بعد جدل داخلي وضغوطات دولية، سحبت الحكومة العراقية قانون الحشد الشعبي من مجلس النواب، رغم تعهدات قوى الإطار التنسيقي تمريره خلال الفترة المقبلة من عمر البرلمان الحالي.

وخلال الأشهر الماضية، تدخلت الولايات المتحدة عبر رسائل متكررة حذرت فيها الجانب العراقي من تداعيات تمرير قانون الحشد الشعبي، ويأتي هذا بالتزامن مع ضغوط أمريكية لتفكيك الفصائل المسلحة وحل الحشد الشعبي أو إعادة هيكلته من جديد بشكل يضمن خضوعه لسلطة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة، ووضع حد لتحولات الفصائل المنضوية فيه بين الدولة تارة واللا دولة تارة أخرى.

وأكد النائب عن ائتلاف دولة القانون حسين البطاط، سحب قانون الحشد الشعبي من قبة البرلمان العراقي.

وقال البطاط في تصريحات صحفية: إن "الحكومة قامت بسحب قانون هيكلة الحشد الشعبي من مجلس النواب دون معرفة الأسباب"، معتبراً أن "هناك ضغوطاً مورست من دول على الحكومة لتعطيل القانون".

ودعا البطاط مجلس النواب بالضغط على "الحكومة لإعادة إرسال القانون للتصويت عليه قبل انتهاء الدورة النيابية، داعيا إلى الابتعاد عن الضغوطات الداخلية والخارجية والتصويت على قانون الحشد الشعبي".

وفي وقت سابق كشف النائب جواد اليساري أن الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية تقف وراء عرقلة تمرير قانون هيكلية الحشد الشعبي داخل مجلس النواب.

ولفت اليساري إلى وجود اعتراضات وانقسامات من مختلف المكونات، سواء السنية أو الكردية أو حتى الشيعية حول قانون الحشد، حيث انقسمت بعض أطرافها بين مؤيد ومعارض، الأمر الذي أبقى العراقيل قائمة أمام إقرار القانون الذي يؤكد المدافعون عنه أهميته في حفظ حقوق المقاتلين.

وقرر تحالف الإطار التنسيقي الحاكم في العراق تعطيل قانون الحشد الشعبي، ونقلت صحيفة الشرق الأوسط عن قيادي في الإطار قوله: إن "التحالف حسم أمره في اجتماع عقده أخيراً، بشأن وقف إجراءات كانت محل خلاف حاد مع واشنطن".

وأوضح أن "قادة الإطار توصلوا إلى قناعة بأن تمرير قانون الحشد لن يحقق مصالح للبلاد، لا سيما وأن المؤشرات التي ترد من واشنطن مقلقة، وتستدعي التريث في تمرير هذا القانون".

ويرهن التحالف الحاكم خطوته المقبلة لحسم مصير مقاتلي الحشد بنتائج الصراع حول مصير سلاح حزب الله اللبناني، وبحسب القيادي فإن "كل شيء سيتوقف على ما إذا كان حزب الله قادراً على التموضع مجدداً، بالسلاح أو من دونه".

وكان مسؤولون عراقيون ومراقبون للشأن السياسي قد حذروا من جدية واشنطن في فرض عقوبات على العراق في حال إصرار بغداد على تمرير قانون الحشد، على اعتبار أن القانون سيعزز النفوذ الإيراني في البلاد، لا سيما بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكية وكبار المسؤولين الأمريكيين وصفوا التصويت على القانون بمثابة اختيار العراق للمعسكر والخندق الإيراني.

وفي وقت سابق، أكد النائب محمد نوري العبد ربه عدم امكانية تمرير قانون الحشد الشعبي، وقال في حديث لشبكة "الساعة": إن "القانون رافقته ضغوط أمريكية لرفض تمريره وقابلتها ضغوط من الجانب الإيراني لتمريره"، لكنه استبعد إمكانية تمرير القانون خاصة وأن فيه مجازفة كبيرة من الحكومة العراقية قد تفضي إلى تعرض البلاد إلى عقوبات اقتصادية وربما عسكرية.

ترحيل القانون للدورة البرلمانية المقبلة

ورجح الباحث في الشأن السياسي صباح العكيلي أن تكون الضغوط الأمريكية على الحكومة والبرلمان والإطار التنسيقي السبب وراء سحب قانون الحشد الشعبي، مستبعدا امكانية تمريره في الدورة البرلمانية الحالية.

وقال العكيلي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لم يصدر لغاية الآن أي موقف رسمي بشأن السبب وراء سحب قانون الحشد الشعبي من قبل مجلس الوزراء"، لكنه كشف عن "معلومات تفيد بوجود اتفاق بين الإطار ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني على تأجيل تمرير القانون إلى الدورة البرلمانية المقبلة لأن موضوع تمريره حاليا أمرا في غاية الصعوبة".

وأشار العكيلي إلى أن "سحب القانون وترحيله إلى الدورة المقبلة يأتي على خلفية الضغوط الأمريكية حيث أن إقرار القانون سيضع الحكومة والعملية السياسية في تحدٍ مع الإدارة الأمريكية لرفضها لإقرار القانون".

سحب القانون جنب العراق العقوبات

من جانبه، اعتبر رئيس مركز رصد للدراسات محمد غصوب سحب قانون الحشد بالخطوة الصحيحة التي من شأنها تجنيب العراق للعقوبات الأمريكية.

وقال غصوب في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحكومة العراقية وخلال التصعيد الذي شهده الشرق الأوسط نجحت في أمرين، الأول عندما جنبت العراق الدخول في الصراع الدائر بين إيران والكيان الصهيوني، والثاني عندما سحبت قانون الحشد الشعبي"، مؤكدا أن "تمرير هذا القانون كان سيؤدي إلى تعريض العراق للعديد من العقوبات الأمريكية".

ووصف غصوب تصريحات بعض الأطراف والقادة في الإطار والفصائل المسلحة بشأن تمرير القانون رغما عن الرفض الأمريكي وتلويحهم بالدخول إلى البرلمان بزي الحشد العسكري لتمرير القانون يمثل جزء من الدعاية السياسية والانتخابية والمزايدة التي لن ولم تجد أي نفع، منوها إلى أن "القانون لم يشهد إجماعا من القوى السياسية بل كان محل خلاف حيث رفضته القوى السنية والكردية كما رفضه أطرافا عدة داخل البيت السياسي الشيعي".

وتوقع غصوب ترحيل القانون إلى "الدورة البرلمانية المقبلة"، مستبعداً أن "تكون الغاية من السحب هو التعديل"، ومشددا على أن "تمرير هكذا قانون يتطلب توافقا داخليا من جهة، وخلق رسائل إيجابية للجانب الأمريكي من جهة أخرى تتضمن بدمج الحشد في الأجهزة الأمنية وإلغاء المكاتب الاقتصادية وأن تلك القوات تابعة للدولة وليس للفصائل الولائية".

مصير قانون الحشد

أما رئيس المركز العراقي للدراسات غازي فيصل، فأكد أن العراق تجنب عقوبات كارثية بسحب هذا القانون، فيما أشار إلى أن مستقبل القانون سيكون إما في طريق الزوال والسحب النهائي أو في طريق السحب التكتيكي بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في المرحلة المقبلة.

وقال فيصل في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون الحشد الأخير ومن الوجهة الأمريكية كان يسعى لتحويل الحشد إلى حرس ثوري عراقي على غرار الحرس الثوري الإيراني وأن يكون مؤسسة دفاعية مستقلة في قرارها وسلطتها والمشاركة بالحرب من عدمها وهو ما أثار الرفض الأمريكي تجاه القانون".

وأضاف أن "وجود 34 فصيلا مسلحا ضمن الحشد تعتبرهم الولايات المتحدة جهات معادية لها تعمل على استهداف قواتها ومصالحها في المنطقة يعتبر عاملا مهما في رفض واشنطن تمرير القانون الخاص بالحشد"، مبينا أن "تلك الفصائل أثبت في أكثر من مناسبة عدم التزامها بقرارات القائد العام للقوات المسلحة والدولة العراقية ولا حتى المرجعية الدينية في النجف، ودليل ذلك رفضها الاستجابة لدعوة المرجع علي السيستاني لحصر السلاح بيد الدولة".

ونوه فيصل إلى أن "الحكومة العراقية أدركت أنها لو حولت الحشد إلى حرس ثوري عراقي فإن واشنطن ستنفذ عقوبات صارمة على بغداد ولا سيما في الجانب الاقتصادي، خاصة وأن الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط وأن الاحتياطي العراقي موجود في البنك الفيدرالي الأمريكي".

وختم فيصل حديثه بالقول: إن "القانون إما سيكون نحو السحب النهائي بسبب رفضه المطلق من الجانب الأمريكي، وإما ستتعامل حكومة بغداد مع سحبه بشكل تكتكي بانتظار ما ستصل لها الأمور في المرحلة المقبلة".