي المستهدفة أكثر من 20 فصيلاً عسكرياً ضمت ما يزيد على 40 لواءً، يقودها شخصيات تمتلك نفوذاً انتخابياً واضحاً مكنها من صناعة تأثير سياسي داخل البرلمان بلغ 78 مقعداً برلمانياً، بإجمالي أصوات يصل إلى 1,916,000 صوت
تتصدر الفصائل الكبرى من حيث الحجم والتأثير منظمة بدر بقيادة هادي العامري، والتي تضم ألوية متعددة هي (27، 16، 52، 24، 53) موزعة في الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى، وتمتلك ثقلاً سياسياً كبيراً بلغ 535,592 صوتاً و17 مقعداً. كما برزت عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي عبر لوائيها (41 و42) المنتشرين في صلاح الدين وديالى وواسط، مع نفوذ انتخابي الأعلى بين الفصائل وصل إلى 674,031 صوتاً و27 مقعداً.
أما كتائب حزب الله، التي يقود واجهتها السياسية حسين مؤنس، فقد شمل الاستهداف ألوية (45 و47) المنتشرة في الأنبار وبابل وبغداد، وتمتلك حضوراً سياسياً بـ 225,610 أصوات و6 مقاعد. في حين تقود كتائب الإمام علي شخصية شبل الزيدي عبر اللواء 40 في كركوك ونينوى، بتمثيل سياسي بلغ 181,939 صوتاً و5 مقاعد. كما تظهر كتائب سيد الشهداء بقيادة أبو آلاء الولائي من خلال اللواء 14 في نينوى، بتمثيل 56,578 صوتاً و7 مقاعد.
في الفصائل متوسطة الحجم، تبرز سرايا طليعة الخراساني بقيادة علي الياسري عبر اللواء 18 في الأنبار، وسرايا الجهاد بقيادة حسن الساري عبر اللواء 17، إضافة إلى أنصار الله الأوفياء بقيادة حيدر الغراوي عبر اللواء 19 في الأنبار. كما يظهر جند الإمام بقيادة أحمد الأسدي عبر اللواء 6 في صلاح الدين، مع تمثيل سياسي بلغ 65,303 صوتاً و6 مقاعد. في حين تعمل كتائب رساليون بقيادة عدنان الشحماني عبر اللواء 31 ضمن إطار سياسي مرتبط بحزب الدعوة.
أما الفصائل ذات الطابع المكوناتي، فتشمل قوات الشبك بقيادة وعد قدو عبر اللواءين (30 و34) في نينوى، بتمثيل محدود (10,501 صوت ومقعد واحد)، وكتائب بابليون بقيادة ريان الكلداني عبر اللواء 50 في نينوى (68,544 صوتاً و3 مقاعد). كما تبرز قوات درع التركمان بقيادة أرشد الصالحي في كركوك (64,196 صوتاً ومقعدين)، إلى جانب قوة التركمان (اللواء 63) دون تمثيل سياسي واضح.
في المقابل، تضم الفصائل غير المرتبطة بتمثيل سياسي مباشر تشكيلات مثل حزب الله النجباء بقيادة أكرم الكعبي عبر اللواء 12 في بغداد، وألوية وعد الله المرتبطة بالمرجع محمد اليعقوبي عبر اللواء 33 في نينوى، ولواء الطفوف (اللواء 13) المرتبط بالعتبة الحسينية في الأنبار. كما تشمل قوات الشهيد الصدر (اللواءان 25 و15) المرتبطة بـ نوري المالكي، إضافة إلى لواء صلاح الدين (اللواء 51) المرتبط بـ مشعان الجبوري.
وتظهر أيضاً تشكيلات عشائرية مثل الحشد العشائري الذي يضم الألوية (58، 65، 61، 57) في نينوى وكركوك والأنبار، والتي لا تمتلك تمثيلاً سياسياً مستقلاً، لكنها ترتبط اجتماعياً وسياسياً بقيادات محلية، وغالباً ما يتجه ثقلها الانتخابي نحو شخصيات مثل رئيس هيئة الحشد الشعبي.
كما طالت الضربات تشكيلات قيادية مثل قيادة عمليات الأنبار، إضافة إلى مقر قيادة عمليات الشمال وشرق دجلة (اللواءان 67 و16) في كركوك، ما يدل على أن الاستهداف شمل مراكز القيادة والسيطرة وليس فقط الوحدات القتالية.
جغرافياً، تنتشر هذه الألوية في نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى وبغداد، مع امتدادات أقل في واسط والبصرة والنجف، كما سُجلت عمليات ضمن فئة "غير محدد" في عدة محافظات، وهي ضربات لم تُحدد فيها الفصائل المستهدفة بدقة.
في المحصلة، تعكس هذه المعطيات أن الضربات الأمريكية استهدفت منظومة متكاملة تضم ألوية متعددة يقودها قادة ذوو نفوذ سياسي وعسكري، في محاولة للتأثير على الهيكل القيادي والتنظيمي للحشد الشعبي ككل، وليس فقط على فصيل بعينه.
التوزيع الجغرافي للضربات الأمريكية

على صعيد المحافظات، تركزت الضربات الأمريكية ضد الحشد الشعبي بشكل رئيسي في محافظة نينوى، حيث سُجلت 72 ضربة أمريكية، راح ضحيتها 30 منتسبًا وأُصيب 113 منتسب من ألوية الحشد الشعبي. تلتها الأنبار بـ 26 ضربة، قُتل فيها 35 وأصيب 70 منتسبًا، ثم محافظة صلاح الدين بـ 16 ضربة، قُتل فيها 5 منتسبين وأُصيب 29 آخرون.
وجاءت بعدها كركوك بـ 13 ضربة، قُتل فيها 5 من منتسبي الحشد الشعبي وأُصيب 32 آخرون، تلتها بغداد بـ 12 ضربة، أسفرت عن 4 قتلى و16 جريحًا.
وبشكل أقل، استهدفت الضربات الأمريكية محافظة ديالى بـ 3 ضربات أسفرت عن جريح واحد، وواسط بـ ضربة واحدة أسفرت عن جريح واحد، وبابل بـ ضربتين نتج عنهما جريحان، فضلًا عن استهدافات في البصرة والنجف.
كما طالت العمليات الأمريكية قيادات بارزة في الحشد الشعبي، من أبرزهم رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، عبر ضربة استهدفت منزله في نينوى، وقتلت القوات الأمريكية قائد الحشد في الأنبار، والناطق باسم كتائب حزب الله أبو علي العسكري في بغداد، ما يبين انتشارًا واسع النطاق للعمليات الأمريكية–الإسرائيلية ضد الحشد وقياداته في عموم العراق.
الخسائر البشرية للحشد الشعبي
تكشف المعطيات عن تسجيل نحو 80 قتيلًا و266 جريحًا نتيجة الضربات الأمريكية على ألوية وفصائل الحشد الشعبي. وتوزعت الخسائر بين عدة فصائل، حيث كانت كتائب حزب الله الأكثر تضررًا بفارق واضح، إذ بلغ مجموع قتلاها 26 قتيلًا، منهم 21 من اللواء 45 موزعين على عدة مناطق، أبرزها القائم في الأنبار التي سجلت وحدها 11 قتيلًا، إضافة إلى خسائر في جرف الصخر (2)، والإسكندرية (3) بمحافظة بابل، وفي الزبير بالبصرة (3)، وبغداد (قتيلان).
في المقابل، قُتل من الألوية الأخرى التابعة لكتائب حزب الله 5 منتسبين، بينهم 4 من اللواء 46 في بغداد ومنتسب واحد من اللواء 47 في بغداد أيضًا. ويشير هذا التركّز العددي للضربات إلى أن الكتائب كانت الهدف الرئيسي للضربات الأمريكية في العراق.
وفي المرتبة الثانية، جاءت قيادة عمليات الأنبار بـ 21 قتيلًا في منطقة الحبانية. أما الفصائل الأخرى، فقد سجلت خسائر متفاوتة، حيث تكبد اللواء 19 التابع لأنصار الله الأوفياء خسائر بلغت 10 قتلى في عكاشات بالأنبار، فيما فقد اللواء 18 التابع لسرايا طليعة الخراساني 8 قتلى في القائم.
وفي المستوى المتوسط من الخسائر، خسر اللواء 40 من كتائب الإمام علي واللواء 41 من عصائب أهل الحق 4 قتلى لكل منهما، في حين تكبد اللواء 16 التابع لمنظمة بدر/قوة التركمان واللواء 17 من سرايا الجهاد 3 قتلى لكل فصيل. كما ظهرت خسائر محدودة لفصائل أخرى، مثل قوات وعد الله (اللواء 33)، ورساليون (اللواء 31)، ولواء سهل نينوى (اللواء 30)، حيث سُجل قتيل واحد لكل منها.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام