منذ أول انتخابات بعد 2003، تغيّر وجه التصويت في العراق مرارًا، ففي كل دورة انتخابية، كانت الدوافع تتبدل، والآمال ترتفع أو تنهار، والمشاركة تتأرجح بين الحماسة والمقاطعة، ويرافق هذا التقلّب تحولات كبرى عاشها البلد أمنيًا وسياسيًا، بين الاحتلال والاقتتال، وبين الصعود والانهيار، فكان التصويت أحيانًا فعل إثبات وجود، وأحيانًا أخرى مجرد صرخة في الفراغ.

ومن أول انتخابات في ظل الاحتلال، إلى آخر اقتراع محلي وسط سخطٍ شعبي وعزوف واسع، تغيّر مزاج الناخب العراقي بتقلبات تاريخية من التصويت بدافع الهويّة الطائفية، إلى التصويت خوفًا من الإرهاب، ثم نقمةً على الطبقة الحاكمة، وصولًا إلى محاولة يائسة للبحث عمّن "يخدمني بدل من يُمثّلني".

هذا التقرير يرصد مسارًا طويلًا من التحولات في مزاج الناخب العراقي، ويستعرض كيف انتقل من التصويت باسم الطائفة والقومية، إلى العزوف باسم الإحباط، ثم إلى بحث متردد عن الخدمات فعلًا.

1- انتخابات كانون الثاني 2005 (انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية) – لحظة التشكل: الطائفة أولاً 

- نسبة المشاركة: شهدت انتخابات كانون الثاني 2005 تفاوتًا حادًا بين محافظات الوسط والغرب ذات الأغلبية السنية – التي قاطعت إلى حد كبير – وبين محافظات الجنوب والفرات الأوسط ذات الأغلبية الشيعية ومحافظات إقليم كردستان

قاطع معظم العرب السُنّة اقتراع كانون الثاني 2005، مما انعكس في نسب متدنية جدًا في الأنبار وصلاح الدين (2% و29% فقط على التوالي)، وفي نينوى أيضًا (17%) في المقابل.

في حين شهدت المحافظات ذات الأغلبية الكردية والشيعية إقبالًا كثيفًا – تجاوز 70–80% في العديد منها، بلغ عدد المصوّتين الإجمالي نحو 8 ملايين و550 ألف ناخب من أصل 14 مليوناً و660 ألف ناخب مسجّل، أي 58% كما سبقت الإشارة.

- السياق العام: أول انتخابات بعد سقوط نظام صدام حسين، في ظل وجود الاحتلال الأمريكي وتفكك الدولة وتصاعد خطاب المظلومية.

مزاج الناخبين:

- الجمهور الشيعي: شارك الشيعة بكثافة في الانتخابات بدافع استرداد ما يعدونه حقًا سياسيًا، في ضوء تصورات سادت لديهم حول تعرضهم للتهميش في العقود السابقة، وصوّت معظمهم للائتلاف العراقي الموحد الذي يحمل طابعًا دينيًا وطائفيًا.

- الجمهور الكرادي: تصويت قومي للحزبين الرئيسيين.

- الجمهور السنّي: قاطعوا الانتخابات، باعتبارها "مشروعًا أميركيًا".

- النتيجة: هيمنة شيعية وكردية، وضعف تمثيل السنّة بشكل ملحوظ

- التحليل: الناخب صوّت لهويته الطائفية والقومية لا لبرامج أو مرشحين.

2- انتخابات كانون الأول 2005 (انتخابات نيابية ومجالس محافظات) – تثبيت الهوية

- نسبة المشاركة: في انتخابات كانون الأول 2005 شاركت معظم القوى والتيارات بما فيها السُنّة الذين كانوا قد قاطعوا سابقًا فارتفعت نسب الإقبال في كل المحافظات مقارنة بانتخابات كانون الثاني، بلغت المشاركة الوطنية حوالي 79% (حوالَي 12.4 مليون ناخب من أصل 15.57 مليونًا)، توزعت نسب التصويت بالمحافظات بشكل متقارب نسبيًا.

وأشارت تقارير وبيانات نسب المشاركة يوم الاقتراع إلى أن محافظة صلاح الدين ذات الأغلبية السنية شهدت إقبال  بنسبة بلغت حوالي 83% كما سجلت الأنبار أيضًا نسبة مرتفعة مقارنة بالمقاطعة السابقة (تقدّر بحدود 55–60%) وفي عموم المناطق السنية كان الإقبال قويًا مدفوعًا برغبة المشاركة بعد مقاطعة الانتخابات السابقة.

أما في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية والكردية فاستمر الإقبال الكثيف الذي كان معتادًا منذ كانون الثاني ومع صعوبة الحصول على بيانات دقيقة منشورة لكل محافظة إلا أن جميع المحافظات الثماني عشرة شهدت إقبال الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في تلك الدورة التاريخية ووصُنّفت هذه الانتخابات بأنه الأعلى مشاركة في تاريخ الانتخابات العراقية.

- السياق العام: إقرار الدستور، بداية تكريس المحاصصة، مشاركة السنة السياسية.

- مزاج الناخبين:

- الجمهور الشيعي: تكرار التصويت على أسس طائفية.

- الجمهور الكرادي: الحفاظ على مكتسبات إقليم كردستان.

- الجمهور السنّي: شاركوا جزئيًا بهدف عدم تفويت الفرصة.

- التحليل: تم تثبيت نظام التمثيل الطائفي، وغابت لغة "المصلحة العامة" لصالح "الهوية المذهبية".

3- انتخابات 2009 (محلية) – المزاج الخدمي

- نسبة المشاركة: جرت انتخابات مجالس المحافظات الثانية في 31 كانون الثاني 2009 وشملت 14 محافظة (جميع المحافظات عدا إقليم كردستان وكركوك). بلغ متوسط المشاركة الوطني حوالي 51%. 

بلغت نسب التصويت في الأنبار ~40% وصلاح الدين 65%. في المقابل، لوحظ انخفاض الإقبال في بعض المحافظات الجنوبية ففي البصرة  بلغت نسبة التصويت 48%، وميسان 46%.

ويرجع ذلك ربما إلى شعور المواطنين بخيبة أمل من أداء مجالس المحافظات السابقة أو بفعل منع التجوال يوم التصويت الذي اضطر الناخبين للمشي مسافات طويلة للوصول للمراكز، كما كان للصراعات السياسية داخل البيت الشيعي والتي بدأت الظهور إلى العلن لأول مرة في هذه الانتخابات مما تشتت الكتلة الانتخابية الشيعي، ومع ذلك قوبلت نسبة الـ51% عمومًا بالرضا الرسمي، ووصفتها المفوضية بأنها مقبولة دوليًا لمثل هذه الانتخابات المحلية.

- السياق العام: تحسن نسبي في الوضع الأمني، نهاية الحرب الطائفية، بروز صراعات داخل الطائفة الواحدة (خاصة الشيعية).

- مزاج الناخبين: بدأ الناخب العراقي يتجه لانتخاب "من يخدمه" لا "من يمثل طائفته".

- أمثلة:

- انحسار نفوذ المجلس الأعلى الاسلامي.

- صعود أحزاب أخرى يقترب خطابها من الحس الوطني 

- التحليل: بداية تفكك التصويت الطائفي، وصعود خطاب "الدولة والخدمات".

4- انتخابات 2010 (نيابية) – المالكي و علاوي: الدولة أم الطائفة؟

- نسبة المشاركة: جرت انتخابات 7 آذار 2010 وسط تحسّن نسبي في الوضع الأمني مقارنة بسنوات العنف الطائفي 2006–2007. بلغت نسبة المشاركة الرسمية حوالي 60%. 

اتسمت انتخابات 2010 بتقارب نسب التصويت بين العديد من المحافظات؛ إذ سجلت المحافظات الكردية أعلى نسب إقبال فبلغت نحو 74–76% في دهوك وأربيل والسليمانية كما استمر ارتفاع المشاركة في كركوك وصلاح الدين إلى (حوالي 70%)، مما يعكس مشاركة كثيفة في بعض المحافظات السُنّة في هذه الانتخابات.

فيما تراوحت أغلب محافظات الوسط والجنوب بين 55% و60%، بينما سجلت محافظة ميسان نسبة مشاركة دون 50%، وربما يرجع ذلك لتحديات لوجستية أو إحباط محلي آنذاك، بالإجمال صوّت حوالي 11 مليونًا و500 ألف ناخب من أصل 18 مليونًا  و900 ألف ناخب مسجّل في 2010.

- السياق العام: تصاعد نفوذ المالكي كقائد أمني، وظهور إياد علاوي كمرشح عابر للطوائف.

- مزاج الناخبين:

- الجمهور الشيعي: دعم جزئي للمالكي على خلفية مشروع "القائد القوي".

- الجمهور السنّي: اندفعوا خلف علاوي بصفته "العلماني الشيعي المعتدل".

- الجمهور الكرادي: حافظوا على مصالحهم بتحالفات خاصة.

- النتيجة: قائمة علاوي حصلت على أعلى الأصوات، لكن تم تشكيل الحكومة للمالكي بتحالفات ما بعد النتائج.

- التحليل: تجربة مؤلمة للسنّة رسّخت الشك بالنظام، وفتحت الباب لخيبة سياسية لاحقة. (عمّقت شعور التهميش لدى السنة ورسّخت الشكوك بمصداقية النظام السياسي)

5. انتخابات 2013 (محلية) – الاحتجاجات تلوح في الأفق

- نسبة المشاركة: أجريت دورة 2013 على مرحلتين: 20 نيسان (في 12 محافظة)، ثم 20 حزيران (في الأنبار ونينوى بعد تأجيلها)؛ ولم تُجرَ في إقليم كردستان أو كركوك وبلغ المعدل الوطني حوالي 51%، وجاءت نسب التصويت متقاربة لمعظم المحافظات وضمن نطاق 40–60%. محافظات مثل كربلاء وبابل وذي قار وغيرها سجلت حوالي 50–60% في حين كانت نسبة المشاركة في الأنبار ونينوى عند إجرائها في حزيران أقل بقليل (حوالي 40–45% بسبب التوترات الأمنية آنذاك).

 بشكل عام أكد مراقبون أن نسبة الإقبال في 2013 كانت أقل بقليل من 2009 في أغلب المناطق، مما عكس تزايد الشعور بالإحباط السياسي رغم أن تلك الانتخابات كانت الأولى بعد انسحاب القوات الأمريكية نهاية 2011، ومما أثر سلبًا أيضًا تصاعد التوتر الأمني عام 2013 (بداية ظهور تنظيم داعش وتمرد الفصائل في بعض المناطق) والذي دفع البعض للعزوف.

- السياق العام: صعود الاحتجاجات السنّية، غياب الثقة بالحكومة، واتساع رقعة التهميش.

- مزاج الناخبين:

- الجمهور السنّي: صوتوا في بعض المناطق لممثليهم العشائريين أو الزعامات الجديدة.

- الجمهور الشيعي: انقسموا بين الولاء الحزبي وبين التذمر من الفساد.

- التحليل: شكّلت الانتخابات مؤشرًا مبكرًا على توتر قادم في المشهدين الأمني والسياسي، إذ بدأت ملامح العزوف عن المشاركة في الظهور بوضوح، تزامنا مع تصاعد الأزمات التي مهّدت لاحقًا لظهور تنظيم "داعش".

6- إنتخابات 2014 (نيابية) – تصويت للخوف

- نسبة المشاركة: أجريت انتخابات 30 نيسان 2014 قبيل اجتياح تنظيم "داعش" لمساحات واسعة من البلاد بشهرين  حيث بلغت نسبة المشاركة المعلنة نحو 60% (حوالي 13 مليون ناخب من أصل 21 مليونًا و500 ألف ناخب).

 ورغم التهديد الأمني المتصاعد في بعض المناطق (خاصة الأنبار التي كانت تشهد اضطرابات واعتصامات، ونينوى قبيل اجتياح داعش لها)، شهدت معظم المحافظات مشاركات معتدلة إلى مرتفعة.

ولم تنشر المصادر الرسمية نسب المحافظات، لكن تقارير المفوضية أشارت إلى أن المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط (مثل كربلاء، النجف، بابل، واسط، ذي قار، القادسية، والبصرة) تراوحت نسب الإقبال فيها بين 50% و65%، أما بغداد العاصمة فجاءت قريبة من المعدل العام بنحو 60%.

وفي المحافظات السنية تباين الوضع: بعض الأقضية في الأنبار لم يتم فيها تصويت فعليًا بسبب الوضع الأمني، ما خفّض النسبة هناك، لكن محافظات مثل صلاح الدين ونينوى سجلت نسبًا متوسطة بين 50% و60% بحسب توقعات غير رسمية، في المقابل، حافظت محافظات إقليم كردستان على نسب مشاركة عالية قدّرت بحدود 70% فأكثر في دهوك والسليمانية وأربيل.

بشكل عام ورغم التحديات لم تقل نسبة مشاركة أي محافظة عن حاجز 40–45% في انتخابات 2014، مما جعلها آخر انتخابات عراقية تتخطى فيها نسبة التصويت الوطنية عتبة الـ60%.

- السياق العام: تهديد "داعش"، احتجاجات في المناطق الغربية، وقمع للاحتجاجات، وخوف وجودي في الشارع العراقي.

- مزاج الناخبين:

- الجمهور الشيعي: خيّم الخوف من تصاعد التهديدات الأمنية وتنظيم داعش على مزاج الناخب الشيعي، فدفع كثيرين للتصويت مجددًا لنوري المالكي بوصفه الخيار القائم في لحظة اضطراب، رغم قناعتهم المتزايدة بأنه فشل في ضبط الأمن، فقد كانت البلاد تشهد انهيارًا أمنيًا متسارعًا في وقت كان المالكي يحتكر جميع المناصب الأمنية الحساسة، من قيادة القوات المسلحة، إلى وزارتي الدفاع والداخلية، مرورًا بالأمن الوطني والاستخبارات، ما كرّس نموذج الحكم الفردي وزاد من هشاشة مؤسسات الدولة.

- الجمهور السنّي: اتسم المزاج السني بالحذر والشك، بين من قاطع الانتخابات احتجاجًا على التهميش، ومن شارك بدافع الحدّ الأدنى من التمثيل، عبر التصويت لزعامات عشائرية أو محلية ضمن بيئة مضطربة وغير مستقرة.

- الجمهور الكرادي: سادت بين الناخبين الأكراد قناعة بضرورة تثبيت المكاسب السياسية والجغرافية في ظل الانشغال الأمني لبغداد، ما دفعهم للمشاركة بنسب مرتفعة، خاصة في المناطق المتنازع عليها، كجزء من استراتيجية توسّع ميداني لتعزيز حضور الإقليم في المشهد العراقي.


التحليل: مثّلت انتخابات 2014 ذروة التداخل بين الأمن والسياسة، إذ عاد الناخب العراقي إلى التصويت وفق انتمائه الطائفي، لا انطلاقًا من قناعة عقائدية، بل تحت وطأة الخوف والقلق الوجودي، وكانت لحظة انتخابية محكومة بهاجس البقاء، لا برؤية سياسية، في مشهد بدت فيه صناديق الاقتراع أقرب إلى ملاجئ مؤقتة أمام عاصفة وشيكة. 

7- انتخابات 2018 (نيابية) – ما بعد "داعش": العزوف والخيبة

- نسبة المشاركة: مثّلت انتخابات 12 آيار 2018 تحولًا لافتًا في عزوف الناخبين، إذ بلغت نسبة المشاركة الإجمالية 44.5% فقط، وهي أدنى ما سُجّل في أي انتخابات وطنية عراقية حتى ذلك الحين، حيث تباينت نسب التصويت بين المحافظات لكن ضمن نطاق منخفض عمومًا: وفي أعقاب نهاية الحرب ضد تنظيم "داعش"، وما كان يُفترض أن يكون لحظة انتقال نحو الاستقرار تحوّل إلى محطة خيبة واسعة فقد تراجعت الحماسة السياسية، وتفشّى الإحباط الشعبي بفعل الفساد المستشري، وتآكلت الثقة بالأحزاب التقليدية، في وقت غابت فيه أي رؤية إصلاحية مقنعة تُعيد جذب الناخب العراقي إلى صناديق الاقتراع.

- بغداد: أقل من 33% بحلول ظهر يوم الاقتراع وفق مفوضية الانتخابات، وارتفعت قليلًا بنهاية اليوم (قدّرت بحوالي 42% في الرصافة و33% في الكرخ بمتوسط قرابة 37% للعاصمة).

- محافظات الجنوب: بلغت نسبة المشاركة نحو 40% أو أقل بقليل، على سبيل المثال، صرّح مسؤولون بأن البصرة وميسان سجلتا إقبالًا ضعيفًا مرتبطًا بسخط شعبي من الأداء الحكومي، وكانت النسبة في البصرة حوالي 44% وفي ميسان أقل من 40%، بينما تراوحت نسب المشاركة في محافظات ذي قار والقادسية والمثنى ضمن أوائل الأربعينات مئويًا، بما يعكس نمطًا لحالة العزوف العام في الجنوب.

- محافظات الفرات الأوسط (كربلاء، نجف، بابل، واسط): تراوحت أيضًا بين 40% و50% ومثّل ذلك انخفاضًا ملحوظًا عن الدورات السابقة في هذه المناطق المعروفة تقليديًا بإقبال أعلى.

- المحافظات ذات الغالبية السنية: استمرت نسب العزوف العالية التي برزت بعد دحر "داعش" حيث قدّرت المشاركة في الأنبار بنحو 30% فقط، وفي صلاح الدين حوالي 34%، أما نينوى (التي تحررت حديثًا من داعش وفيها عدد كبير من النازحين) فسجلت تقريبًا 40%، كثير من الناخبين في هذه المحافظات لم يتمكنوا أو لم يرغبوا في التصويت إما لفقدان الثقة أو لعدم عودتهم لمناطقهم بعد الحرب.

- إقليم كردستان: حتى في المحافظات الكردية التي دأبت على نِسَب مشاركة مرتفعة، شهدت 2018 فتورًا؛ إذ تقدر المشاركة في أربيل وحلبجة بحوالي 50%، السليمانية أقل من 40% (بسبب إحباط الناخب الكردي من انقسام الأحزاب والخلافات بعد استفتاء 2017)، في حين حققت دهوك النسبة الأعلى تقريبًا والتي قاربت 55%.

هذه الأرقام تعكس مزاج الشارع عام 2018: إحباط عام، إجراءات أمنية صارمة (حظر المركبات يوم التصويت أثّر على الوصول لمراكز الاقتراع)، مشاكل فنية في أجهزة التصويت الإلكتروني الجديدة؛ صوت 10 ملايين و 800 ألف ناخب من أصل 24 مليونًا و300 ألف ناخب يحق لهم التصويت، إضافة إلى عدم إدلاء معظم النازحين بأصواتهم؛ إذ صوت 285 ألف نازح فقط من أصل مليونين.

 

- السياق العام:
انتهاء المعركة مع داعش، تراجع الحماسة، تفشي الفساد، غياب الثقة بالأحزاب.

- مزاج الناخبين:

- نسبة مشاركة متدنية.

- ظهور "تحالف سائرون" مدعوم من الصدر كبديل إصلاحي.

- صعود جزئي للمستقلين.

غلب على المزاج العام شعور باللامبالاة والخيبة من أداء القوى التقليدية، في ظل تفشي الفساد وضعف الخدمات وفي هذا المناخ، برز تحالف سائرون كقائمة ذات خطاب إصلاحي، جذب شريحة من الناخبين الباحثين عن بديل، إلى جانب حضور محدود لبعض المرشحين المستقلين، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى تحوّل سياسي عميق.

التحليل: بداية تحوّل من النظام الطائفي إلى "اللامبالاة السياسية"، مع بروز مطالبات بإصلاح النظام الانتخابي.

لم يكن الصمت الشعبي مجرّد عزوف، بل إشارة صريحة إلى أن أدوات الديمقراطية نفسها لم تعد تُقنع جمهورًا يعيش بين تدهور الخدمات وتكرار الوجوه ومن هذه الزاوية بدت الانتخابات وكأنها استُنفدت كآلية شرعية، دون أن تُنتج تغييرًا حقيقيًا في قواعد اللعبة السياسية.

8- انتخابات 2021 (نيابية) – مطالب ثورة تشرين 

- نسبة المشاركة: جاءت انتخابات 10 تشرين الأول 2021 استجابةً لمطالب احتجاجات تشرين 2019،  التي قُتل فيها أكثر من 600 متظاهر وجُرح الآلاف، وسط انهيار الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة ولأول مرة منذ 2003 أُجريت الانتخابات بقانون انتخابي جديد وتقسيم مختلف للدوائر لكنها شهدت استمرار نزعة العزوف؛ إذ بلغت نسبة المشاركة الرسمية حوالي 41% فقط (ارتفعت في الإعلان النهائي إلى 43%)، وهي الأدنى في تاريخ الانتخابات البرلمانية العراقية. 

نسبة المقاطعة الكبيرة جاءت رغم التغيير الفني في شكل قانون الانتخابات، إلا إن جوهر المشهد لم يتغير؛ حيث قاطع جمهور واسع من محتجي تشرين الانتخابات عادّين أن النظام لم يستجب لمطالبهم الجوهرية في العدالة والمحاسبة وفي المقابل، صعد عدد من المرشحين المستقلين إلى البرلمان، لكنه كان صعودًا فرديًا لا يستند إلى قاعدة تنظيمية متماسكة، ما سهّل عزله أو استيعابه لاحقًا داخل ديناميكيات السلطة وبقيت القوى التقليدية حاضرة.

تباينات نسب التصويت بين المحافظات عام 2021 لم تكن كبيرة جدًا إذ ساد العزوف عمومًا في معظم المناطق:

- بغداد: بلغت المشاركة حوالي 31% في جانب الكرخ و34% في الرصافة حسب أرقام المفوضية الأولية – أي بمتوسط نحو الثلث فقط.

- المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط: لم تتجاوز أي منها حاجز 45%، حيث سجلت البصرة نحو 43%، ذي قار 42%، الديوانية 44%، كربلاء 46% تقريبًا، النجف 41%، واسط 47%، بابل 46% تقريبًا.

 هذه النسب أقل بشكل ملحوظ عن 2014 وما قبل، وتظهر حالة الإحباط الشعبي حتى في المعاقل التقليدية للمشاركة المرتفعة.

- المحافظات ذات الغالبية السنية: استمر ضعف الإقبال رغم تحسن الأمن؛ الأنبار حوالي 43%، صلاح الدين 48%، نينوى 42% لكون الكثير من الناخبين غير مقتنعين بجدوى الانتخابات أو يشعرون أن النظام السياسي لا يمثلهم.

- إقليم كردستان: سُجّلت أيضًا نسبة مشاركة متدنية قياسًا على تاريخ الإقليم الانتخابي؛ السليمانية كانت الأدنى ( أقل من 40%) بسبب دعوات مقاطعة من أحزاب معارضة، أربيل ودهوك حققتا نسبًا أعلى قليلًا (~50%) بفضل قواعد الأحزاب الحاكمة هناك، لكنها تظل أقل من معدلات ما قبل 2018.

- السياق العام: انتفاضة تشرين 2019، مقتل مئات المتظاهرين، قانون انتخابي جديد.

- مزاج الناخبين:

- مقاطعة كبيرة من جمهور انتفاضة تشرين.

- صعود مستقلين، لكن بدون قاعدة تنظيمية.

- استمرار هيمنة قوى تقليدية بوجوه جديدة

التحليل: صعود هش للمستقلين، واستمرار سطوة الأحزاب التقليدية وإنْ كانت بوجوه جديدة فقد كانت تلك الانتخابات إعلانًا واضحًا عن مأزق التمثيل في العراق، حيث لم تعد صناديق الاقتراع وحدها قادرة على استعادة الثقة أو إعادة إنتاج شرعية مقبولة شعبيًا

9- انتخابات 2023 (محلية) – العودة للمحلي والمنفعة المباشرة

- نسبة المشاركة: مثّلت انتخابات 18 كانون الأول 2023 عودة متأخرة للاقتراع المحلي بعد 10 سنوات من حل مجالس المحافظات، في ظل حكومة جديدة وعدت بإجرائها.

شملت الانتخابات 15 محافظة (كل محافظات العراق عدا إقليم كردستان الذي يتمتع بنظامه الخاص)، جاءت نسبة المشاركة متدنية جدًا بحوالي 41% فقط – وهي أقل حتى من انتخابات 2018 و2021 البرلمانية – رغم المناشدات الرسمية للتصويت وتوزعت النسب على المحافظات كالتالي بحسب البيانات الأولية: بغداد ~33%، البصرة ~44%، ذي قار ~37%، ديالى ~40%، الأنبار ~46%، نينوى ~42%.لم تتجاوز أي محافظة حاجز 50%. 

يعود هذا العزوف الجماعي إلى أسباب سياسية فقد قاطع أنصار التيار الصدري التصويت (بعد أن انسحب التيار من العملية السياسية) مما تسبب في غياب شرائح شعبية واسعة عن المشاركة، كما شعر الكثيرون (خاصة فئة الشباب) بأن لا جدوى من المجالس المحلية بعد تجارب الماضي.

وأشارت دراسة صادرة عن معهد واشنطن وترجمتها شبكة "الساعة" إلى أن "نسبة الإقبال المتدنية في انتخابات مجالس المحافظات 2023 عكست بوضوح حجم الفجوة المتراكمة بين الناخبين والمؤسسات المحلية، التي يُنظر إليها على نطاق واسع كمراكز للفساد والمحسوبية".

فقد بيّنت الدراسة أن "المجالس المنتخبة فقدت وظيفتها الرقابية والخدمية في نظر المواطن، ولم تعد تُنتج تمثيلًا حقيقيًا أو تغيّرًا ملموسًا في مستوى الخدمات، ما عزّز مشاعر الإحباط والعزوف، خاصة في أوساط الشباب والمناطق المحرومة".

 وعد التقرير أن "هذه الانتخابات تحوّلت إلى اختبار للشرعية التمثيلية، لكنها أخفقت في ترميم الثقة أو إعادة إحياء الحماسة الشعبية تجاه صناديق الاقتراع".

- السياق العام: أول انتخابات مجالس محافظات منذ 10 سنوات، غياب التيار الصدري.

- مزاج الناخبين:

- التركيز على الأداء الخدمي المحلي.

- تصويت مناطقي لا طائفي.

- حضور المستقلين محدود وضعيف تنظيميًا.

-التحليل: تحوّل تدريجي في مزاج الناخب من سؤال "من يمثلني؟" إلى "من يخدمني؟.

الخلاصة: مزاج الناخب العراقي – من الهوية إلى المصلحة