تتجه أنظار العراقيين إلى الاتفاق العراقي التركي الخاص بإدارة الموارد المائية العراقية من الجانب التركي على أمل بأن يكون هذا الاتفاق مفتاحا لإنهاء مشكلة شح المياه في نهري دجلة والفرات اللذان ينبعان من الأراضي التركي.
وبعد أن دق ناقوس الخطر من الأزمة المائية، عقد العراق اتفاقية مع الجانب التركي لحل مشكلة المياه عبر تسليم الجانب التركي ملف إدارة المياه العراقية من إنشاء المشاريع الخاصة بالإرواء والتخزين وغيرها مع إطلاق مليار متر مكعب من المياه خلال الأيام القليلة المقبلة من تركيا إلى العراق والتي ابرمت في العاصمة بغداد أمس الأحد الثاني من تشرين الثاني 2025 بحضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد أشهر من الاتصالات والتفاهمات بين الجانبين.
ماذا يتضمن الاتفاق؟
والاتفاق هو وثيقة آلية تمويل المشاريع بخصوص اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه بين حكومة الجمهورية التركية، وحكومة جمهورية العراق، وبحسب المصادر فإن الوثيقة تتضمن الترتيبات التي ستُمكّن من التطبيق الفعلي لـ"اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه" التي أبرمت خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد في 2024.
وتنص الآلية على تمويل المشاريع التي ستتولاها الشركات التركية في مجال تحديث وتشييد البنية التحتية من أجل الاستخدام الفعّال والمثمر والمستدام لموارد المياه في العراق، من خلال نظام يعتمد على مبيعات النفط العراقي، ومن خلال هذا الإجراء تهدف تركيا إلى زيادة مساهمتها في تطوير البنية التحتية للمياه في العراق وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية.
وبحسب وسائل إعلام عراقية وتركية فإن "تركيا وعدت بأطلاق مليار متر مكعب لصالح العراق خلال الايام القادمة، وبما لا يؤثر على الخزين المائي لتركيا والذي يقدر بـ 90 مليار متر مكعب".
ونقلت تلك الوسائل عن مصادر أن "الفقرات المشار إليها إلى جانب فقرات أخرى تتضمنها الاتفاقية المزمع توقيعها بعد مراجعتها من قبل الجهات القانونية، تأتي مقابل إسقاط الديون التركية ورفع سقف التبادل التجاري بين البلدين على أن لا يقل عن 30 مليار دولار".
وتابعت المصادر أن "العراق سيشهد زيادة في الاطلاقات المائية خلال الأيام القادمة حيث سيستقبل مليار متر مكعب على شكل دفعات وبما يحقق استقرار مائي للعراق وينهي الأزمة في البلاد".
بغداد تدافع عن الخطوة
وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان إن "رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، رعى مراسم التوقيع على الآلية التنفيذية الخاصة باتفاقية التعاون الإطارية مع تركيا في مجال المياه، بين وزير الخارجية فؤاد حسين ونظيره التركي هاكان فيدان".
وأكد رئيس الوزراء، أن الاتفاق سيكون أحد الحلول المستدامة لأزمة المياه في العراق، من خلال حزم المشاريع الكبيرة المشتركة التي ستُنفذ في قطاع المياه؛ لمواجهة وإدارة أزمة شحّ الموارد المائية، وأشار إلى أهمية متابعة تنفيذ مخرجاته التي اتفق عليها في أثناء زيارة الرئيس التركي إلى بغداد العام الماضي.
وأوضح، أن اتفاق آلية التمويل سيعزز العلاقات الثنائية مع تركيا ويسهم في تناميها بمختلف المجالات، وبما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.
وجهات نظر مختلفة
وتُعدّ "اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه" المبرمة في 22 نيسان/أبريل 2024، و"وثيقة آلية التمويل" الموقعة أمس، بداية مرحلة استراتيجية جديدة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ومن المتوقع أن تسهم في تسهيل وصول شركات المقاولات التركية إلى السوق العراقية وفتح فرص جديدة أمامها في المشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية.
واختلفت وجهات النظر العراقية للاتفاق المائي مع الجانب التركي، فبينما يرى فيه البعض مساومة تركية للعراق تسلم فيها المياه مقابل النفط، غير أن البعض الآخر يرى فيها خطوة في الطريق الصحيح بعد أن أثبت السلطات العراقية فشلها في إدارة ملف المياه.
وتزامن مع اشتداد أزمة شحة مياه دجلة حملة أطلقها مدونون وسط وجنوب العراق، لمقاطعة المنتجات والبضائع التركية، في محاولة للضغط على أنقرة من أجل زيادة الإطلاقات المائية نحو الأراضي العراقية.
أزمة بسبب سوء الإدارة
ويرى الخبير والمستشار المائي عادل المختار أن الاتفاق الأخير لا يمكن له حل الأزمة إذا لم يعتمد العراق الطرق الحديثة في التعامل مع المياه والإرواء والزراعة، فيما أكد أن سوء الإدارة وإخفاق السلطات العراقية في تجاوز الأزمة هو من أوصل إلى عقد هذا الاتفاق بينما كان ينبغي أن يتحرك العراق في السنوات السابقة لمعالجة الأزمة.
وقال المختار في حديث لشبكة "الساعة": إن "سوء الإدارة والاخفاق من قبل وزارة الموارد المائية وكذلك وزارة الزراعة بخصوص المياه أوصلت العراق إلى الأزمة المائية الحالية"، مبينا أن الزراعة بالطرق البدائية والخطأ في استهلاك المياه عمق الأزمة وشكل السبب الأبرز فيها".
واقترح المختار: "دمج وزراتي الزراعة والموارد المائية في وزارة واحدة طالما كانت الموارد المائية عديمة الفائدة والدور في معالجة الأزمة المائية"، مشددا على "ضرورة إعادة النظر بالسياسة المائية والزراعية والبدء باعتماد الطرق الحديثة في إدارة الزراعة والثروة الحيوانية لإنجاح أي خطوات حكومية بشأن حلها للمشكلة".
وأشار المختار إلى أن "العراق فاته أن يضيف إلى الاتفاق مع الجانب التركي موضوع الذهاب إلى المحاكم الدولية من أجل ضمان الحصص المائية للعراق في نهري دجلة والفرات"، كما لفت إلى "ضرورة التحرك الحكومي الخارجي نحو تخفيف الضرر الناتج عن إنشاء سد الجزرة على نهر دجلة من الجانب التركي والذي له الأثر الخطير على العراق".
تفعيل تقاسم الضرر
أما الخبير البيئي والمائي أنس الطائي فيرى أن الاتفاق المعلن بين بغداد وأنقرة ليس كافيا لحل الأزمة العراقية المائية، وإنما التطبيق الفعلي والسريع لما ورد في بنود الاتفاق.
وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاتفاق المعلن جاء بطريقة امتصاص غضب الشارع العراقي، حيث إن طريقة التنفيذ وآلية العمل ببنود الاتفاق ما تزال مجهولة ومبهمة للكثير"، وأشار إلى أن "الخطوات العلاجية للمشكلة تكون عبر التنفيذ الفعلي للاتفاق حيث رجح أن تكون الخطوات الأولى المقبلة معالجة بشكل جزئي لمشكلة المياه دون المعالجة الكلية".
وأكد الطائي أن "المشكلة الكبرى تتمثل في أن العراق أخفق في مواجهة أزمة المياه والجفاف، ولم يتخذ أي تدابير لمواجهة الأزمة، إلى جانب سوء الإدارة للملف المائي، كلها قادت إلى وصول العراق لمرحلة الأزمة والكارثة الحقيقية، رغم أن تركيا وإيران تواجهان أيضا مشكلة شحة مياه وجفاف لكنهما لم يتأثرا كما العراق بسبب نجاحهما في التدابير الوقائية لتجنب الأزمة".
ودعا الطائي إلى "جانب تنفيذ تفاصيل الاتفاق مع الجانب التركي، إلى أن يفعل العراق جهده الدبلوماسي من أجل التوصل لتفاهمات مع دول المنبع لتقاسم الضرر بشأن الشحة المائية، حتى لا يكن العراق وحيدا من يدفع تكاليف أزمة المناخ والجفاف".
ويعد العراق من بين أكثر 5 دول في العالم تأثراً بتغير المناخ وتداعياته، لا سيما الجفاف، وكان تقرير سابق للمنظمة الدولية للهجرة قد بين أن 12 ألفاً و212 عائلة عراقية نزحت بسبب الجفاف في عشر محافظات في وسط البلاد وجنوبها، علما أن ذي قار وميسان والديوانية تتصدّر قائمة المحافظات المتضررة.
وانخفضت مستويات المياه في النهرين ولا سيما دجلة ووصلت إلى مراحل مخيفة، وأظهرت صور تداولها ناشطون ومدونون في مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد عن انخفاض مناسيب المياه، وظهور الجزرات الأرضية في ممر النهر، إلى جانب تمكن الكثير من عبور دجلة مشيا على الأقدام دون سباحة.
ويعاني العراق وتركيا وعموم المنطقة من مشكلة جفاف وشحة في المياه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لكن اللافت أن العراق لم يتخذ أي تدابير كباقي الدول من أجل مساعدته في تجاوز الأزمة والتي تطورت اليوم وباتت أقرب إلى الكارثة.
ويعزو مراقبون في الشأن البيئي والمائي المشكلة المائية في العراق إلى سوء إدارة الدولة لملف المياه، خاصة وأن العراق خلال الأعوام التي سبقت الأزمة كان يشهد وفرة في المياه بسبب الأمطار المستمرة والسيول القادمة من داخل وخارج العراق، ولكن العراق لم يحتفظ بتلك المياه وذهبت نحو الخليج دون الاستغلال الصحيح لها ودون تخزينها في السدود أو عبر وسائل الخزن المائي الحديثة والمتطورة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام