فجر قرار استبعاد المرشح الفائز بانتخابات مجلس النواب عن محافظة نينوى نجم الجبوري بقرار قضائي موجة غضب واستياء شعبية واسعة في محافظة نينوى، والتي حصد فيها الجبوري المركز الأول على مستوى أصوات الفائزين بعد حصوله على ما يقرب من 40 ألف صوت.

وفي وقت سابق من اليوم الأحد، أفادت مصادر في مفوضية الانتخابات باستبعاد الهيئة القضائية للمرشح الفائز عن محافظة نينوى نجم الجبوري، من خلال رفضها المصادقة على فوز الجبوري في الانتخابات والتي شارك فيها عبر تحالف نينوى لأهلها المتحالف مع تحالف الحسم الوطني بزعامة وزير الدفاع ثابت العباسي.

سبب الاستبعاد

وأشارت المصادر إلى أن من بين الأسباب التي استندت إليها اللجنة في قرارها، ما يتعلق بملف الخدمة العسكرية للجبوري، واعتبار خدمته مشمولة بإجراءات المساءلة والعدالة، فضلاً عن عدم انطباق بعض متطلبات شرط حسن السيرة والسلوك وفق التعليمات النافذة.

وأوضحت أن القرار جاء بعد مراجعة دقيقة للمعطيات، وأن اللجنة القضائية ألزمَت المفوضية باتباع ما ورد في القرار واعتبار الجبوري غير مستوفٍ للشروط القانونية للترشح.

وأكدت المتحدثة باسم المفوضية جمانة الغلاي استبعاد الجبوري بقرار من الهيئة القضائية، مشيرة إلى أن قرار الاستبعاد جاء بسبب إجراءات المساءلة والعدالة واجتثاث البعث.

وسبق للهيئة القضائية ذاتها، أن قررت في 26 آب الماضي إعادة نجم الجبوري للانتخابات، بعد ان نقضت قرارا سابقا للمفوضية استبعد الجبوري من المشاركة في الانتخابات المحلية عام 2023 وذلك عقب شموله بإجراءات المساءلة والعدالة.

مصير معقد الجبوري

ولم تحسم المفوضية مصير المقعد المخصص للجبوري والجهة التي سيذهب إليها، لكن مراقبون للشأن الانتخابي رجحوا أن يذهب معقد الجبوري إلى حزب المشروع العربي بزعامة خميس الخنجر وتحديدا لمرشحة المشروع هجين الجحيشي.

 فيما توقع آخرون أن يذهب المعقد للمرشحة عن تحالف الحسم زليخة البكار، وسيؤدي القرار أيضا إلى تغيير داخل مقعدي كتلة بدر والذين حصلت عليهما الكتلة في الانتخابات البرلمانية.

ونجم الجبوري ينحدر من ناحية القيارة جنوب الموصل وكان يعمل ضابطا في الجيش العراقي السابق، ثم عمل قائممقاما لقضاء تلعفر بعد الاحتلال الأمريكي قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة ويعود منها قائدا لعمليات نينوى أثناء عمليات استعادة السيطرة على الموصل من قبضة تنظيم "داعش".

بعدها تولى الجبوري منصب محافظ نينوى قبل إبعاده بإجراءات اجتثاث البعث رغم حصوله على استثناء من إجراءات الاجتثاث من قبل مجلس الوزراء في ظل حكومة حيدر العبادي وذلك قبيل تكليفه بمنصب قائد عمليات تحرير نينوى.

وعندما تولى منصب المحافظ كان قريبا من رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي، ولكنه اختلف معه والتحق بتحالف الحسم الذي أسسه ثابت العباسي ما قاد إلى اجتثاثه من المنصب قبيل الانتخابات المحلية السابقة.

وشهدت مدينة الموصل خلال توليه منصب المحافظ حملة إعمار واسعة شملت البنى التحتية المدمرة، رغم وجود حالة من عدم الرضا وذلك على اعتبار أن الأموال المخصصة لنينوى كانت قادرة على إعادة الحياة بشكل أكبر وأفضل مما وصلت إليه في عهد الجبوري.

استبعاد يضرب ثقة الناخبين

وحذر الناشط الموصلي سيف الحمدان من مغبة قرارات مفاجئة كقرار استبعاد الجبوري وانعكاسها على ثقة الناخبين في المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وقال الحمدان في حديث لشبكة "الساعة": إن "القرار فاجئ أغلب أهالي الموصل الذين كان الكثير منهم يؤمن بالتغيير عبر صناديق الاقتراع والعملية الانتخابية"، مشيرا إلى أن "القرار وفي حال كونه صائبا فمن الأجدر أن يصدر قبل الانتخابات وليس بعد فوز المرشح بأصوات عشرات آلاف الناخبين".

 وبين أن "هؤلاء وجدوا في استبعاد مرشحهم استهدافا لهم مما سيؤدي إلى انعدام ثقتهم في الانتخابات بشكل عام في المراحل المقبلة، ووصف ما جرى بأنه آخر مسمار في نعش الديمقراطية المشوهة التي يتحكم بها المال السياسي والسلاح ونفوذ السلطة".

وأضاف الحمدان: أن "القرار الأخير سيزيد من نسبة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، ويزيد نسبة المقاطعين، وهو ما سيصب في النهاية بمصلحة الأحزاب التقليدية المهيمنة على الحكم منذ عقدين على اعتبار أن جمهورها فقط من سيشارك في الانتخابات المقبلة"، منوها إلى أن "ذلك من شأنه أن ينهي ويوؤد أي حراك سياسي يحاول منافسة تلك الأحزاب".

متنفذون وراء الاستبعاد

وغالبا ما تقف جهات سياسية وشخصيات متنفذة وراء عمليات إقصاء واستبعاد المرشحين للانتخابات أو الفائزين فيها، تحت عنوان إجراءات المساءلة والعدالة أو التزوير وغيرها من الأمور، ويبدو أن استبعاد نجم الجبوري جاء نتيجة حالات الاستهداف السياسي، كما يرى مراقبون للأوضاع في نينوى.

وقال المراقب للشأن الانتخابي أحمد الحيالي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الجبوري له سجل من العداء مع بعض الشخصيات السياسية نتيجة محاولتها الهيمنة على القرار في محافظة نينوى خلال وجوده فيها قائدا للعمليات ومحافظا"، ولم يستبعد أن "يكون إبعاده قد حصل بضغط من أحد الشخصيات السياسية التي تكن له العداء".

 ولفت إلى أن "أبرز الشخصيات التي اختلف معها الجبوري وبقوة هم وعد القدو النائب الفائز عن كوتا الشبك والمقرب من كتلة بدر والذي سبق أن شغل منصب قائد حشد الشبك المنخرط في الحشد الشعبي، وكذلك زعيم حركة بابليون ريان الكلداني وشقيقه النائب أسوان الكلداني، فضلا عن خلافه الحاد مع رئيس مجلس النواب السابق ورئيس تحالف تقدم محمد الحلبوسي".

ولفت الحيالي إلى أن "تصريحات أخرى صدرت قبل أيام من زعيم حركة العصائب قيس الخزعلي، هاجم خلالها حركة نينوى لأهلها التي يشغل الجبوري منصب نائب رئيسها، إذ انتقد الخزعلي الشعار الذي رفعته الحركة والتي تريد منه استحصال حقوق المحافظة التي سلبتها القوى المتنفذة المهيمنة عليها منذ العام 2017".

ويرى الحيالي أن "الحادثة تعكس بعدا طائفيا أيضا في التعامل مع إجراءات المساءلة والعدالة، فهذه الإجراءات كانت منذ عقدين سيفا مسلطا على رقاب السياسيين السنة أو الشيعة المعارضين لنفوذ الأحزاب الشيعية المقربة من إيران والماسكة للحكم"، مؤكدا أن "استبعاد الجبوري جاء وكأنه يحاول استهداف أصوات أهالي نينوى، حيث أبطل القرار أصوات نحو 40 ألف ناخب في نينوى يؤمنون بالتغيير عبر صناديق الاقتراع، وهو ما يدفع لتجنب هؤلاء العودة للمشاركة في الانتخابات مجددا، ما يعني مقاطعة شعبية للأسلوب الديمقراطي في تغيير الإدارة والحكم".

رسائل تشكك بإجراءات المفوضية ونزاهة الانتخابات

ويتفق مع ذلك، الباحث في الشأن السياسي محمد غصوب، الذي يرى أن قرار استبعاد الجبوري يبعث رسائل تشكك في نزاهة الانتخابات وإجراءات المفوضية وخضوعها للضغوط السياسية وخاصة من الجهات المتنفذة.

وقال غصوب في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاستبعاد بهذا التوقيت يثير علامات الاستفهام ويبعث الكثير من الشكوك حول إجراءات المفوضية"، مبينا أن "ما حصل مؤخرا يكشف تناقضا في قرارات المفوضية التي شملت في وقت سابق الجبوري من الترشح ثم عادت وقبلت النقض الذي قدمه وسمحت له بالمشاركة في الانتخابات، ولكنه عندما شارك وفاز بتقدم لافت عادت وأبعدته مجددا".

وأشار غصوب إلى "تعرض المفوضية إلى ضغوط سياسية أسفرت عن استهداف بعض الشخصيات وإبعادهم عن الانتخابات أو إقصائهم بعد الفوز"، وأوضح أن "الكثير من الفصائل المسلحة تتقاطع مع الجبوري وتختلف معه على اعتبار أن رفض سياستها في نينوى، كما أنه كان من المؤيدين لبقاء القوات الأمريكية لحاجة القوات العراقية لها، ما تسبب بموجة غضب عليه من تلك الفصائل وقياداتها".

وحذر غصوب من "استمرار ممارسة الضغوط السياسية على الهيئات المستقلة في العراق"، مؤكدا أن "خضوعها لمثل هذه الضغوطات يقلل من مصداقيتها ونزاهتها ونزاهة الانتخابات التي تمثل السبيل الوحيد للتغيير في ظل أي نظام يعلن نفسه نظاما ديمقراطيا".