أعاد استهداف حقول كورمور للغاز في محافظة السليمانية بإقليم كردستان شبح الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى الواجهة من جديد بعد توقف في تلك الهجمات لأكثر من عام على خلفية التهديدات الأمريكية باستهداف الفصائل المسلحة العراقية القريبة من إيران.

وخلال السنوات الماضية، استخدمت الصواريخ والطائرات المسيرة على نطاق واسع لاستهداف المصالح الأمريكية في العراق، وكذلك لاستهداف مواقع نفطية مهمة في إقليم كردستان، وكانت تلك الهجمات في حينها رسائل سياسية توجهها إيران عبر أتباعها للولايات المتحدة تارة، وتوجهها أطراف متنفذة تمتلك السلاح من أجل فرض حضورها في الدولة العراقية تارة أخرى كما حصل بشكل لافت خلال حكومة مصطفى الكاظمي التي يتهمها الإطار التنسيقي بالتقارب مع واشنطن على حساب إيران.

ولم يخرج هجوم الساعات الماضية عن الرسائل السابقة التي كانت ترافق هجمات المسيرات والصواريخ، إذ يرى مراقبون أن هجوم كورمور الأخير يحمل رسائل سياسية في وقت حساس يشهده العراق والمنطقة، في ظل الحراك الداخلي الدائر لتشكيل الحكومة من جهة، وكذلك الضغط على العراق للاستقلال عن الجانب الإيراني في مجال الطاقة ومساعي بعض الأطراف الموالية لإيران لعرقلة عملية استقلال العراق عن إيران في مجال الطاقة.

وأفادت مصادر أمنية في إقليم كردستان مساء أمس الأربعاء بأن طائرة مسيرة استهدفت خزانات الغاز في الحقل الغازي المذكور، ما أدى إلى انفجار كبير ثم حريق كبير دون تسجيل خسائر بشرية.

ويقع حقل كورمور للغاز بين مدينتي كركوك والسليمانية، في منطقة تديرها سلطات إقليم كردستان العراق، واستهدف هذا الموقع بهجمات عدة في السنوات الأخيرة لم يُعلن أي طرف مسؤوليته عنها.

وأصدرت خلية الإعلام الأمني عقب الهجوم بياناً لم يكشف الكثير عن تفاصيله، ولكنه توعد بملاحقة المهاجمين ومحاسبتهم على خلفية فعلهم الإرهابي والغادر.

وقالت الخلية في بيان: إنه "عند الساعة 11:30 من مساء الأربعاء، تعرض حقل كورمور في محافظة السليمانية لاستهداف غادر، أسفر عن احتراق أحد الخزانات الرئيسة في هذا الحقل الغازي المهم، دون تسجيل خسائر بشرية".

وأضاف البيان: أن "هذا الاعتداء يمثل تهديدا مباشرا لمصالح العراقيين، وعملا إرهابيا خطِرا يهدف إلى عرقلة الجهود المبذولة لترسيخ الأمن والاستقرار الاقتصادي في البلاد".

وأكدت الخلية أن "الجهات المسؤولة عن هذه الهجمات ستنال جزاءها العادل، وأن الإجراءات القانونية الصارمة ستتخذ بحق المتورطين في هذا العمل الغادر والجبان".

وتسبب استهداف حقول كورمور والتي تجهز محطات توليد الكهرباء في إقليم كردستان بالغاز، بانقطاع إمدادات الغاز بالكامل لمحطات الكهرباء، وفق ما أعلنت السلطات في الإقليم.

وقالت وزارة الموارد الطبيعية ووزارة الكهرباء في الإقليم في بيان مشترك: إنه" في الساعة 23:30 (20:30 بتوقيت غرينتش)، تعرضت منشأة حقل كورمور لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى انقطاع إمدادات الغاز بالكامل لمحطات الكهرباء".

من جهته أوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء في كردستان أوميد أحمد، أن الطاقة انخفضت بنحو 2600 ميغاواط من أصل 4 آلاف جراء الهجوم، ما يؤثر على تزويد المواطنين وخصوصاً تزويد المحطات التي تعمل بالغاز، وأشار إلى أن نحو 80% من التيار الكهربائي انقطع في الإقليم، حيث يقيم أكثر من 6.5 ملايين شخص.

كما أعلنت شركة دانة غاز التي تدير إنتاج الغاز في حقول كورمور أن مستودعاً في حقل الغاز استُهدف بصاروخ الليلة الماضية، وذكرت في بيان أن "الإنتاج قد توقف للسيطرة على الحريق، وأن الشركة على تواصل مع المسؤولين المحليين لمزيد من المتابعة"، وبينت أنه "لم تقع أي إصابات في صفوف الموظفين، وقد أُوقِفت عمليات الإنتاج بغرض إخماد الحريق وإجراء تقييم للوضع".

وفي رد لافت لسلطات إقليم كردستان العراق على الهجوم، دعا رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني الولايات المتحدة إلى تزويدها بأسلحة تمكنها من صد الهجمات الصاروخية التي تستهدف أراضيها.

وأدان بارزاني بأشد العبارات الهجوم الذي استهدف حقل غاز كورمور واصفاً إياه بـالجبان، وطالب بارزاني في بيان له الحكومة الاتحادية بملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة، مشدداً على ضرورة عدم السماح للإرهابيين أو الجهات التي تقف خلف الهجوم بتكرار جرائمهم أو إطلاق سراحهم بكفالة كما حدث سابقاً.

وفي سياق متصل، دعا رئيس الحكومة الشركاء الأمريكيين والدوليين إلى توفير المعدات الدفاعية اللازمة لحماية البنية التحتية المدنية في الإقليم، ودعم حكومته في اتخاذ إجراءات حازمة لردع الهجمات التي تستهدف شعب كردستان ومسيرة تقدمه.

كما أدان رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، الهجوم الذي استهدف حقل كورمور، مؤكدا أن الهدف منه هو الإضرار بمعيشة المواطنين وزعزعة الاستقرار في إقليم كردستان والعراق.

وقال طالباني الذي يعرف بقربه من الفصائل العراقية الموالية لإيران: إن "الرد على هذا الهجوم سيكون حاسما وقويا، وسنتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حياة مواطنينا".

ولكن الهجوم بالطيران المسير هذه المرة على حقل كورمور يحمل معه جملة من الرسائل السياسية والأمنية والاقتصادية الداخلية والخارجية، بحسب ما يرى الباحث والمحلل السياسي محمد زنكنة.

صرح زنكنة المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني: إن "الرسائل من الهجوم متعددة، أبرزها أنها وجهت بالتزامن مع زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي إلى المنطقة ومشاركته في افتتاح أكبر ممثلية دبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية في أربيل".

وأضاف: أن "الرسالة الأخرى تشمل أيضا الحراك بشأن تشكيل حكومة إقليم كردستان بعد المبادرة الأخيرة واقتراب التفاوض بهذا الخصوص وذلك من أجل عرقلة تشكيل الحكومة العاشرة في أربيل".

وأوضح زنكنة أن الرسالة الأخرى تحمل طابعا اقتصاديا هدفها عرقلة استغلال الغاز العراقي واستمرار استيراده من الخارج وعدم الاعتماد على التجارب العراقية لتأمين الغاز وتوليد الكهرباء من الغاز العراقي، ولفت إلى أن رسالة أخرى قد تكون حاضرة أيضا وهي خلق الضغوط على الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد النجاح الكبير الذي حققه في الانتخابات ومحاولة مساومته على بعض المناصب في الحكومة المقبلة ببغداد".

ولفت زنكنة إلى أن "الهجوم سيؤدي إلى تأخير في تشكيل الحكومة الاتحادية ولكنه لن يؤثر على مشاركة الكرد فيها"، لكنه شدد على أن "الهجوم قد يدفع الإقليم نحو تدويل الموضوع وطلب التدخل الدولي في حماية المنشآت الحيوية في الإقليم في حال عجزت الحكومة العراقية عن حمايتها ومحاسبة مرتكبي الهجمات عليها".

من جهته، رجح الباحث السياسي والأمني مجاشع التميمي وقوف فاعلين مسلحين وراء الهجوم الأخير لغرض معادلات ضغط سياسية وأمنية بالتزامن مع تشكيل الحكومة العراقية.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "من يقف خلف استهداف حقل كورمور فاعلون مسلّحون يسعون لفرض معادلات ضغط سياسي وأمني في لحظة حساسة مرتبطة بتشكيل الحكومة".

وأوضح أن "الرسالة الأساسية هي تذكير الأطراف بأن القدرة على تعطيل المنشآت الحيوية ما زالت قائمة، وأن ملفات الطاقة يمكن أن تُستغل كورقة مساومة، خاصة مع قرب دخول العراق كدولة غازية منافسة بحسب ما مخطط لها".

وأشار التميمي إلى أن "توقيت الهجوم ليس معزولاً عن الحراك الأمريكي الأخير، ولا عن زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الموارد إلى أنقرة ثم بغداد وأربيل وإسرائيل، لذلك فالهجوم يُقرأ كاعتراض على أي ترتيبات إقليمية – داخلية يُنظر إليها على أنها تُضعف نفوذ بعض القوى الإقليمية".

وبشأن تأثير الهجوم على الكرد، أوضح التميمي أنه "يمنحهم شعوراً بأن منشآتهم الاقتصادية تحت الاستهداف، ويعطل الخدمات ما يدفعهم للمطالبة بضمانات أمنية وسياسية أكبر داخل الحكومة المقبلة، وحتى مطالبات دولية ويزيد من تمسّكهم بشروطهم التفاوضية، لكنه في الوقت نفسه قد يعزز قناعتهم بضرورة المشاركة لتأمين حماية أكبر عبر حكومة مركزية متماسكة".