مشاهد مروعة وصور مؤلمة تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعراقيين انخرطوا في صفوف الجيش الروسي بعضهم قتل والبعض الآخر يواجهون الموت من كل جانب، بعد أن أقحموا بقصد أو غير قصد في الحرب الروسية الأوكرانية.
خلال الأسبوع الأخير من عام 2025، انتشرت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أخبارا ومعلومات عن مشاركة متطوعين عراقيين في الجيش الروسي، إلى جانب مناشدات من مقاتلين عراقيين للسلطات العراقية بالعمل على انقاذهم من الحرب التي زجوا فيها ويواجهون خلالها الموت المحتوم، ليتضح فيما بعد وجود شبكات ووسطاء عراقيين أغروا الشبان الذين ينحدرون في معظمهم من مناطق جنوب العراق، برواتب مغرية.
شبكة "الساعة" ومن خلال هذا التقرير تسلط الضوء على كيفية تجنيد الشباب العراقيين في صفوف الجيش الروسي، وما إذا كان التجنيد يتم بإرادة ورغبة هؤلاء الشباب أم بطريقة مغرر بها، أو عبر التلاعب والتحايل، كما يناول تعامل السلطات العراقية مع الموضوع وعدد العراقيين المشاركين في القتال على الجبهة الروسية – الأوكرانية.
تحرك رسمي متأخر
لم تك مشاركة عراقيين في القتال ضمن الجيش الروسي جديدة، فخلال العامين الماضيين، أكدت شهادات لعراقيين وجود عمليات تجنيد ضمن القوات الروسية لكن السلطات العراقية لم تتحرك طيلة الفترة السابقة لمعالجة هذه المعلومات ووقف تحول الشباب العراقيين إلى وقود للحرب والصراع في أوروبا.
ومؤخرا أعلنت السلطات العراقية عن تحركات لمواجهة ظاهرة تجنيد آلاف العراقيين في القتال لصالح الجيش الروسي في الحرب مع أوكرانيا بعدما اتجهت إلى تشكيل لجنة لمتابعة المتورطين بالمشاركة في الحرب واسترجاعهم بعدما وصلوا إلى روسيا بطرق مختلفة وعبر وسطاء عراقيين.
وأكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي تشكيل لجنة حكومية لمتابعة ملف العراقيين في الحرب الروسية الأوكرانية، كاشفا عن وجود مئات العراقيين المنخرطين في الجيش الروسي، فيما أشار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق جميع المتورطين في عملية تجنيد العراقيين.
بالتزامن مع ذلك، حذر رئيس مجلس القضاء فائق زيدان الأشخاص الذين ينضمون إلى صفوف جيوش الدول الأخرى دون إذن، معتبراً أن عقوبتهم السجن لأن قانون العقوبات العراقي يُعاقب كل من ينضم إلى القوات المسلحة لدولة أخرى دون موافقة الحكومة، بالسجن.
وقبل أيام، قضت محكمة جنايات النجف بالسجن المؤبد عن جريمة الاتجار بالبشر بحق مواطن عراقي أدين بالانتماء إلى عصابة إجرامية دولية تقوم بتجنيد مواطنين عراقيين للقتال مع روسيا في حربها ضد أوكرانيا.
كيف يتم التجنيد؟
أفاد الناشط العراقي مصطفى اليساري المعروف عبر مواقع التواصل الاجتماعي باسم (أبو أسد اليساري) والمختص بمتابعة ملف تجنيد العراقيين للقتال إلى جانب الجيش الروسي، بمعلومات عن طريقة تجنيد الشباب العراقيين في الحرب، وقال اليساري في حديث لشبكة "الساعة": إن "هناك شبكات محلية إلى جانب شبكات دولية تتولى عملية تجنيد ونقل وتوريط الشباب العراقيين للقتال".
وأوضح أن "هذه الشبكات تقسم إلى 3 شبكات، الأولى تتولى عملية الترويج للتطوع في صفوف الجيش الروسي، وتقوم بعرض المغريات المادية كالراتب الشهري العالي، والحصول على شقة سكنية إلى جانب الحصول على الجنسية الروسية، فيما تتولى الشبكات الثانية عملية اللقاء مع الشباب وتقديم طلبات الدخول إلى روسيا وإصدار الفيز لهم بالتعاون مع الشبكات المتواجدة في روسيا، وهي الثالثة التي تتولى عملية استقبال العراقيين في موسكو ومن ثم توقيع العقود معهم للتطويع ضمن الجيش الروسي تمهيدا لنقلهم إلى ساحة القتال".
وأشار اليساري إلى "قيام أشخاص روس يعملون في العراق أيضا بإدارة عمليات التجنيد، من خلال التواصل مع شبكات التجنيد المحلية، وتسهيل عمليات إصدار الفيز والدخول إلى روسيا"، لافتا إلى أن "الناشطين في مكافحة موضوع التجنيد كشفوا عن هوية أحد الأجانب الذين يتعاملون مع شبكات التجنيد وهي امرأة روسية اسمها تريزا عثمانوف وتقيم في أربيل وتمتلك صالون لتجميل السيدات".
وأكد الناشط العراقي أن "المعلومات التي يتم الحصول عليها بخصوص شبكات التجنيد يتم نقلها للقوات الأمنية التي بدورها تتعامل بجدية مع الموضوع للحد من زج الشباب العراقيين في طاحونة الموت التي تجري بين الجيشين الروسي والأوكراني"، لافتا إلى أن "بعض العراقيين تواجد في القتال ضمن صفوف الجيش الأوكراني ولكن بأعداد قليلة وذلك لأن الجيش الأوكراني لا يمتلك وكالات استقدام للمقاتلين الأجانب كما الجيش الروسي، وهو ما دفع الكثير من الشباب إلى الانخراط في الجيش الروسي، فيما نوه إلى أن التجنيد لا يقتصر على العراقيين، حيث أن الجيش الروسي يعتمد على المتطوعين من بلدان عدة كالعراق واليمن ومصر وسوريا وبلدان أخرى".
وأضاف: أن "الجيش الروسي يعمد على وضع المقاتلين الأجانب ومنهم العراقيين أمام قوات الصد الروسية، أي في مواجهة خطر الموت المباشر، وهو ما يجعل فرص مقتلهم أكثر من 99%".
متنفذون عراقيون متورطون
بحسب شهادات لأحد العراقيين الذين انخرطوا في الجيش الروسي وخلال لقاء أجرته معه قناة الرشيد فإن شبكات التجنيد التي ورطته بالانضمام في الحرب مرتبطة ببعض السياسيين العراقيين، أبرزهم النائب مصطفى سند.
لكن هذه المعلومات غير مؤكدة، رغم تداول بعض الحسابات على منصات التواصل ذات المعلومات والتي تشير بريبة إلى زيارات سند إلى العاصمة الروسية موسكو.
كما أثار مقطع منشور للقيادي في كتائب الإمام علي الملقب أبو عزرائيل وهو يمتدح الجيش الروسي والرئيس فلادمير بوتين في مواجهة الظلم والطغيان الامريكي، العديد من علامات الاستفهام عن احتمالية تورط بعض الجهات المسلحة في تجنيد الشباب العراقي في القتال إلى جانب الجيش الروسي، لا سيما وأن تلك الفصائل تؤمن بشعارات العداء مع الولايات المتحدة والتي طالما تحدثت بها الجمهورية الإيرانية التي تعتبر الأب الروحي لتلك الفصائل العراقية.
كما أن الحسابات القريبة من الفصائل الولائية، عمدت منذ بداية الحرب الروسية – الأوكرانية إلى بث منشورات تدعم الجيش الروسي في مواجهة أوكرانيا المدعومة من الولايات المتحدة، وظهرت حينها منشورات تدعو لدعم روسيا والقتال إلى جانبها في مواجهة ما كان يوصف بالغطرسة الأمريكية.
طرق التجنيد
- 1التطوع المباشر
تفيد المعلومات التي نشرتها تحقيقات صحفية بأن آلية التجنيد تتم عبر الإغراءات المباشرة بالامتيازات المادية لقاء المشاركة في الحرب والتي من خلالها تم تطوع أغلب الشباب العراقيين في الجيش الروسي.
– 2 الاحتيال والنصب
هناك العديد من الشهادات التي تفيد بأن كثير من الشباب العراقي تم توريطه في القتال دون أي دراية مسبقة، وذلك عبر الدراسة في روسيا ومنح فرص قبول طلبات تحصيل دراسي بتسهيلات كبيرة، ومن ثم البدء بجذبهم عبر الإغراءات المادية.
كما تقوم بعض شبكات التجنيد باصطياد الشباب العراقي مستغلين حلم الوصول إلى أوروبا، إذ يجري تضليل الأشخاص بالوصول إلى روسيا تمهيدا لنقلهم إلى بلاروسيا ومن ثم دول أوروبا، فتبدأ عملية التضليل بتأشيرة سياحة من أحد مكاتب السياحة في بغداد أو عن طريق السفر إلى إيران ومن ثم إلى روسيا، وبعد الوصول إلى روسيا ينتهي الحلم، ويتحول الساعي إلى اللجوء إلى مقاتل على جبهات الحرب.
إلى جانب طريقة في التجنيد، وهي الضغط على الطلبة العراقيين والعرب الذين انتهت إقامتهم وتخيرهم بين السجن أو الخدمة في الجيش الروسي لقاء إلغاء تلك العقوبات.
عدد العراقيين في الجيش الروسي
بحسب الناشط العراقي مصطفى اليساري المختص بمتابعة ملف تجنيد العراقيين في الجيش الروسي فإن "عدد العراقيين الذين قاتلوا ضمن الجيش الروسي يبلغ نحو 7 آلاف"، مؤكدا أن "المعلومات الواردة من روسيا وكذلك عائلات المجندين تفيد بمقتل أغلبهم في المعارك، وأن ما تبقى منهم لا يتجاوز العشرات في الوقت الحالي"، حسب قوله.
أما مستشار رئيس الوزراء المنتهية ولايته علي علاوي فأكد خلال تصريحات صحفية أن عددهم لا يصل إلى 5 آلاف عراقي، فيما يشير مستشار الأمن القومي العراقي إلى وجود المئات من المقاتلين العراقيين في الجيش الروسي، وأن السلطات تعمل من أجل إعادتهم إلى العراق.
موقف موسكو
السفير الروسي في العراق إلبروس كوتراشيف أكد وجود عراقيين في صفوف الجيش الروسي، لكنه أشار إلى أن أعدادهم ليست كبيرة كما يتم الترويج.
وقال السفير الروسي في تصريحات سابقة: إن "هذه الحالات موجودة لكنها فردية وحجمها ليس بالقدر الذي يحاول البعض الترويج له"، لافتا إلى أن "سفارته منحت تأشيرات دخول عدة مرات لأقارب العراقيين الذين قتلوا وهم يقاتلون في روسيا، وذلك لاستلام جثثهم".
الحد من التجنيد عبر منع السفر إلى روسيا
في هذا الصدد، دعا مركز العراق لحقوق الإنسان، إلى اتخاذ قرار استثنائي يقضي بتقييد السفر إلى روسيا إلا للضرورة، وذلك تفادياً لانخراط المزيد من الشباب العراقي في الحرب الدائرة هناك.
وقال رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان علي العبادي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "العدد الحقيقي للشباب العراقيين المنخرطين في هذه الحرب غير معروف بدقة، إلا أن المؤشرات تؤكد أنهم بالمئات وربما بالآلاف"، مبينا أن "وجود هذا العدد من الشباب في ساحات قتال خارج البلاد يشكل خطراً إنسانياً كبيراً"، ومشددا على أن "هذا الأمر يستدعي تحركا عاجلا من الحكومة الحالية والقادمة، إضافة إلى مجلس النواب، لاتخاذ قرار استثنائي يقيد السفر إلى روسيا إلا للضرورة القصوى، مع تشديد التدقيق في أسباب سفر الشباب".
وأضاف العبادي: أن "تقييد السفر يندرج ضمن حزمة إجراءات وقائية تهدف إلى حماية أرواح الشباب العراقي ومنع زجهم في حرب قاسية تحصد أرواحاً بشكل يومي" مؤكدا: "ضرورة دق ناقوس الخطر لمنع انخراط المزيد منهم في صراعات خارجية لا تخدم مصلحة البلاد".
وفي وقت سابق، حذرت السفارة العراقية في روسيا من توريط شباب عراقيين في المشاركة في الحرب الروسية الأوكرانية في صف موسكو.
وقالت السفارة إنها: "لا تصدر مطلقاً أي سمات دخول مرتبطة بمثل هذه الادعاءات المضللة، والجهة الوحيدة المخولة إصدار سمات الدخول إلى الأراضي الروسية هي سفارة روسيا الاتحادية في بغداد وقنصلياتها في أربيل والبصرة حصرا".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام