غابت أنشطة المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب والميليشيات المسلحة عن الواجهة الإعلامية لكنها لم تغب عن الأنشطة المالية والاقتصادية بمختلف أشكالها في محافظة نينوى، فالمكاتب الاقتصادية باتت تنفذ أعمالها بصمت إما بسبب تهديداتها لوسائل الإعلام والعاملين فيها أو بسبب استعانتها بشخصيات محلية تنفذ أنشطتها لإبعاد الشبهة عن تلك المكاتب والجماعات.

لكن ممارسات المكاتب الاقتصادية عادت للظهور علنا بعد أن فرضت مبالغ مالية على الفلاحين من مناطق غرب نينوى بذريعة الرسوم التي يتم جبايتها عبر علوات بيع الخضراوات، وهو ما يرفضه الفلاحون ويصفونه بالإتاوات.

وأكد فلاحون من مناطق غرب نينوى والتي تشمل مناطق البعاج وتلعفر وسنجار وربيعة وزمار الواقعة شرق مدينة الموصل، أن جهات متنفذة تدعم مستثمر علوة الخضراوات في ناحية ربيعة قامت بفرض رسوم مالية خلافاً للقانون مقابل السماح بنقل المحاصيل الزراعية وبيعها.

وأبلغ فلاحون شبكة "الساعة" بأن جهات متنفذة مرتبطة بمكاتب اقتصادية للفصائل العراقية فرضت رسوماً مالية عليهم، مقابل السماح لهم بإدخال المحاصيل الزراعية إلى الموصل ونقلها إلى مناطق أخرى وبيعها، مؤكّدين أن تلك الجهات قامت بنصب حواجز تقوم من خلالها بفرض الإتاوات التي تصل إلى أكثر من 400 ألف دينار (نحو 300 دولار) على كل سيارة شحن مُحمّلة بالمحصول.

ونظم عدد من فلاحي ومزارعي ناحية ربيعة وقفة احتجاجية للتنديد بمحاولات إعادة فرض رسوم وصفوها بالإتاوات غير القانونية على منتجاتهم الزراعية، مؤكدين تعرضهم لضغوط من مستثمر علوة مدعوم من جهات متنفذة.

وقال الفلاحون إن "ما يجري هو محاولة من قبل مستثمر علوة ربيعة وبدعم من أطراف متنفذة لإعادة فرض رسوم مالية على شاحنات المحاصيل الزراعية تتراوح ما بين 250 إلى 400 ألف دينار عراقي، لقاء السماح لها بدخول الموصل عبر بوابة الشام، وهو أمر مرفوض قانوناً وعرفاً".

وأضاف البيان أن "الفلاحين اعتادوا على نقل وبيع منتجاتهم مباشرة إلى الموصل دون المرور عبر علوة ربيعة، وبالتالي لا توجد مبررات قانونية لفرض رسوم من قبل مستثمر العلوة عليهم"، مشيرين إلى أن "محاولات المستثمر مدعومة بترويج إعلامي على مواقع التواصل لإعادة فرض هذه الرسوم، بذريعة أنه حصل على استثمار العلوة بمبلغ مرتفع، وهو خلاف بينه وبين الدولة ولا علاقة للفلاحين به.

ودعا المزارعون الحكومة المحلية والقضاء العراقي إلى التدخل السريع لوضع حد لهذه التجاوزات، التي تُعد حرباً اقتصادية على الفلاح العراقي وتؤثر سلباً على الإنتاج المحلي والأمن الغذائي.

إلى ذلك قال المزارع نايف السلطان إن "أحد الأشخاص استثمر مؤخرا علوة بيع الخضراوات في ناحية ربيعة ثم قام بفرض رسوم خلافاً للقانون على الفلاحين، رغم عدم بيع محاصيلهم فيها، وهو خلاف لما هو معمول به أو متعارف عليه".

وأضاف: أن "المستثمر يرتبط بجهات متنفذة مسلحة ودليل ذلك قيام الأشخاص التابعين له بنصب حواجز على الطريق الرابط بين مناطق غرب نينوى والموصل، لفرض تلك المبالغ على السيارات، وبعد الشكوى عليهم لدى القضاء جرى التدخّل قبل أيام، وبعد ذلك اختفت تلك الحواجز، ولكن فوجئ الجميع بظهور أتباعه داخل الحاجز الرئيسي التابع للأجهزة الأمنية المعروف باسم (بوابة الشام)، وقاموا بفرض الإتاوات على المزارعين من داخل نقطة التفتيش".

 وأشار إلى "تدخل شخصيات عشائرية وتواصلهم مع القضاء أدى إلى إبعاد هؤلاء الأشخاص من المكان ومنعهم من فرض الرسوم"، مؤكداً أن "هؤلاء الأشخاص عادوا للظهور لابتزاز الفلاحين، فيما تجرى محاولات من المستثمر المدعوم من جهات متنفذة لإعادة فرض الإتاوات عبر نقاط التفتيش مرة ثانية".

مستثمرون لدى المكاتب الاقتصادية

من جهته، أكد مصدر في محافظة نينوى أن المستثمر وهو من محافظة البصرة يرتبط بالمكاتب الاقتصادية للفصائل المسلحة، وأنه حصل على فرصة استثمار علوة الخضراوات في ناحية ربيعة بعد تهديد المشاركين في المزايدة وإبعادهم عنها.

وقال المصدر في حديث لشبكة "الساعة": إن "المستثمر حصل على عقد العلوة من دائرة بلديات نينوى بمبلغ مليار و700 مليون دينار، وبسبب نفوذ الجهات الداعمة له يسعى لفرض رسوم غير قانونية على الفلاحين"، مبينا أن "تحركات المستثمر وأتباعه ودخولهم ضمن إحدى السيطرات الرئيسية قرب الموصل جاء نتيجة النفوذ الذي تمتلكه الجهات الداعمة له".

وكشف المصدر عن أن "مجموعة من الفلاحين وسائقي سيارات نقل المحاصيل رفضوا دفع مبالغ مالية فتعرضوا لإطلاق نار من عناصر الشرطة في سيطرة مدخل الموصل الغربي الأسبوع الماضي بذريعة خلق الفوضى والاعتداء على نقطة التفتيش"، مبينا أنه "تم إطلاق سراحهم خلال الساعات الماضية".

إتاوات وخاوات

وعد أعضاء في مجلس محافظة نينوى ما يحدث من ابتزاز الفلاحين بأنه فرض "للخاوات" والإتاوات من قبل المكاتب الاقتصادية، مؤكدين ضرورة تحرك القضاء العراقي والسلطات المحلية والمركزية لوقف تلك الخروقات التي تهدد الأمن والاستقرار في المحافظة.

وقال عضو المجلس مهند نجم الجبوري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "المجلس وردته شكاوى من فلاحي غرب نينوى عن تعرضهم لعمليات ابتزاز وفرض إتاوات ومبالغ مالية كبيرة مقابل السماح لهم بتمرير محاصيلهم وبيعها في مدينة الموصل".

وأضاف الجبوري: أن "الفلاحين مطالبون بتقديم شكاوى رسمية في القضاء العراقي لملاحقة المستثمر وأتباعه وكشف الجهات الاقتصادية التي تدعمه لوضع حد لتلك الأنشطة غير الشرعية"، مبينا أن "أبواب القضاء مفتوحة وفي حال عجز الفلاحين وخشيتهم من تقديم الشكاوى فعليهم أن يطرقوا باب المجلس لينوب عنهم في تقديم تلك الشكاوى لدى القضاء".

وأكد الجبوري أن "نينوى شهدت في الفترة الماضية تصاعدا في أنشطة المكاتب الاقتصادية"، مبينا أن "هذه الأنشطة تراجعت لكنها لم تتوقف ومستمرة في ابتزاز الفلاحين والصناعيين والمستثمرين والمقاولين وغيرهم من الشرائح".

أما عضو مجلس محافظة نينوى سعدون الشمري فوصف فرض الرسوم على الفلاحين بذريعة خدمات يقدمها مستثمر العلوة في ناحية ربيعة بأنها إتاوات تفرض على أهالي نينوى في وضح النهار.

وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "ابتزاز الفلاحين وفرض الإتاوات عليهم مستمر رغم محاولات عدة من نواب ومسؤولين وقفها"، مؤكداً "ضرورة أن تتحرك السلطات المحلية في نينوى والمركزية في بغداد لإنقاذ الفلاحين الذين يجبرون على دفع الإتاوات، بينما يمنع الرافضون لدفع تلك المبالغ من بيع المحاصيل أو دخول الموصل لنقلها، محذراً من أن استمرار تلك الأمور يؤدي إلى انعدام ثقة المواطنين بالسلطات الحكومية بوصفها عجزت عن حمايتهم وحماية أموالهم".

خسائر وعزوف عن الزراعة

في الأثناء أكد اتحاد نقابة الفلاحين في نينوى أن فرض الرسوم على المزارعين من قبل أحد المستثمرين المتنفذين تسبب بخسائر كبيرة لهم، مبينا أن استمرار هذه الرسوم قد تدفع الكثير من الفلاحين بالعزوف عن الزراعة في المواسم المقبلة.

وقال عضو اتحاد الفلاحين في نينوى ثامر الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفلاح يعاني من غياب الدعم الحكومي من جهة وغياب القوانين التي تحمي المنتج المحلي، وإضافة لذلك تفرض الإتاوات على الفلاحين، الأمر الذي ألحق بهم خسائر مالية".

 وبين أن "الفلاحين لم يعد باستطاعتهم تسديد ما عليهم من ديون لقاء زراعة تلك المحاصيل"، داعيا السلطات العراقية إلى "التدخل لإنقاذ الزراعة والفلاحين ووقف عمليات الابتزاز التي تطاولهم والإتاوات التي تفرض عليهم وتقديم الدعم اللازم لهم أسوة بمزارعي إقليم كردستان".

استفحال المكاتب الاقتصادية أمام عجز الدولة

وفي السياق كشف الناشط السياسي الموصلي عمر اللهيبي عن خضوع جميع الأنشطة المالية والاقتصادية والاستثمارية للمكاتب الاقتصادية سواء التابعة للفصائل أو التابعة للأحزاب السياسية.

وقال اللهيبي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نينوى ومنذ انتهاء عمليات التحرير عام 2017 أصبحت ساحة مفتوحة للميليشيات والقوى السياسية التي تمتلك جميعها مكاتب اقتصادية مهمتها فرض الإتاوات وأخذ العمولات من المشاريع وابتزاز المستثمرين والصناعيين وأخيرا المزارعين"، مبينا أن "أنشطة هذه المكاتب لا حصر لها وباتت تدخل في جميع الفعاليات اليومية والأنشطة المالية والاقتصادية سواء لمؤسسات الدولة أو التابعة للقطاع الخاص".

وأضاف أن "الجهات المتنفذة والمسؤولين باتوا هم المستثمرين لتجارة العقارات والأملاك ومنح المشاريع وأخذ العمولات منها مقابل السماح بإحالتها وكذلك المطاعم وقاعات الأعراس والمقاهي ومحطات تعبئة الوقود الأهلية ومكاتب الصيرفة وفعاليات أخرى".

 وشدد على أن "عدم توقف تلك الأنشطة يرجع إلى ضعف السلطات الحكومية التي عجزت عن فرض القانون ومحاسبة تلك المكاتب"، ومنوها إلى أن "هذه الأنشطة مستمرة لغاية اليوم رغم صدور قرارات من رؤساء الوزراء السابقين بوقفها".

ابتزاز الصناعيين

وفي وقت سابق، طالب عضو مجلس النواب عن محافظة نينوى، أحمد الجبوري، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، بتشكيل لجنة تحقيقية عليا، للنظر في عملية ابتزاز تعرّض لها أحد أصحاب المعامل الصناعية في المنطقة الحرة بقضاء تلكيف، من قبل أشخاص ادعوا الانتماء إلى الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي.

وذكر الجبوري في بيان أن "العملية وقعت في السادس من تموز/ يوليو الجاري، حين قامت مجموعة تستقل عجلة بيضاء (بيك آب دبل قمارة) من دون لوحات، بمداهمة معمل (النجم للزجاج) في منطقة فلفيل التابعة للمنطقة الحرة، ومطالبة صاحبه بمبالغ مالية على شكل (إتاوات)".

وأضاف أن "صاحب المعمل رفض الخضوع للابتزاز، ما أدى إلى حصول مشاجرة بينه وبين أفراد المجموعة الذين لاذوا بالفرار تاركين العجلة والسلاح، وبعدها تم التعرف على أحد المهاجمين وهو عنصر في الحشد الشعبي يدعى (محمود ناصر حسن) منسوب إلى الفوج الثالث في لواء 50، بابليون بزعامة ريان الكلداني".

وأشار الجبوري، إلى أن "صاحب المعمل تقدم ببلاغ رسمي، إلا أن ضغوطات لاحقة مورست ضده من قبل شخص ادعى أنه ضابط برتبة رائد في مديرية أمن تلكيف، إضافة إلى تدخل مسلحين آخرين لثنيه عن تقديم شكوى".

وأكد النائب، أن "مثل هذه التصرفات تمثل خطراً على السلم المجتمعي والاقتصاد المحلي، مطالباً الحكومة بتشكيل فريق تحقيق رفيع المستوى لكشف الجهات المتورطة، ومنع تكرار هذه الظواهر التي قال إنها تحتمي بمظلة الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي، ولفت إلى أن هذه الممارسات تعيد إلى الأذهان مشاهد الابتزاز التي كانت تمارسها بعض الجهات قبل عام 2014".