بعد انتظار دام لنحو عشر سنوات، شرعت السلطات العراقية بإجراءات فتح مقبرة الخسفة في مدينة الموصل مركز محافظة نينوى والتي تعد أكبر مقبرة جماعية في العراق.
وأطلقت الحكومة المحلية في نينوى بالتعاون مع محكمة استئناف نينوى ودائرة المقابر الجماعية التابعة لمؤسسة الشهداء اليوم الأحد، المرحلة الأولى لأعمال فتح مقبرة الخسفة.
والخسفة هي حفرة طبيعية جيولوجية عميقة تقع في منطقة العذبة على بعد 20 كم جنوبي الموصل، واستغل تنظيم "داعش" خلال سيطرته على مدينة الموصل وعورة الطرق المحيطة بالحفرة وحولها إلى مقبرة جماعية للآلاف من ضحاياه المدنيين والعسكريين.
وتعد مقبرة الخسفة أبرز الشواهد على بطش وإرهاب تنظيم "داعش" بحق سكان الموصل الذين ما تزال توجه لهم تهم الانتماء لـ"داعش" واحتضانه، لاسيما وأن أغلب الضحايا الذين قتلوا وألقيت جثثهم في المقبرة هم من سكان الموصل وتحديدا من العرب السنة وذلك بسبب انتمائهم لأجهزة الدولة الرسمية ومعارضتهم لسياسات التنظيم خلال سيطرته على المدينة بين العام 2014 و2017.
ومنذ تحرير الموصل عام 2017، تصاعدت الأصوات المطالبة لفتح المقبرة والكشف عن الضحايا وانتشال بقايا الرفات وتسليمها لذوي الضحايا ليتسنى دفنها، إلا أن مشاكل أمنية ومالية حالت دون فتحها طيلة الفترة الماضية.
وتشكل إجراءات فتح مقبرة الخسفة الجماعية خطوة مهمة للتقدم في ملف الكشف عن المغيبين الذين اختطفهم تنظيم "داعش" دون أن يسلم ذويهم جثث الضحايا.
وقال محافظ نينوى عبد القادر الدخيل في مؤتمر صحفي من موقع مقبرة الخسفة وحضرته شبكة "الساعة": إن "الحكومة المحلية وبدعم من محكمة استئناف نينوى شرعت بأعمال فتح مقبرة الخسفة التي تعد المقبرة الأكبر على مستوى العالم".
وأكد الدخيل أن "المقبرة تضم 20 ألف رفات وهم جميعهم من أبناء محافظة نينوى ومن جميع المكونات والانتماءات من المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والكرد وغالبية سكان نينوى ومدينة الموصل وهم من العرب السنة"، مشيراً إلى أن "تنظيم داعش خلال العام 2015 أقدم على إعدام أكثر من 2000 شخص في يوم واحد وهم من أبناء مدينة الموصل".
ولفت محافظ نينوى إلى أن "السلطات المحلية متعهدة بمواصلة العمل في فتح مقبرة الخسفة رغم التحديات المالية والأمنية التي تواجه الأعمال التي ينفذها الفريق الوطني للمقابر الجماعية، فيما كشف عن أن الأعمال التي تنفذ حاليا تشمل المرحلة الأولى، بينما سيتم إطلاق المراحل المقبلة لاحقا بعد إكمال جامعة الموصل للدراسات التي يتم الإعداد لها عن طبيعة الأرض في الموقع والمياه الكبيرتية على اعتبار أن موقع حفرة الخسفة موقع غريب من الجغرافية والطبعية وما يزال يحمل الكثير من الأسرار غير المعروفة لا سيما المتعلقة بالعمق الشديد للحفرة".
وشدد عبد القادر الدخيل على أن "هذه المقبرة تمثل دليلا واضحا على أن الموصل كانت أبرز ضحايا تنظيم داعش وأن التنظيم لم يفرق في إجرامه بين فئة وأخرى ومكون وآخر، فيما لم يحدد الدخيل موعدا لإنهاء العمل في فتح المقبرة لا سيما وأن العمل يتطلب صعوبة بالغة في فتح حفرة الخسفة وهي المقبرة الرئيسية التي كانت جثامين الضحايا ترمى فيها".
وأوضح أن "إدارة المحافظة ستعمل على إنشاء نصب يخلد ذكرى ضحايا المقبرة وسيتم العمل عليه إما قرب المقبرة أو داخل مدينة الموصل".
أما مدير عام دائرة المقابر الجماعية في العراق ضياء كريم، فاعلن أن العمل في مقبرة الخسفة يتضمن حاليا المرحلة الأولى والتي تشمل تنظيف محيط حفرة الخسفة وانتشال الجثث المتبعثرة ومن ثم يتم الشروع بفتح الحفرة الرئيسية والتي تشكل النقطة الأكثر صعوبة، مبينا أن العمل ليس سهلا وسيكون معقدا للغاية.
وقال كريم في مؤتمر صحفي حضرته شبكة "الساعة": إن "المرحلة المقبلة تتطلب مقابلة عائلات الضحايا وأخذ عينات منهم لغرض انجاز الفحوصات الطبية لإثبات هوية الضحايا والتعرف عليهم، ومن ثم إكمال الدراسات التي تعدها جامعة الموصل لبحث طبيعة التربة في حفرة الخسفة والتعامل معها بطريقة علمية لإنجاح المهام".
ولفت كريم إلى أن "المقابر الجماعية في عموم محافظة نينوى وصلت لـ 132 مقبرة، بينها 94 مقبرة تم فتحها، فيما لم يتم افتتاح 38 مقبرة لغاية الآن أبرزها مقبرة الخسفة جنوب الموصل"، ونوه إلى "فتح مقبرة الخسفة يتطلب جهدا وطنيا كبيرا وربما يتطلب دعما دوليا لإكمال الأعمال".
وأفاد مدير دائرة المقابر الجماعية إلى أن "قضاء سنجار يتصدر مقابر محافظة نينوى بعدد المقابر، حيث تضم 96 مقبرة، تم فتح 74 مقبرة فيما يجري العمل على فتح باقي المقبل تباعا"، مبينا أن "دائرته كانت تسجل مقبرة بئر علو في قضاء تلعفر على أن مهام فتحها هي الأصعب، إلا أنه باتت على قناعة بأن العمل الأصعب سيكون في حفرة الخسفة".
من جهته، كشف رئيس فريق التنقيب عن المقابر الجماعية في العراق أحمد الأسدي عن وجود صعوبات تواجه العمل في فتح مقبرة الخسفة.
وقال الأسدي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "أبرز التحديات التي تواجه العمل تتمثل في توفير التخصيصات المالية ومعالجة الألغام والمخلفات الحربية لا سيما مع وجود معلومات تتحدث عن قيام تنظيم داعش بوضع عبوات غير منفلقة مع الجثث التي ألقيت في الحفرة، إضافة إلى وجود المياه الكبريتية في قعر الحفرة".
وأوضح الأسدي أن "المرحلة الأولى من أعمال فتح مقبرة الخسفة ستتواصل لمدة 15 يوما، وتتضمن رفع الرفات وبقايا الهياكل العظمية والمخلفات الحربية من محيط الحفرة الرئيسية، ومن ثم يبدأ العمل لاحقا في المراحل المقبلة"، مبينا أنه "لا يمكن تحديد وقت ومراحل العمل في الوقت الحالي، على اعتبار أن ذلك مرهون بعدد الرفات والمعوقات التي تواجه العمل".
ونوه الأسدي إلى "أهمية الدعم الدولي للفرق الوطنية للمقابر الجماعية، كاشفا عن الاستعانة أيضا بالعديد من المنظمات الدولية لإكمال اعمال فتح مقبرة الخسفة ولاسيما في الأمور المتعقلة بملفات التربة والمياه الكبريتية في عمق الحفرة".
وفي وقت سابق، أكدت جهات عراقية رسمية وشبه رسمية أن العراق لا يمكنه بمفرده القيام بأعمال فتح مقبرة الخسفة كونها الأكثر تعقيدا بين المقابر الجماعية، ودعت تلك الجهات حينها إلى إدارة هذا الملف من قبل الجهات الدولية المتخصصة سواء من دول أو منظمات دولية.
وعبر الناشط من محافظة نينوى عمار العكيدي عن شعور الحزن والفرح للبدء بفتح مقبرة الخسفة، واصفا أياها بأنها جرح نينوى النازف والذي لا يندمل.
وقال العكيدي في حديث مع شبكة "الساعة": إن "افتتاح المقبرة يعيد الأحزان إلى ذوي الضحايا الذين لم تجف دموعهم بعد على ذويهم الذين فقدوهم على يد عصابات داعش، وفي ذات الوقت تمثل الإجراءات فرحة للكثير على اعتبار أنها تمهد لتكريم رفات الضحايا المغدورين".
وأضاف أن "خطوة السلطات العراقية فتح المقبرة جاءت متأخرة بعد 9 سنوات من استعادة السيطرة على الموصل، ولكنها أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي"، لكنه شدد على "ضرورة انجاز الأعمال بصورة عاجلة من خلال ضمان تأمين الدراسات وتوفير المخصصات المالية والخبرات الدولية المطلوبة في انجاح العمل"، محذرا من أن "تأخر انجاز العمل في فتح المقبرة سيزيد من غضب ذوي الضحايا على السلطات العراقية التي تأخرت في الأساس لحسم هذا الملف".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام