أثارت زيارة أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى العراق وتوقيع اتفاقية أمنية بين بغداد وطهران مخاوف عراقية، بشأن توجه السلطات للتخندق ضمن أحد معسكري الصراع الأمريكي – الإيراني، وذلك رغم الإجماع الدولي على عزل ومحاصرة النظام الإيراني والرغبة برسم خارطة جديدة في الشرق الأوسط تخلو من الهيمنة الإيرانية السابقة.

ووسط أجواء دولية مشحونة وتوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" من جهة أخرى، أجرى لاريجاني زيارة رسمية إلى العاصمة بغداد لتوقيع اتفاقية أمنية ثنائية مع الحكومة العراقية، قبل أن يتوجه إلى لبنان.

وفيما يتعلق بالاتفاقية الأمنية مع العراق، قال لاريجاني: إن "الهدف الرئيس من هذه الاتفاقية هو منع أي جهة أو دولة من زعزعة أمن أحد البلدين، إيران والعراق، لذا فإن الفكرة الرئيسية وراء هذه الاتفاقية هي إرساء الاستقرار في العلاقات بين البلدين".

وأضاف لاريجاني: "نعتقد أن هذه الاتفاقية نموذج للتعاون الأمني يمكن تعميمه على دول أخرى، أي أن هدفنا هو أن تكون جميع دول المنطقة آمنة وقوية"، وتابع: أن "الهدف من الاتفاقية هو عدم ترك مجال للآخرين للإخلال بأمن البلدين".

وقبل يومين وقع الاتفاقية الأمنية بين إيران والعراق علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وقاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي العراقي، بحضور رئيس الوزراء العراقي.

ويرى مراقبون وباحثون سياسيون أن الاتفاق الأمني العراقي - الإيراني يعني تخندق العراق في الخندق الإيراني الذي يخوض مواجهة مع المجتمع الدولي بسبب سياساته الخاطئة والعدوانية في المنطقة، كما توقعوا أن زيارة لاريجاني لم تقتصر على الاتفاقية الأمنية وإنما شملت الحديث عن الموقف الإيراني المصر على تمرير قانون الحشد الشعبي، إلى جانب ملفات سياسية أخرى.

وأثارت الاتفاقية الأمنية رفضا وغضبا أمريكيا، إذ أكدت واشنطن أن الاتفاقية ستفضي إلى تحويل العراق إلى دولة تابعة لإيران.

وأعربت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس عن رفضها ومعارضتها لأي تشريع يتقاطع مع أهداف الولايات المتحدة، ويتناقض مع جهود تعزيز المؤسسات الأمنية القائمة في العراق، مؤكدة أن بلادها تدعم السيادة العراقية الحقيقية لا التشريعات التي من شأنها تحويل العراق إلى دولة تابعة لإيران.

ووفقاً لبيان للسفارة العراقية في واشنطن، صدر في وقت متأخر من ليل أمس الثلاثاء، فإنه "تعقيباً على ما ورد في تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية خلال مؤتمرها الصحافي الأخير، فإن العراق دولة ذات سيادة كاملة، وله الحق في إبرام الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وفقاً لأحكام دستوره وقوانينه الوطنية، وبما ينسجم مع مصالحه العليا".

وأضافت أن "العراق يتمتع بعلاقات صداقة وتعاون مع عدد كبير من دول العالم، بما في ذلك دول الجوار الجغرافي، والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الصديقة، ويحرص على بناء هذه العلاقات على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".

وشددت السفارة على أنّ "العراق ليس تابعاً لسياسة أي دولة، وأن قراراته تنطلق من إرادته الوطنية المستقلة"، مؤكدة أن "الاتفاقية الأمنية الموقعة أخيراً مع الجانب الإيراني تأتي في إطار التعاون الثنائي لحفظ الأمن وضبط الحدود المشتركة، وبما يحقق استقرار البلدين وأمنهما، ويخدم أمن المنطقة ككل".

بالمقابل، رفضت الحكومة العراقية انتقاد واشنطن لاتفاقية أمنية وقعت بين بغداد وطهران، مؤكدة أن العراق ليس تابعاً لأي دولة وأن قراراته تأتي عبر إرادته الوطنية.

وأكد مسؤول في وزارة الخارجية العراقية أن "العراق لا يسعى لاستفزاز واشنطن من خلال مذكرته الأمنية مع طهران"، مضيفاً أن "إيران تضغط باتجاه تعزيز التعاون الأمني مع بغداد، خاصة بما يتعلق بملف الحدود والتسلل والتعاون الاستخباري، وأن ذلك لا يتعارض مع مصلحة بغداد"، وتابع: أن "بغداد لا تريد أن تخسر أياً من الطرفين".

من جهتها، أدانت السفارة الإيرانية في بغداد، ما سمته التدخل الأميركي بشأن العلاقات الثنائية بين إيران والعراق.

وقالت السفارة في بيان إن: "تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، المعارضة لتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين إيران والعراق التي تهدف إلى تعزيز أمن البلدين ومكافحة الإرهاب، تُعدّ تدخّلاً غير مقبول في العلاقات بين دولتين مستقلتين جارتين".

 وعدت تلك التصريحات دليلاً واضحاً على "النهج المزعزع للاستقرار الذي تتبعه الولايات المتحدة تجاه دول المنطقة، وعلامة على الجهود المستمرة لصانعي القرار في هذا البلد لإثارة الفُرقة بين الشعوب الجارة والمسلمة"، مشددةً على أن "مثل هذه المواقف التدخّلية تُعدّ انتهاكاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي القائم على التعاون بين الدول".

وأكد الباحث للشأن السياسي العراقي غانم العابد أن إيران تسعى من الاتفاقية الأمنية الأخيرة إلى الحفاظ على نفوذها في العراق وذلك بعد تراجع نفوذها في عموم المنطقة، ويشير إلى أن الزيارة تضمنت أهدافا أخرى غير معلنة أبرزها الضغط من أجل تمرير قانون الحشد الشعبي وإجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في موعدها المقرر في نوفمبر من العام الجاري.

وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة": إن "زيارة لاريجاني تحمل الكثير من الملفات حسب الأولية"، وأضاف: أن "الملف الأول هو دعم إيران لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر شهر نوفمبر المقبل وذلك لضمان بقاء الإطار التنسيقي الحليف لطهران في المشهد السياسي العراقي، على اعتبار أن أي تأجيل للانتخابات سيدفع إلى تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة إنقاذ وطني، كما تحدث بذلك قبل أيام رئيس البرلمان محمود المشهداني، وكذلك أشار إلى ذلك وزير الخارجية العراقية الأسبق هوشيار زيباري الذي توقع حدوث معارك مقبلة في المنطقة وهو ما سيؤدي إلى تأجيل الانتخابات العراقية".

وتابع العابد: أن "تأجيل الانتخابات وتشكيل حكومة طوارئ في العراق يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية سيكون لها اليد العليا في تشكيل هذه الحكومة وبالتالي إبعاد النفوذ الإيراني عن المشهد السياسي العراقي في المرحلة المقبلة".

وأوضح أن "الملف الثاني للزيارة يمثل الإصرار الإيراني نحو تمرير قانون الحشد الشعبي داخل مجلس النواب"، مبينا أن "من المفارقات في هذا الموضوع أن نواب الإطار التنسيقي والقوى الشيعية قادرون بمفردهم تمرير القانون دون حضور ومشاركة النواب السنة والكرد، ولكن ما يلاحظ أن نواب الإطار يحاولون الهروب من تمرير القانون وترحيله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، بسبب وجود أصوات داخل الإطار تحذر من تمرير القانون وما سيترتب عليه من عقوبات ومواقف أمريكية".

ولفت العابد إلى أن "الملف الثالث هو محاولات إيران تطمين حلفائها بعد حل الحشد الشعبي وعدم نزع سلاح الفصائل المسلحة، لكنه توقع صعوبة تحقيق لاريجاني أهدافه من هذه الزيارة بسبب تراجع النفوذ الإيراني في الفترة الأخيرة من جهة والضغوط الأمريكية المخالفة للتوجهات الإيرانية في العراق من جهة أخرى"، فيما شدد على أن "طهران تحاول من خلال زيارة لاريجاني الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها في العراق لأنها تعلم جيدا أن نفوذها المطلق في الفترة السابقة بات من غير الممكن مستقبلا".

ويتفق الباحث والمحلل السياسي مصطفى العبيدي مع ما ذكر سابقا من أهداف معلنة وغير معلنة وراء زيارة أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى العراق، لكنه يرى في مساعي إيران من هذه الزيارة محاولة لتوريط العراق في الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة.

وقال العبيدي في حديث لشبكة "الساعة": إن "إيران تسعى لتوريط العراق من خلال عقد اتفاقية أمنية مع العراق في هذا التوقيت"، مبينا أن ذلك يعني بشكل صريح أن العراق دخل في الخندق الإيراني المعادي للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل".

وأضاف أن "الحكومة العراقية كان عليها ألا تقع بهذا المطب ولا سيما مع احتمالية عودة الصراع في المنطقة"، مشيرا إلى أن "عدم وضع السلطات العراقية هكذا ملفات في الحسابات يعني أنها معدومة الإرادة تجاه إيران والتي ما تزال تشكل عاملا مؤثرا على الحكومة العراقية".