أثارت بيانات رسمية صادرة من هيئة الحشد الشعبي ووزارة الإعمار والإسكان الجدل في الشارع العراقي بشأن ملكية أراضي في منطقة الجادرية ببغداد، وفتحت الباب أمام سيل من الاتهامات وجهت للحشد بمحاولة الاستيلاء على أراضٍ تعد الأغلى والأثمن من بين مناطق العاصمة.
ولم يصدر عن الحكومة العراقية أي موقف رسمي أو إجراء لمعالجة الخلاف الحاصل بين هيئة أركان الحشد الشعبي ووزارة الإعمار رغم مرور عدة أيام على إثارة الموضوع، الأمر الذي أثار الشكوك والمخاوف إزاء ظاهرة نقل ملكية الأراضي أو الاستيلاء عليها والتي تصاعدت في السنوات الأخيرة وتقف وراءها أجندات ومصالح اقتصادية ومالية لجهات متنفذة.
وفيما تجنب الموقف الرسمي الحديث عن ملف أراضي الجادرية، كشف مسؤولون عراقيون عن صدور قرار بمنع هيئة الحشد من الاستحواذ على أرض في منطقة الجادرية وسط بغداد.
وتبلغ مساحة الأرض التي يسعى الحشد الشعبي نقل ملكيتها لصالحه نحو 100 دونم، تقع على نهر دجلة في منطقة الجادرية، 20 دونما منها تعود ملكيتها لأمانة بغداد، فيما تعود ملكية 80 دونما لوزارة الإعمار والإسكان.
وتعد منطقة الجادرية من أغلى المناطق العقارية في بغداد وعموم العراق، وتضم مقرات للعديد من أحزاب الإطار التنسيقي الحاكم، فضلا عن مقرات للفصائل المسلحة المنضوية في الحشد، إلى جانب مقرات للشركات والمكاتب التجارية، فيما كانت قبل العام 2003 منطقة لسكن كبار المسؤولين في الدولة العراقية.
بيان الإعمار يتهم الحشد ضمنا
وبدأ الخلاف بشأن أراضي الجادرية عقب بيان صدر عن هيئة الحشد نهاية الأسبوع الماضي أعلنت فيه استكمال إجراءات نقل ملكية عدد من الأراضي العائدة للدولة في بغداد إلى الهيئة.
وذكرت الهيئة، في بيان، أن "التنازل تم رسمياً عن قطعة أرض تابعة لوزارة الإعمار والإسكان، فضلا عن أراضٍ تابعة لأمانة بغداد بمساحة 20 دونماً في الجادرية، تحمل الرقم 184 في مقاطعة الزوية، وذلك بموجب أمر ديواني صادر عن الجهات المختصة".
وأضاف البيان أن "لجنة قانونية مختصة، تضم هيئة المساحة والتسجيل العقاري وشعبة الزراعة ومديرية عقارات (الحشد الشعبي)، أنجزت يوم الخميس 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إجراءات التسوية"، مشيراً إلى أن "الأرض فُرزت لصالح الشؤون الهندسية في رئاسة أركان الحشد الشعبي، ومعالجة التداخل الناجم عن عقد سابق كان يقصر استخدام الأرض على الزراعة لا السكن".
وأكدت الهيئة أن "هذه الأراضي كانت متجاوزاً عليها من بعض المواطنين الذين اعترضوا على القرار الرسمي، واعتدوا على عدد من منتسبي الحشد أمام مقر الشؤون الهندسية، مدعين ملكيتهم للأرض دون سند قانوني، وبينت أن المتجاوزين قاموا بالتجمع أمام المقر ونصب خيمة واستغلال الطابع العشائري لتأجيج الموقف عبر وسائل إعلام مغرضة ومنصات التواصل".
وردا على ذلك، أصدرت وزارة الإعمار والإسكان بيانا فاقم القضية، إذ نفت الوزارة تقديم أي تنازل عنها لصالح هيئة الحشد الشعبي عن الأرض التي تملكها في العاصمة بغداد.
وقالت الوزارة في بيان مقتضب إنه "إشارة إلى ما تداولته بعض المواقع ووسائل الإعلام بشأن تنازل وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة عن أراضٍ عائدة لها في منطقة الجادرية على ضفاف دجلة لصالح هيئة الحشد الشعبي، نبيّن أنه لم يتم أخذ رأي الوزارة في الموضوع"، وترى الوزارة أن "الموقع مناسب لإقامته متنزهاً عاماً بمساحات خضراء، نظراً لإطلالته على النهر".
توقف مؤقت في نقل الملكية
وبالعودة إلى الإجراء الحكومي، كشفت صحيفة الشرق الأوسط عن مصدر حكومي عراقي قوله: إن "وزارة الإعمار والإسكان تمكنت من إيقاف محاولة الحشد السيطرة على نحو 100 دونم ضمن جامعة بغداد في الجادرية، بينها 20 دونماً عائدة لأمانة بغداد، فيما تعود المساحة المتبقية لوزارة الإعمار".
وأكد المصدر أن "الوزارة استندت إلى اللوائح القانونية وملكية الأرض ذات الرقم 337/152 العائدة لها وفق بيانات التسجيل العقاري، وتبلغ مساحتها نحو 80 دونماً"، مشيرا إلى أن "هيئة الحشد تعهّدت بالالتزام بالإجراءات القانونية فيما يتعلق بالحصول على الأرض من عدمه".
محاولة استيلاء
ويصف متابعون للشأن العراقي ما جرى في ملف تحويل ملكية الأراضي في الجادرية على أنه محاولة واضحة للاستيلاء على أملاك الدولة لصالح الفصائل المسلحة التي تفرض وصايتها على الحشد الشعبي رغم أنه مؤسسة عسكرية عراقية تابعة للدولة وتأتمر بأمر رئيس الوزراء.
الناشط المدني والسياسي حسين الكعبي أكد في حديث لشبكة "الساعة" أن ما جرى يمثل محاولة للاستيلاء على أراضي الدولة وأنها جاءت كحلقة ضمن سلسلة حلقات استولت خلالها الفصائل المسلحة على الأراضي والممتلكات العامة وحتى الخاصة في بغداد وباقي المحافظات.
وقال الكعبي: إن "بعض الجهات التي تؤمن بمنطق الفصائل لا الدولة تفرض سلطتها على هيئة الحشد الشعبي وتحاول استغلال اسم الحشد في تعزيز النفوذ الاقتصادي لتلك الفصائل وقادتها الذين تحولوا إلى أمراء حروب يتقاسمون منذ سنوات الغنائم".
وأوضح أن "الأمر الذي يثير التساؤل والاستغراب هو سبب تحرك الحشد وهو مؤسسة عسكرية لتحويل ملكية أرض في إحدى المناطق الراقية بالعاصمة، بينما يفترض أن يتواجد الحشد في مناطق عسكرية بأطراف المدن أو على الحدود"، مشيرا إلى أن "هذه الأنشطة الغاية منها تحقيق النفع المالي والاقتصادي ولا سيما أن عمليات الاستيلاء على الأراضي من قبل جهات مسلحة تم تسجيلها في بغداد والبصرة وكربلاء بحجج وذرائع كثيرة".
ورجح الكعبي تحويل ملكية الأراضي في الجادرية قريبا لصالح هيئة أركان الحشد الشعبي، منوها إلى أن "الموضوع سيتم التكتم عليه في الفترة الحالية تجنبا لإثارة غضب الشارع العراقي".
توقيت خطير
من جهته يرى الباحث في الشأن السياسي غانم العابد أن الخطر الأكبر في موضوع أراضي الجادرية هو توقيت التحرك لنقل ملكيتها، والذي جاء خلال فترة انتهاء صلاحية الحكومة الحالية، ما يعني دخول هذا الملف في المساومات من قبل بعض الجهات المتنفذة في الحشد مقابل التصويت على منصب رئيس الوزراء.
وقال العابد في حديث مع شبكة "الساعة": إن "بيان وزارة الإعمار والإسكان شكل صدمة للشارع العراقي، إذ كشف عن محاولة للسيطرة على أراضي الدولة دون علم الجهة المالكة لها (وزارة الإعمار)".
وأضاف: أن "طرح هذا الموضوع في هذا التوقيت مرتبط بملف اختيار رئيس الحكومة المقبل، على اعتبار أن الجهات التي تمتلك الفصائل المسلحة حصدت أكثر من 100 مقعد في البرلمان"، مبينا أن "ما حصل يمثل سابقة خطيرة وعلى الحكومة والبرلمان المقبلين التحرك العاجل لمعالجة الموضوع وإعادة الحق لنصابه".
ولفت العابد إلى أن "ظاهرة الاستيلاء على الأراضي من الجهات والفصائل المسلحة لم تبدأ الآن، إذ عملت المكاتب الاقتصادية للفصائل منذ سنوات على الاستيلاء على العقارات في مناطق العاصمة بغداد وكذلك في المحافظات التي كانت تحت سيطرة داعش"، مشددا على أن "السكوت على هذه الممارسات لا يعكس إلا ضعف السلطات الحكومية أمام الأطراف المسلحة التي تسعى للتمدد عبر الحصول على ملكية العقارات والأموال والثروة"، محذرا من أن "استمرار عمليات الاستيلاء على الأراضي التي تتورط فيها جهات معاقبة من الجانب الأمريكي وصمت الحكومة العراقية على ذلك من شأنه أن يعرض الحكومة العراقية والعراق إلى عقوبات أمريكية".
خلاف إداري
ولكن على الخلاف من الآراء السابقة، لا يرى الباحث والمحلل السياسي حيدر البرزنجي المعروف بقربه من الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة فيما أثير عن أراضي الجادرية محاولة استيلاء أو سيطرة، وإنما يرى فيه خلاف إداري بين جهتين رسميتين حكوميتين.
وقال البرزنجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "هيئة الحشد الشعبي أصدرت بيانا عن الموضوع أوضح أن ما قامت به لا يخرج عن الإجراءات والسياقات الرسمية والقانونية"، مؤكدا أن ما أثير لا يشكل سوى خلاف إداري بين هيئة الحشد ووزارة الإعمار وسينتهي هذا الخلاف عبر اللجوء إلى القضاء الذي يعد صاحب الكلمة الفصل بهذا الأمر".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام