سجلت منطقة سهل نينوى مؤخرا هجرة لأبناء المكون المسيحي نتيجة عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي في منطقتهم إلى جانب هيمنة فصائل مسلحة عليها بحسب مصادر مسيحية.
وقال ناشطون حقوقيون من المكون المسيحي في منطقة سهل نينوى لشبكة "الساعة": إن "الأسابيع الأخيرة سجلت هجرة 475 عائلة مسيحية إلى إقليم كردستان وخارج العراق ولا سيما أستراليا وكندا".
وأوضحت ناشطة بارزة في حقوق الإنسان رفضت الكشف عن اسمها خشية الملاحقة أن أغلب العائلات هاجرت بسبب الخشية من نفوذ فصائل مسلحة على مناطقهم في قضائي الحمدانية وتلكيف التابعين لمحافظة نينوى.
وأشارت إلى أن هذه الخشية جاءت بسبب حالة الرعب التي تسببت بها تلك الفصائل ولا سيما كتائب "بابليون" التابعة لريان الكلداني، إذ إن الكثير من الأهالي يفرض عليهم الخضوع لإرادة الفصيل المسلح، وأكدت أن من يخالف تلك الإرادة يتعرض للاستهداف أو التهديد بالقتل.
وحذرت الناشطة الحقوقية من أن استمرار الوضع الحالي في منطقة سهل نينوى ستدفع إلى خلو المنطقة من المكون المسيحي قريبا، فيما أعربت عن خيبة أملها من السلطات العراقية وعجزها عن توفير الحماية للشعب المسيحي الذي بات يواجه خطرا يهدد وجودهم في عموم العراق وخاصة منطقتهم الأصلية في سهل نينوى.
ويؤكد عضو برلمان إقليم كردستان رامي نوري خضوع منطقة سهل نينوى لسيطرة ونفوذ الفصائل المسلحة، واتهمها بتنفيذ أجندات خارجية لدولة جارة في إشارة إلى إيران، فيما حذر من أن الوجود المسيحي في العراق يواجه خطرا حقيقيا.
وقال نوري في تصريح لشبكة "الساعة": إن "منطقة سهل نينوى تخضع لسيطرة ميليشيات مسلحة على هامش الدولة اكتسبت شرعيتها خلال الحرب على داعش وبعد التحرير واستتباب الأمن صادرت المنطقة ولم تسلمها لمؤسسات الدولة وظلت تدير الأمور بها أمنيا واقتصاديا وإداريا حسب ما تقتضيه أجندة تلك الفصائل".
وأضاف أن "هنالك جهة محددة تدعي تمثيل المكون المسيحي جزافا على اعتبار أن نفوذها يرجع لقوة السلاح والمال السياسي"، مبينا أن "هذا الفصيل في إشارة إلى بابليون يوظف سلطته في فرض أجندة إقليمية وطائفية وخارجية، ويختزل التمثيل المسيحي وعن طريق هذا الاختزال يوظف نفوذه لخدمة دولة جارة متناسيا مصلحة الشعب ومصلحة الدولة"، حسب تعبيره.
وأكد نوري أن "عودة أبناء المكون المسيحي إلى مناطقهم في سهل نينوى مرهون بوجود سلطة القانون ومؤسسات الدولة والتي اليوم تغيب بشكل كامل، إلى جانب عوامل أخرى تحول دون عودة النازحين كغياب الشعور بالاستقرار والوضع الاقتصادي المتردي وانعدام فرص العمل وسوء الوضع المعاشي والخدمي والتهميش الذي يتعرض له المسيحيون حتى من خلال القوانين النافذة، إذ إن المواطن المسيحي يعيش في ظل تجاهل كبير لحقوقه المسلوبة".
ولفت إلى أن "حل مشاكل المكون المسيحي وعودة النازحين لن تكون بالكلمات والبيانات السياسية والحكومية وإنما عبر تنفيذ الوعود الضامنة للحقوق على أرض الواقع"، مشدداً على "ضرورة أن تكون الحلول لمشاكل المسيحيين العراقيين وطنية عراقية"، ولكنه نوه إلى أن "غياب تلك الحلول سيدفع المسيحيين إلى طلب تدويل قضيتهم ولا سيما وأنها ترتبط بمصيرهم ومستقبلهم ووجودهم".
وأشار إلى أن "القناعة والإيمان بالتعايش المشترك يجب أن يكون الأساس بالتعامل مع الشعب المسيحي لا أن يكون شعارات ضمن برامج سياسية تقدمها حكومة معينة دون غيرها".
أما السياسي المسيحي والرئيس السابق لهيئة حقوق الإنسان في كردستان ضياء بطرس فشخص جملة أسباب وراء الهجرة المستمرة لأبناء المكون المسيحي من منطقة سهل نينوى.
وقال بطرس في حديث لشبكة "الساعة": إن "مناطق المسيحيين في سهل نينوى والمتمثلة بمنطقة بغديدا (مركز الحمدانية) وبرطلة وكرمليس وبعشيقة ومركز قضاء تلكيف انخفض الوجود المسيحي فيها بشكل مروع في السنوات الأخيرة، فيما تخلو منطقة باطنايا من خلو شبه كامل من المسيحيين بسبب الدمار الذي لحق بها في معارك التحرير ونفوذ الفصائل المسلحة في تلك المنطقة".
وبين أن "تعداد المسيحيين في تلك المناطق قبل عام 2014 كان يزيد عن 130 ألفا لكنه انخفض الآن لنحو 50 ألفا في إشارة واضحة إلى هجرة أبناء المكون ورفض من هاجر سابقا العودة بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والخدمي والأمني".
وأضاف أن "الوجود المسيحي في مدينة الموصل يكاد اليوم يكون معدوما بسبب تهديدات داعش عام 2014 وما قبلها من تهديدات الجماعات الإرهابية، إذ لم تعد إلى الموصل إلا بعض العوائل المسيحية رغم تحرير المدينة منذ عام 2017".
وعزا بطرس أسباب استمرار هجرة المسيحيين إلى "غياب الاستقرار الأمني ونفوذ العسكر والفصائل المسلحة على منطقة سهل نينوى والتي باتت مصدر قلق للأهالي هناك"، مبينا أن "غياب الاستقرار الاقتصادي يمثل سببا آخرا للهجرة فالكثير يبحثون عن فرص العمل دون يجدوها، فضلا عن غياب الاستقرار الأمني في المنطقة التي باتت منطقة صراع على النفوذ بين جهات سياسية تمتلك الفصائل المسلحة".
وأوضح أن "السبب الآخر يتمثل في عدم تنفيذ المادة 140 الخاصة بتقرير مصير المناطق المتنازع عليها ومنها سهل نينوى".
وتابع أن "المسيحيين في العراق معروف عنهم التواجد والعيش تحت مظلة القانون وسيادته وفي حال ضعف القانون وغيابه فإن ذلك كفيل لدفع أبناء المكون إلى الهجرة".
ولفت إلى أن "السبب الآخر للهجرة يرجع لغياب التمثيل السياسي للمسيحيين، إذ ينحصر تمثيلهم اليوم سياسيا وبرلمانيا في بغداد بالكوتا التي تهيمن عليها أحزاب السلطة والفصائل المسلحة المتمثلة بحركة بابليون التي صادرت تمثيل المسيحيين في البرلمان والبالغ 5 مقاعد برلمانية وكذلك في الحكومة عبر الوزارة الممنوحة للمكون وهي وزارة الهجرة التابعة أيضا للكلداني".
ونوه بطرس إلى أن "مصادرة تمثيل المسيحيين يجري أيضا في برلمان وحكومة إقليم كردستان، حيث يسيطر الحزبان الديمقراطي والاتحاد الكردستانيان على مقاعد الكوتا التي يفترض أن تكون محصورة بأبناء المكون المسيحي حصرا كما نص القانون والدستور".
وشدد بطرس على أن "معالجة مشكلة التمثيل السياسي للمسيحيين تكون عبر منح الكوتا بشكل فعلي للمكون وعدم السماح لغير المسيحيين بالتصويت للكوتا وأن ينحصر الترشيح من المسيحيين فقط وليس من أحزاب السلطة وأن تكون هناك قائمة خاصة لاقتراع الكوتات لإنصافهم في التمثيل السياسي".
وفي السياق يرى الكاتب والصحافي العراقي جرجيس توما، أن "سيطرة تنظيم داعش ثم سيطرة الفصائل المسلحة على سهل نينوى، تسببت في إفراغه من المكوّن المسيحي وتراجع أعداد المسيحيين في المنطقة إلى 50 ألف مسيحي فقط في أحسن الأحوال، في الفترة الحالية".
وقال توما في حديث لشبكة "الساعة": إنه "في السابق كان يمنع التملك في سهل نينوى لمن هم من خارجه لتجنب أي مشاريع تغيير ديمغرافي، لكن في الفترة التي أعقبت طرد تنظيم داعش، عبثت الفصائل المسلحة التابعة للحشد الشعبي، وأبرزها لواءا 30 و50، وهما حشد الشبك، وبابليون بالمنطقة عبر المنع (دخول مواد البناء للترميم)، أو التملك، أو البناء، أو استغلال السكان لعقاراتهم وأملاكهم تحت ذرائع مختلفة".
ويضيف: أن "سيطرة تلك الجهات على السهل، مقابل تراجع وجود المسيحيين، جعل الكفة السكانية تميل وبنحو كبير للمكوّن الشبكي"، لافتاً إلى أن "نفوذ الأخير منع الكثير من المسيحيين النازحين في مناطق أخرى داخل العراق والمهاجرين إلى الخارج من العودة".
ويرى توما أنه "لا مستقبل سياسيا للمسيحيين في سهل نينوى، أو حتى إداريا في حال تحوّل إلى كيان إداري كمحافظة على سبيل المثال، لأن الغلبة ستكون حتماً للشبك الذين تصل أعدادهم إلى قرابة 300 ألف، في حين لا تتجاوز أعداد المسيحيين بأفضل حال 50 ألفاً في الوقت الراهن".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام