مع تصاعد التوترات بين أمريكا وإيران للمستوى العسكري، شهدت الساحة العراقية انعكاسًا مباشرًا لهذه التطورات؛ فمع أوائلعام 2026، بدأت سلسلة هجمات استهدفت قواعد أمريكية في العراق باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، نُسب جزء منها إلى فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران. وردّت الولايات المتحدة بسلسلة ضربات جوية دقيقة استهدفت مواقع تابعة للهيئة الحشد الشعبي داخل الأراضي العراقية.

والفصائل هي مجاميع مسلحة ترفع شعار المقاومة ضد القوات الأمريكية، وتعلن ولائها لدولة إيران وحكومتها والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، تأسس بعضها بين أعوام 2003 - 2008 وهي الهيكل الأساسي لكل الفصائل اللاحقة؛ إذ غالباً ما تنبثق من هذه الفصائل فصائل بمسميات مختلفة تؤدي دور معين ثم تختفي. 

كيف تشكل هذه الفصائل؟ 

بدأت ملامح الفصائل المسلحة في العراق بالتشكل بعد احتلال العراق عام 2003، حيث نشأت مجموعات مسلحة ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بقيادات سياسية أو دينية. وارتفع نشاط هذه الفصائل بشكل ملحوظ عقب حل الجيش العراقي عام 2004، ثم بدأت تتبلور وتنظم صفوفها بصورة أوضح خلال السنوات بين 2006 و2008. 

استمرت الفصائل في التوسع وتعزيز قدراتها العسكرية، حتى أصبحت لاحقًا معضلة أمنية ذات بعد دولي، ما دفع الولايات المتحدة إلى الضغط على الحكومة العراقية، معتبرة إياها مليشيات خارجة عن القانون، وداعية إلى حلها ودمجها ضمن القوات الأمنية الرسمية، خاصة بعد تشكيل الجيش الجديد والشرطة الاتحادية.

وفي عام 2014، بدأت الحقبة الرسمية لتلك الفصائل، ومع اجتياح تنظيم داعش لثلث مساحة العراق، وبالتزامن مع انسحاب الجيش العراقي من بعض مناطق المواجهة بأوامر من قائد القوات المسلحة آنذاك، نوري المالكي، صدرت فتوى المرجع الديني علي السيستاني الداعية إلى الجهاد الكفائي، والتي شكّلت الأساس لتأسيس الحشد الشعبي الذي انضوت تحته الفصائل المسلحة.

انطلقت هذه التشكيلات في بدايتها كحشد من المتطوعين للقتال ضد تنظيم داعش، ثم تطورت خلال عامين لتتحول إلى ألوية منظمة من الفصائل المسلحة ضمن هيئة الحشد الشعبي، قبل أن يُشرَّع قانون الحشد الشعبي من قبل البرلمان العراقي، ليصبح قوة رسمية تتبع القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) بشكل مباشر.

وفي عام 2020، وبعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، في ضربة أمريكية استهدفت مطار بغداد، بدأت بعض الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي بتشكيل أجنحة وكتائب تحت مسمى "المقاومة"، معلنة استهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة.

وفي السياق ذاته، اعتبرت واشنطن، بما في ذلك إدارة البيت الأبيض، أن هذه الفصائل المسلحة ليست كيانات منفصلة، بل جزء لا يتجزأ من ألوية الحشد الشعبي، وترتبط بقياداته. وهو ما دفعها إلى تحميل الحشد الشعبي والحكومة العراقية مسؤولية الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، وبالتالي توسيع نطاق الاستهداف ليشمل ألوية الحشد الشعبي بوصفها أهدافًا عسكرية محتملة.

أبرز الفصائل المشاركة في الصراع الإيراني الأمريكي 

أعلنت الفصائل منذ سنوات عداءها المباشر للقوات الأمريكية ومصالحها، وبدأت باستهداف القواعد الأمريكية والسفارة الأمريكية في بغداد. وقد اعتمدت بشكل أساسي على الطائرات المسيّرة، إلى جانب منصات إطلاق الصواريخ والصواريخ وبعض الأسلحة المتوسطة الأخرى في تنفيذ هجماتها ضد القواعد العسكرية الأمريكية.

وخلال صراعها مع المصالح الأمريكية، ركزت بشكل كبير على قاعدة عين الأسد في الأنبار، وقاعدة بلد الجوية في صلاح الدين، وقاعدة حرير في أربيل، وقاعدة فكتوريا في بغداد، إضافة إلى السفارة الأمريكية في بغداد. وقد شكّلت هذه المواقع الأهداف الرئيسية في المراحل الأولى، قبل تصاعد التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة، لتتجه الفصائل لاحقًا إلى تصعيد عملياتها وتوسيع نطاق الاستهدافات، بحيث شملت أهدافًا داخل العراق وخارجه، بما في ذلك دول الجوار: الكويت، والسعودية، والأردن، وسوريا، فضلًا عن البحرين.

من بين هذه التشكيلات ما يُعرف باسم "فصائل المقاومة الإسلامية في العراق" و" كتائب أصحاب الكهف"، و"سرايا أولياء الدم"، وجيش الغضب، ورجال البأس الشديد.

1- فصائل المقاومة الأسلامية في العراق: ظهرت تسمية المقاومة الإسلامية في العراق لأول مرة، في بداية تشرين الأول/أكتوبر 2023، عقب أيام من انطلاق عملية طوفان الأقصى التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، حيث نفذت أول عمليتها باستخدام طائرة مسيرة استهدف قاعدة حرير في أربيل واعلنت عنها عبر بيان حمل اسم المقاومة الإسلامية في العراق. 

اسم "المقاومة الإسلامية في العراق" ليس كيانًا بل راية  تضم تحت لوائها العديد من الفصائل والكتائب والمجاميع المسلحة التي تتشارك التبعية والولاء؛ حيث تتبع فقهيًا لولاية الفقيه في إيران وتتبنى سردية محور المقاومة بقيادة الحرس الثوري الإيراني. 

ومع دخول الصراع الإيراني الأمريكي جانبه العسكري، زجت ما يسمى المقاومة الإسلامية في العراق نسفها في الصراع لتشارك بـ 681 عملية تخللها أكثر من 1000 استهداف، وكان نطاق الاستهداف لدى فصائل المقاومة الإسلامية أربيل ودهوك والسليمانية  والأنبار والبصرة والديوانية وذي قار وصلاح الدين وبغداد فضلا عن دول الجوار سوريا والاردن والسعودية والكويت

من هم فصائل المقاومة الإسلامية في العراق: نشر كتائب حزب الله بتاريخ 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بيانا لأمينها العام أبو حسين الحميداوي، ذكر فيه 4 تشكيلات قاتلت تحت لواء المقاومة الإسلامية في العراق وهم: 

1- 1 حزب الله العراقي: تأسس عام 2007 على يد أبو مهدي المهندس، في محافظة ميسان بعد اتحاد عدة فصائل مسلحة، انضمت الكتائب في 2014 لفصائل الحشد الشعبي وأصبح جزءا من القوات الرسمية رغم تصنيفها 2009 من قبل واشنطن كمنظمة إرهابية. 

يرأسها الآن  أبو حسين الحميداوي، ولديها عدة الوية ضمن الحشد الشعبي ومن أهمها لواء 45 - 46 - 47، ويشمل نطاق انتشارها محافظة الأنبار  وجرف الصخر في محافظة بابل فضلا عن بعض المناطق الصحراوية على حدود الأنبار. 

على الجانب السياسي، خاض حزب الله العراقي، الانتخابات البرلمانية لعام 2025، عبر حركة حقوق بقيادة حسين مؤنس؛ حيث نالت 225،610 صوت وفاز بـ 6 مقاعد في مجلس النواب. 

2- 1 حركة النجباء: تأسست عام 2013 بقيادة أكرم الكعبي، وهو قيادي بارز في جيش المهدي قبل أن ينشق عام 2005 عن التيار لينظم لعصائب اهل الحق في 2006 ثم عاود الانفصال ليشكل حركة النجباء، من اتحاد 3 ألوية وهي لواء عمار بن ياسر  ولواء الإمام الحسن المجتبى ولواء الحمد، وفي 2008 ادرج وزارة الخزانة الأمريكية اسم اكرم الكعبي على قائمة الإرهابيين ثم أدرجت حركة النجباء في 2019 ضمن قوائم المنظمات الإرهابية 

تمتلك حركة النجباء اللواء 12 في هيئة الحشد الشعبي، يأتمر اللواء بأمرة ابو فهد جبار زيارة السويعدي، ويشمل نطاق انتشار الحركة بغداد منطقة الطارمية ومنطقة الهورة، كما أنها لا تمتلك ذراعًا سياسية. 

3- 1 حركة أنصار الله الأوفياء: هي حركة انشق بعض قادتها عن التيار الصدري بينما طرد أحد قادتها البارزين وهو عبدالزهرة السويعدي من التيار بتهمة الفساد واستغلال اسم زعيم التيار مقتدى الصدر وفق وثيقة صادرة عن التيار عام 2019. 

 تأسست الحركة عام 2014 على يد حيدر  إبراهيم  الغراوي، كجزء من فصائل الحشد الشعبي، وشكلت اللواء 19 وانتشرت منتسبيها في مناطق الانبار، صحراء الانبار، وادي حوران، قرية دحام الحرج وغربي عكاشات، وفي 2024 أدرج وزارة الخزانة الأمريكية الحركة على لائحة الأرهاب بعد أن تبت عدة استهدافات ضد القوات الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في سوريا. 

دخلت حركة أنصار الله الأوفياء الجانب السياسي عبر  حركة الأوفياء بقيادة حيدر الغراوي، حصدت 26،262 صوت و3 مقاعد في مجلس النواب.

4- 1 كتائب سيد الشهداء: تنظيم منبثق من كتائب حزب الله العراقي، يعلن أن أهدافه حماية المقدسات الشيعية في سوريا والعراق، ومحاربة تنظيم داعش، تأسس عام 2013 بقيادة أبو ألاء الولائي  وانضم عام 2014 للحشد الشعبي، شكل اللواء 14 الذي يقوده، أحمد الموسوي، ثم صنفت كمنظمة إرهابية عام 2023 من قبل وزارة الخزانة الأمريكية. 

انخرطت الكتائب في صراع علني ضد القوات الأمريكية عام 2021؛ حيث أعلنت بتاريخ 25 تشرين الثاني/نوفمبر التحضير لمعركة "كبيرة" ضد القوات الأمريكية في العراق. بينما أكد، أبو آلاء في تغريدة بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر  أن المقاومة الإسلامية "كتائب سيد الشهداء" فتحت باب الانتماء والتطوع لصفوفها لرفع مستوى الجاهزية تحضيرًا للمواجهة الحاسمة والتاريخية مع الاحتلال الأمريكي. 

 

على الصعيد السياسي، خاضت سيد الشهداء الانتخابات حركة المنتصرون بقيادة أبو ألاء الولائي، ونالت 56،578 صوت مكنها من الفوز بـ 7 مقاعد في مجلس النواب العراقي.

2- كتائب أصحاب الكهف: تأسست بين 2020 - 2019، ظهرت بشكل علني بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس،  في بغداد بضربة أمريكية، تبنت خلال السنوات الماضية العديد من الهجمات ضد القوات الأمريكية. 

في الصراع الإيراني الأمريكي الحالي، شاركت كتائب أصحاب الكهف في استهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة؛ حيث نفذت 21 عملية استهداف شملت أربيل ودهوك وبغداد في داخل العراق ومن دول الجوار استهدفت الكويت بينما تبنت عدة استهدافات لدولة البحرين. 

3- سرايا أولياء الدم: تأسست بداية عام 2020، من أول عملياتها المنظمة استهداف موكب من الشاحنات العراقية التي يعتقد أنها كانت تحمل بضائع أمريكية، وبعد شهر تبنت هجوم آخر على موكب أمريكي عبر بيان يحمل شعار التنظيم. 

ساهمت سرايا أولياء الدم في التوتر العسكري الأخير بين إيران وأمريكا، بـ 173 عملية استهداف، وشمل نطاق الاستهدافات أربيل ودهوك والسليمانية وبغداد في داخل العراق فضلا عن دول الجوار الكويت والأردن والسعودية وسوريا. 

4- رجال البأس الشديد: ظهرت بشكل فعال في خلال الصراع الإيراني الأمريكي الأخير؛ حيث ساهمت بـ 19 عملية استهداف، شمل نطاق أربيل وبغداد من داخل العراق، وخارج العراق استهدفت دول الجوار الأردن والسعودية وسوريا.  

5- رجال الغضب: تأسس عام 2014 على يد رزاق الجابري، المنشق عن الحركة اليمانية، وساهم جيش الغضب باستهداف المصالح الأمريكية خلال التوتر العسكري الأخير بعمليتي استهداف احدهما استهدفت مواقع في محافظة أربيل وأخرى في دولة الكويت المجاورة.

 انخراط الفصائل العراقية في الصراع الإيراني الأمريكي 

شهد يوم 28 شباط/فبراير بداية التصعيد الواسع داخل العراق، حيث نفذت المقاومة الإسلامية في العراق ما لا يقل عن 16 عملية ضد القواعد الأمريكية، بالتزامن مع تنفيذ سرايا أولياء الدم ورجال البأس الشديد هجمات بالطائرات المسيّرة في أربيل والأردن. كما دخل الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر عبر سلسلة ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة ضمن عملية "الوعد الصادق 4"، مستهدفًا أربيل والبصرة وذي قار.

ومثّل شهر شباط/فبراير بداية الانفجار العسكري المنظم داخل العراق، وسحبه إلى داخل الصراع الأمريكي الإيراني، مما جعل أراضيه هدفًا للضربات الأمريكية والإسرائيلية. ثم شهد شهر آذار/مارس مرحلة الذروة، إثر تكثيف الفصائل عملياتها ضد المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، حيث نفذت المقاومة الإسلامية في العراق العدد الأكبر من العمليات، مع إعلانات يومية تراوحت بين عملية واحدة و40 عملية، ليُقدّر مجموعها خلال الشهر بـ 522 عملية بين صواريخ وطائرات مسيّرة.

وكثّفت سرايا أولياء الدم نشاطها بهجمات متكررة ومركزة، يُقدّر مجموعها بـ 140 استهدافًا، بينما نفذ رجال البأس الشديد 18 استهدافًا معلنًا. أما أصحاب الكهف فسجلوا حضورهم بـ 16 عملية، في حين بلغت العمليات غير المتبناة من قبل فصيل معين، والتي صُنّف فيها الفاعل بـ "غير محدد"، 55 عملية.

إن انخراط الفصائل العراقية في الصراع الإقليمي وضع الحكومة العراقية في فجوة دبلوماسية وسياسية أمام دول الجوار التي تعرضت أراضيها لضربات متكررة تبنتها تلك الفصائل، والتي بدورها قدمت اعتراضات سياسية إلى الحكومة العراقية وطالبت بوقف هذه الانتهاكات العسكرية. في المقابل، اعتبرت واشنطن استهدافات الفصائل مبررًا لضرب ألوية الحشد الشعبي، التي يُعتقد أن تلك الفصائل ترتبط بها بشكل غير مباشر.

ومع بداية نيسان/أبريل، استمر التصعيد، لكن مع تحول واضح نحو استهداف البنية الاقتصادية، خصوصًا المنشآت النفطية في البصرة وميسان، إضافة إلى القواعد الأمريكية في أربيل وبغداد. إذ نفذت المقاومة الإسلامية في العراق 143 عملية خلال الأيام الأولى من الشهر، بينما استمرت سرايا أولياء الدم بحوالي 32 هجومًا، وأصحاب الكهف بنحو 5 استهدافات، إضافة إلى هجمات متفرقة لفصائل أخرى بلغت 26 استهدافًا. ثم بدأت العمليات بالانخفاض التدريجي نظرًا للهدنة ومحادثات السلام بين طهران وواشنطن.

استهدافات الفصائل تتجاوز  حدود  العراق

مع نهاية شباط/فبراير 2026، بدأ التصعيد يأخذ طابعًا إقليميًا واضحًا، حيث شهد يوم 28 شباط/فبراير انطلاق أولى الهجمات العابرة للحدود، عندما استهدف فصيل رجال البأس الشديد قاعدة موفق السلطي الأمريكية في الأردن باستخدام الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع إعلان المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ 16 عملية ضد قواعد أمريكية داخل العراق والمنطقة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الاستهداف الخارجي جزءًا ثابتًا من نمط العمليات اليومية للفصائل.

خلال الأيام الأولى من آذار/مارس، وتحديدًا بين 1 و7 آذار تكررت الهجمات على قاعدة موفق السلطي في الأردن بشكل شبه يومي، عبر طائرات مسيّرة نفذها فصيل رجال البأس الشديد، إلى جانب دخول سرايا أولياء الدم على خط الاستهداف في 4 و6 آذار عبر هجمات مماثلة، وفي 6 آذار ، توسعت خارطة الاستهداف لتشمل السعودية عبر ضرب قاعدة الأمير سلطان الأمريكية، وكذلك سوريا من خلال استهداف قاعدة الرميلان، ما يشير إلى انتقال العمليات من التركيز على الأردن إلى نطاق إقليمي أوسع.

ابتداءً من 9 آذار، دخلت فصائل أخرى مثل أصحاب الكهف ساحة العمليات الخارجية، عبر استهداف المصالح الأمريكية في الكويت بطائرات مسيّرة، في حين استمرت الهجمات على السعودية والأردن بوتيرة متصاعدة، وبلغ التصعيد ذروته في 11 مارس، حيث نفذت سرايا أولياء الدم سلسلة عمليات واسعة شملت الأردن (7 هجمات)، والسعودية (7 هجمات)، والكويت (4 هجمات)، وسوريا (9 هجمات)، باستخدام مزيج من الطائرات المسيّرة والصواريخ.

خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 18 آذار، استمرت الهجمات بوتيرة مرتفعة، مع تركيز على الأردن والكويت والبحرين، حيث أعلنت أصحاب الكهف تنفيذ هجمات على المصالح الأمريكية في الكويت والبحرين، بينما واصلت سرايا أولياء الدم استهداف مواقع أمريكية في الأردن. كما شهدت هذه المرحلة استمرار الضربات داخل سوريا، خاصة في مناطق الحسكة التي تضم قواعد أمريكية.

في النصف الثاني من الشهر، وتحديدًا بين 24 و31 آذار، اتسعت رقعة العمليات لتشمل ضربات صاروخية من الأراضي العراقية باتجاه سوريا (الحسكة)، إلى جانب تكرار استهداف الأردن (قاعدة موفق السلطي) والسعودية (منطقة الخرج وقاعدة الأمير سلطان). كما شهدت هذه الفترة دخول فصيل جيش الغضب على خط العمليات عبر استهداف الكويت، إضافة إلى استمرار نشاط أصحاب الكهف في الأردن والبحرين، وفي 31 آذار، سُجلت هجمات متزامنة على الأردن والسعودية وسوريا.

مع بداية نيسان/أبريل، لم يتراجع التصعيد بل اتخذ طابعًا أكثر تنوعًا، حيث شهد يوم 1  نيسان استهداف مفاعل براكة النووي في الإمارات من قبل لواء الوعد الحق، إلى جانب استهداف مطار الكويت الدولي (خزانات الوقود)، وهجمات على البحرين. كما استمرت العمليات ضد القواعد الأمريكية في المنطقة بشكل يومي تقريبًا، مع تكرار استهداف الكويت والبحرين والأردن.

خلال الأيام اللاحقة من 2 إلى 8  نيسان، حافظت الفصائل على وتيرة عملياتها، حيث واصلت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ عشرات العمليات اليومية ضد القواعد الأمريكية في العراق والمنطقة، بالتزامن مع استمرار سرايا أولياء الدم في تنفيذ هجمات متعددة خلال فترات قصيرة، وصلت إلى 14 استهدافًا خلال 48 ساعة. كما استمرت أصحاب الكهف في تبني هجمات على الكويت ومصالح أمريكية في المنطقة.

في المحصلة، تُظهر هذه البيانات أن الاستهدافات لم تقتصر على العراق، بل امتدت لتشمل الأردن، السعودية، سوريا، الكويت، البحرين، والإمارات، مع تركيز خاص على القواعد العسكرية الأمريكية مثل قاعدة موفق السلطي في الأردن، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، وقاعدة الرميلان في سوريا، إضافة إلى أهداف استراتيجية مثل مفاعل براكة ومطار الكويت، ما يعني تحول العراق إلى منصة انطلاق لعمليات إقليمية ضمن سياق الصراع الأمريكي–الإيراني، الأمر الذي يضع الساسة العراقيين أمام أزمة دبلوماسية تنعكس بشكل مباشر على علاقات العراق مع محيطة. 

لماذا استهدفت أمريكا الحشد الشعبي؟ 

تؤكد واشنطن أن قيادات الحشد الشعبي وفصائله هم من يقودون عمليات الاستهداف على مصالحها في العراق والمنطقة (السعودية - الكويت - الأردن - سوريا)، وذلك بناءا على معلومات استخبارية فضلا عن اعلانات قادة تلك الفصائل مثل تغريدة أبو ألاء الولائي التي دعت للتجهيز لما اسماه "المواجهة الكبرى" ضد القوات الأمريكية فضلا عن إعلان حزب الله العراقي عن قتاله الأمريكات تحت جناح المقاومة الإسلامية في العراق وذكره للفصائل الأخرى.

اختارت القوات الأمريكية بناءا على هذه المعلومات، الرد على استهدافات الفصائل العراقية عبر قصف مقرات وألوية هيئة الحشد الشعبي، وقد نُفذت هذه العمليات عبر 145 عملية، تراوح عدد الضربات في كل عملية بين 3 و4 ضربات، توزعت على عدد كبير من الألوية والتشكيلات في مختلف المحافظات.

وتُظهر البيانات التي رصدها فريق صحافة البيانات في شبكة الساعة تصدّر اللواء 45 في الحشد الشعبي، التابع لكتائب حزب الله، قائمة الألوية الأكثر تعرضًا للاستهداف بـ 19 عملية، توزعت بين الأنبار وبابل وبغداد.

تلاه اللواء 40 التابع لكتائب الإمام علي بـ 8 عمليات في كركوك ونينوى، ثم اللواء 30 التابع لقوات حشد الشبك بـ 8 عمليات في نينوى. كما سُجلت 6 عمليات ضد اللواء 14 التابع لكتائب سيد الشهداء، و5 عمليات لكل من اللواء 41 التابع لعصائب أهل الحق واللواء 31 التابع لكتائب رساليون.

واستمرت الضربات الأمريكية ضمن هذا السياق، حيث تعرض اللواء 52 التابع لمنظمة بدر/قوات أمرلي إلى 5 عمليات في صلاح الدين. كما شملت الاستهدافات اللواء 13 التابع للواء الطفوف بـ 4 عمليات في الأنبار، واللواء 18 التابع لسرايا طليعة الخراساني بـ 4 عمليات في المحافظة نفسها.

وفي نينوى، تعرض اللواء 50 التابع لكتائب بابليون إلى 3 عمليات، بينما طالت الضربات الأمريكية اللواء 16 التابع لمنظمة بدر/قوة التركمان في كركوك. كما استهدف الطيران الأمريكي ألوية أخرى بأعداد أقل، مثل اللواء 12 (حزب الله النجباء)، واللواء 19 (أنصار الله الأوفياء)، واللواء 17 (سرايا الجهاد)، واللواء 63 (قوة التركمان)، واللواء 15 (قوات الشهيد الصدر).

إضافة إلى ذلك، شملت الاستهدافات المحدودة الحشد العشائري (اللواءان 65 و58)، وحشد شهداء حديثة (اللواء 57)، ولواء الحسين (اللواء 53)، ولواء صلاح الدين (اللواء 51)، وجند الإمام (اللواء 6)، وألوية وعد الله (اللواء 33).

كما سُجلت عدة ضربات غير محددة الجهة، توزعت على محافظات بغداد والنجف ونينوى وبابل والبصرة والأنبار، ما يشير إلى أن جزءًا من العمليات لم تُحدد فيه الفصائل المستهدفة بدقة. 

توزيع الضربات الأمريكية على المحافظات

على صعيد المحافظات، تركزت الضربات الأمريكية ضد الحشد الشعبي بشكل رئيسي في محافظة نينوى، حيث سُجلت 72 ضربة أمريكية، راح ضحيتها 30 منتسبًا وأُصيب 113 منتسب من ألوية الحشد الشعبي. تلتها الأنبار بـ 26 ضربة، قُتل فيها 35 وأصيب 70 منتسبًا، ثم محافظة صلاح الدين بـ 16 ضربة، قُتل فيها 5 منتسبين وأُصيب 29 آخرون.

وجاءت بعدها كركوك بـ 13 ضربة، قُتل فيها 5 من منتسبي الحشد الشعبي وأُصيب 32 آخرون، تلتها بغداد بـ 12 ضربة، أسفرت عن 4 قتلى و16 جريحًا، وبشكل أقل، استهدفت الضربات الأمريكية محافظة ديالى بـ 3 ضربات أسفرت عن جريح واحد، وواسط بـ ضربة واحدة أسفرت عن جريح واحد، وبابل بـ ضربتين نتج عنهما جريحان، فضلًا عن استهدافات في البصرة والنجف.

كما طالت العمليات الأمريكية قيادات بارزة في الحشد الشعبي، من أبرزهم رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، عبر استهداف منزله في نينوى بضربة أمريكية. كما قتلت القوات الأمريكية قائد الحشد في الأنبار، والناطق باسم كتائب حزب الله أبو علي العسكري في بغداد، ما يعكس انتشارًا واسع النطاق للعمليات الأمريكية–الإسرائيلية ضد الحشد وقياداته في عموم العراق.

التبعية السياسية لفصائل الحشد المستهدفة

شكلت التبعية السياسية للفصائل شاركت باستهدافات القوات الأمريكية  داخل العراق فضلا عن قصف دول الجوار مثل السعودية والكويت والأردن وسوريا إضافة إلى البحرين، أزمة سياسية ودبلوماسية بين العراق وتلك الدول حيث قدمت دول الخليج وسوريا والأردن مذكرات احتجاج واستدعت السفراء العراقيين على أراضيها للمطالبة بوقف انتهاك أراضي دولهم  وسيادتهم، ما وضع العراق داخل أزمة سياسية قد تعقد علاقاته الإقليمية والدولية. 

وداخل هذه الأزمة الدبلوماسية، تعرض أكثر من 20 فصيلاً عسكرياً ضمت ما يزيد على 40 لواءً، ضمن هيئة الحشد الشعبي لضربات أمريكية منظمة استهدفت البنية العسكرية والقيادية لهذه الفصائل؛ ما انعكس على العلاقات السياسية؛ إذ يقود هذه الفصائل شخصيات تمتلك نفوذاً انتخابياً واضحاً عبر تمثيلها السياسي البالغ نحو 78 مقعداً برلمانياً، بإجمالي أصوات يصل إلى 1,916,000 صوت

تتصدر الفصائل الكبرى من حيث الحجم والتأثير منظمة بدر بقيادة هادي العامري، والتي تضم ألوية متعددة هي (27، 16، 52، 24، 53) موزعة في الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى، وتمتلك ثقلاً سياسياً كبيراً بلغ 535,592 صوتاً و17 مقعداً. كما برزت عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي عبر لوائيها (41 و42) المنتشرين في صلاح الدين وديالى وواسط، مع نفوذ انتخابي الأعلى بين الفصائل وصل إلى 674,031 صوتاً و27 مقعداً.

أما كتائب حزب الله، التي يقود واجهتها السياسية حسين مؤنس، فقد شمل الاستهداف ألوية (45 و47) المنتشرة في الأنبار وبابل وبغداد، وتمتلك حضوراً سياسياً بـ 225,610 أصوات و6 مقاعد. في حين تقود كتائب الإمام علي شخصية شبل الزيدي عبر اللواء 40 في كركوك ونينوى، بتمثيل سياسي بلغ 181,939 صوتاً و5 مقاعد. كما تظهر كتائب سيد الشهداء بقيادة أبو آلاء الولائي من خلال اللواء 14 في نينوى، بتمثيل 56,578 صوتاً و7 مقاعد.

في الفصائل متوسطة الحجم، تبرز سرايا طليعة الخراساني بقيادة علي الياسري عبر اللواء 18 في الأنبار، وسرايا الجهاد بقيادة حسن الساري عبر اللواء 17، إضافة إلى أنصار الله الأوفياء بقيادة حيدر الغراوي عبر اللواء 19 في الأنبار. كما يظهر جند الإمام بقيادة أحمد الأسدي عبر اللواء 6 في صلاح الدين، مع تمثيل سياسي بلغ 65,303 صوتاً و6 مقاعد. في حين تعمل كتائب رساليون بقيادة عدنان الشحماني عبر اللواء 31 ضمن إطار سياسي مرتبط بحزب الدعوة.

أما الفصائل ذات الطابع المكوناتي، فتشمل قوات الشبك بقيادة وعد قدو عبر اللواءين (30 و34) في نينوى، بتمثيل محدود (10,501 صوت ومقعد واحد)، وكتائب بابليون بقيادة ريان الكلداني عبر اللواء 50 في نينوى (68,544 صوتاً و3 مقاعد). كما تبرز قوات درع التركمان بقيادة أرشد الصالحي في كركوك (64,196 صوتاً ومقعدين)، إلى جانب قوة التركمان (اللواء 63) دون تمثيل سياسي واضح.

في المقابل، تضم الفصائل غير المرتبطة بتمثيل سياسي مباشر تشكيلات مثل حزب الله النجباء بقيادة أكرم الكعبي عبر اللواء 12 في بغداد، وألوية وعد الله المرتبطة بالمرجع محمد اليعقوبي عبر اللواء 33 في نينوى، ولواء الطفوف (اللواء 13) المرتبط بالعتبة الحسينية في الأنبار. كما تشمل قوات الشهيد الصدر (اللواءان 25 و15) المرتبطة بـ نوري المالكي، إضافة إلى لواء صلاح الدين (اللواء 51) المرتبط بـ مشعان الجبوري.

وتظهر أيضاً تشكيلات عشائرية مثل الحشد العشائري الذي يضم الألوية (58، 65، 61، 57) في نينوى وكركوك والأنبار، والتي لا تمتلك تمثيلاً سياسياً مستقلاً، لكنها ترتبط اجتماعياً وسياسياً بقيادات محلية، وغالباً ما يتجه ثقلها الانتخابي نحو شخصيات مثل رئيس هيئة الحشد الشعبي.

كما طالت الضربات تشكيلات قيادية مثل قيادة عمليات الأنبار، إضافة إلى مقر قيادة عمليات الشمال وشرق دجلة (اللواءان 67 و16) في كركوك، ما يدل على أن الاستهداف شمل مراكز القيادة والسيطرة وليس فقط الوحدات القتالية.

جغرافياً، تنتشر هذه الألوية في نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى وبغداد، مع امتدادات أقل في واسط والبصرة والنجف، كما سُجلت عمليات ضمن فئة "غير محدد" في عدة محافظات، وهي ضربات لم تُحدد فيها الفصائل المستهدفة بدقة.

في المحصلة، تعكس هذه المعطيات أن الضربات الأمريكية استهدفت منظومة متكاملة تضم ألوية متعددة يقودها قادة ذوو نفوذ سياسي وعسكري، في محاولة للتأثير على الهيكل القيادي والتنظيمي للحشد الشعبي ككل، وليس فقط على فصيل بعينه.