لم تمض إلا أيام معدودة على الإعلان ببدء سحب القوات الأمريكية من العراق، حتى جاء تحذير من السفارة الأمريكية في بغداد ليحذر من عودة خطر تنظيم "داعش"، ليضع هذا التحذير العديد من الفرضيات حول مستقبل الأوضاع الأمنية في العراق وطبيعة وحجم الوجود العسكري الأمريكي فيه.

وكشفت مصادر صحفية أن واشنطن قررت بشكل مفاجئ خلال الساعات الماضية سحب جميع جنودها من قاعدتي عين الأسد وفكتوريا بالعراق، وأكدت أن القوات الأميركية شرعت في نقل عناصرها إلى أربيل وبلد عربي مجاور.

وأشارت المصادر إلى أن الأميركيين أبلغوا نظراءهم العراقيين أنهم سيسرعون عملية الانسحاب ولن يلتزموا بالجدول الزمني الموضوع ضمن اتفاقية الإطار بين البلدين.

التحذيرات الأمريكية جاءت عبر تغريدة نشرتها السفارة الأميركية في بغداد على حسابها الرسمي في منصة "X"، جاء فيها: إن "الولايات المتحدة تواصل إعطاء الأولوية للشراكات مع الحلفاء والجهات الفاعلة الإقليمية في مكافحة الإرهاب".

وأضافت أنها "تعرب عن قلقها العميق إزاء العمليات المستمرة والتوسعات الإقليمية لتنظيمي داعش في العراق والشام والقاعدة".

وأكدت السفارة الأمريكية أن "الولايات المتحدة تشيد بالدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي واصلت الضغط لمكافحة الإرهاب في العراق وسوريا والصومال، الأمر الذي حدّ من عمليات داعش".

ويأتي هذا التحذير تزامناً مع انطلاق أولى مراحل انسحاب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من العراق، حيث خرج رتل عسكري أمريكي بالفعل من قاعدة عين الأسد العراقية بمحافظة الأنبار باتجاه سوريا الاثنين الماضي.

ويشمل الجدول انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة "عين الأسد" وبغداد بنهاية أيلول/سبتمبر 2025، مع نقل جزء منها إلى أربيل والكويت، فيما سينخفض عدد القوات تدريجياً من نحو 2000 إلى أقل من 500 جندي في أربيل.

لكن الرد الرسمي العراقي لم يتأخر، وجاء لينفي وجود مخاطر على أمن البلاد من تنظيم داعش الذي وصف بالمشلول والعاجز عن تهديد العراق.

وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، أن عصابات داعش الإرهابية لا تشكل خطرا على البلاد.

وقال النعمان للوكالة الرسمية: إن "عصابات داعش لا تشكل خطرا على العراق، وقواتنا الأمنية متمكنة وعلى أهبة الاستعداد للتعامل مع التطورات الأمنية، ولدينا يومياً متابعة وعمليات أمنية واستخبارية ضد العناصر الإرهابية أينما وجدت وهي تتلقى ضربات مستمرة بفضل عزيمة ويقظة القوات الأمنية".

وأضاف أن "الحدود مؤمنة بالكامل، وأي تطورات إقليمية لا تؤثر على أمن العراق بشكل مباشر، ونحن مطمئنون لقدرات القوات الأمنية الميدانية والاستخبارية".

وتابع النعمان: أن "المخاوف الدولية من عصابات داعش لا ترتبط بالوضع العراقي، فالتنظيم بطبيعة الحال يمثل خطرا إقليميا ودوليا ويتواجد بعدة دول، وقدر تعلق الأمر بالعراق فإن التنظيم مشلول ويتلقى ضربات مستمرة من قبل القوات الأمنية وبكامل العدة والعدد وبأعلى المعنويات".

وعن هذا الموضوع كشف برلماني عراقي عن أن الانسحاب الأمريكي العسكري من العراق بهذه السرعة يوحي بوجود متغيرات جديدة تشهدها المنطقة والعراق قريبا.

وأكد النائب في حديث لشبكة "الساعة" مفضلا عن ذكر اسمه أن التطورات المقبلة تحتمل كل السيناريوهات، لكنه استبعد أن يعاد سيناريو داعش مرة أخرى إلى العراق.

ولفت إلى أن "السلطات العراقية في بغداد تدرك جيدا أن الانسحاب الأمريكي في ظل وجود تصعيد وتوتر في العلاقة مع واشنطن سيدفع باعتبار العراق جزء من المشروع الإيراني وبالتالي قد يكون مستهدفا في المرحلة المقبلة، وهو ما تحاول السلطات الرسمية في بغداد تجنبه والحفاظ على علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة بعيدا عن تصعيد قوى اللا دولة الموالية لإيران".

إلى ذلك يرى استاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الانسحاب الأمريكي العسكري من العراق يعطي انطباعا بأن حدثا هاما سيضرب المنطقة وأن الإدارة الأمريكية تريد من هذا الانسحاب حماية جنودها من الاستهداف على الأراضي العراقية.

وقال الفيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الولايات المتحدة بدأت أكثر جدية في موضوع انسحاب قواتها العسكرية من العراق والذي يعطي انطباعا بأن حدثا هاما سيصيب المنطقة"، مبينا أن "واشنطن بهذه الخطوة تريد أن تحمي قواتها خشية استهدافها مع تزايد فرص تجدد المواجهة بين إسرائيل وإيران والتوقعات بدخول الولايات المتحدة هذه المرة طرفا أساسيا في هذه المعركة".

وأضاف: أن "الانسحاب الأمريكي رافقه هذه المرة تحذيرات جدية من الجانب الأمريكي بوجود مخاطر من تنظيم داعش، وهذا يأتي متوافقا مع بعض التسريبات عن تهريب أو هروب بعض سجناء داعش من السجون السورية في الجهة الشرقية".

 ولفت إلى أن "أمريكا ستستغل المتغيرات المقبلة في المنطقة ولا سيما بعد المواجهات المتوقعة بين طهران وتل أبيب إلى إقامة قواعد كبيرة على طول الحدود العراقية وذلك من أجل إكمال نهجها في تطويق إيران"، مشيرا إلى أن "واشنطن ستعمل على تطويق إيران من العراق بعد تطويقها من جهة الشمال عبر الممر الممتد من تركيا وأرمينا وأذربيجان وكذلك تطويقها من جهة الخليج".

وحذر الفيلي من أن "يتبع الانسحاب العسكري الأمريكي الحالي تداعيات أبرزها العودة بشكل أكبر إلى العراق وبعيدا عن الاتفاقات الأمنية المبرمة بين الجانبين العراقي والأمريكي".

كما حذرت الباحثة في الشأن السياسي نوال الموسوي من تداعيات الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، فيما دعت الحكومة العراقية إلى مراجعة التحذيرات الأمريكية الأخيرة بشأن القلق من عودة تنظيم "داعش" إلى المنطقة.

وقالت الموسوي في حديث مع شبكة "الساعة": إن "بيان السفارة الأمريكية وتحذيراتها الأخيرة يمثل رسائل متعددة منها ما يعكس رغبة بالبقاء العسكري وتمسك بالعلاقة مع العراق كشريك أساسي، ومنها أيضا محاذير حقيقية يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار".

وأضافت أن "حكومة العراق مطالبة بمراجعة مضامين البيان والتحذير الأمريكي قبل الإصرار على إنهاء مهمة التحالف الدولي أو سحب القوات الأمريكية من العراق".

في حين يرى السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة انتفاض قنبر أن تحذير الجانب الأمريكي يستند على معلومات حقيقية لا سيما مع سعي بعض الأطراف العراقية المتنفذة جر العراق إلى المعسكر الإيراني.

وقال قنبر في حديث مع شبكة "الساعة": إن "انشغال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني منشغل في الوقت الحالي بالحصول على الولاية الثانية، فيما تحاول بعض الأطراف سحب العراق إلى المعسكر الإيراني"، مبينا أن "المعلوم للجميع أن تنظيم داعش يستغل حالة الانقسام والصراع التي تشهدها العملية السياسية"، مؤكدا أنه "لا يمكن في حال تكرار نفس الأخطاء السابقة أن يحصل العراق على نتائج مختلفة وإيجابية".

وسبق أن أوصى معهد "نيو لاين انستيتيوت" الأمريكي، المختص بالشؤون السياسية والعسكرية، إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتمديد بقاء القوات الأمريكية بالعراق حتى عام 2029، محذراً من خطورة الانسحاب المفاجئ على قدرات قوات الأمن العراقية وجهود محاربة تنظيم "داعش".

وأشار التقرير إلى أن مقاتلي "داعش" عززوا زخمهم في بادية سوريا استعداداً لعودة عبر الحدود إلى العراق، وهو مصدر قلق دفع الحكومة الاتحادية العراقية إلى دق ناقوس الخطر والسعي إلى شراكة أمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة".