فاجعة جديدة تحل بالعراق، هذه المرة عبر حريق مبنى تجاري في مدينة الكوت مركز محافظة واسط، والذي خلف عشرات القتلى والمصابين جراء الحريق.
ويقع المبنى المنكوب وسط الكوت، ويتكون من 5 طوابق تضم محلات لبيع الألبسة والبضائع، إضافة إلى مطاعم للوجبات السريعة جرى افتتاحه قبل أسبوع بحسب تأكيد الحكومة المحلية في واسط.
واعلنت وزارة الداخلية ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 61 قتيلا، غالبيتهم قضوا اختناقاً داخل الحمامات نتيجة تصاعد كثيف للدخان، وبينهم (14) جثة متفحمه غير معلومة الهوية.
وقالت الداخلية في بيان إنه "ورغم جسامة الموقف، فقد تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ أكثر من (45) شخصاً كانوا عالقين داخل المبنى"، فيما بدأت بإجراءات التحقيق للوقوف على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاع الحريق، وتحديد مواضع الخلل والمسؤولية بدقة وشفافية.
وبحسب مصادر من واسط فإن حصيلة الضحايا قابلة للارتفاع بسبب حالات الإصابة الشديدة، وبينت أن من بين الضحايا ثلاث أسر قضت بالكامل، فيما تم نقل 40 مصاباً إلى المستشفيات، بعضهم في حالة حرجة.
وتفاعل العراقيون مع فاجعة الكوت التي هزت الرأي العام، وسط اتهامات للسلطات الحكومية بعدم متابعة شروط السلامة والدفاع المدني في غالبية المباني التجارية والسياحية وقاعات الأعراس.
وتأتي الحادثة كغيرها من حوادث الحريق السابقة، بسبب غياب إجراءات السلامة والوقاية في المباني والمؤسسات الخاصة والعامة، رغم تعهد السلطات العراقية في أوقات ماضية بفرض تعليمات صارمة بشأن تعزيز إمكانيات الوقاية من الحرائق في جميع المباني.
كما تؤكد الحادثة استفحال الفساد والرشوى وفرض متنفذين أوامرهم على مؤسسات رسمية وغياب المتابعة في مؤسسات الدولة والذي يفضي كله إلى غياب منظومات الدفاع المدني وإجراءات الوقاية من الحرائق في غالبية البنايات الحديثة.
وتذكر فاجعة حريق الكوت بحوادث مؤلمة سابقة سجلها العراق خلال السنوات الخمس الماضية، ابتداء من حريق مستشفى الخطيب في بغداد ومستشفى الحسين في الناصرية عام 2021 والتي خلفت أكثر من مئتي قتيل، مرورا بحريق قاعة العرس في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى والتي راح ضحيتها أكثر من 120 شخصا، وصولا إلى حريق المبنى التجاري في مدينة الكوت.
وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الحداد 3 أيام على ضحايا الحريق في الكوت، وأكد أن حادث الحريق المؤسف حصل بسبب الأخطاء ذاتها التي تسببت بحادثة قضاء الحمدانية والإهمال ذاته والتساهل في شروط الصحة والسلامة المهنية.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن حادثة الحريق في الكوت تؤكد وجود خلل رغم الإجراءات والتوجيهات، ما يستدعي اتخاذ خطوات رادعة وعقابية تتناسب وحجم الخسارة بالأرواح، ووصف الحادث بأنه شكل من أشكال القتل والفساد الذي لا يقتصر على اختلاس الأموال فقط، وإنما في التساهل والتغاضي عن الإجراءات الفنية والإدارية المطلوبة بشأن إجراءات السلامة لهكذا مراكز تسوق.
في الأثناء، أعلن مجلس الوزراء إقرار مشروع قانون تنظيم حقوق ضحايا مستشفى ابن الخطيب في بغداد ومركز النقاء في ذي قار وحادثة الحمدانية في نينوى وهايبر ماركت الكورنيش في واسط، وإحالته إلى مجلس النواب استنادًا إلى أحكام الدستور.
كما أقر تأليف لجنة تحقيقية مختصة تتولى إجراء التحقيق في حادث حريق هايبر ماركت الكورنيش، وتحديد المقصرين ومحاسبتهم، على أن تنجز أعمالها خلال (5) أيام حدًا أقصى، وكذلك تعويض ذوي الضحايا المتوفين نتيجة الحادث بمبلغ (10) ملايين دينار، وتتولى وزارة الصحة معالجة الجرحى داخل العراق أو خارجه ممن تستوجب حالاتهم السفر إلى الخارج وعلى نفقة الحكومة.
وفي تصريح صحفي ورد لوسائل الإعلام وتلقته شبكة "الساعة"، أكد محافظ واسط محمد جميل المياحي أن "الجميع يتحمل المسؤولية عن فاجعة الكوت ابتداء من الحكومة المحلية والجهات الحكومية الأخرى"، مبيناً أن "اللجان الحكومية ستحدد خلال وقت قريب الجهات المعنية بالأمر".
وأوضح المياحي أن "المشروع هو مشروع قطاع خاص مجاز من غرفة التجارة بعنوان مزاولة مهنة وليس مشروع استثماري وهو مشيد على أرض ملك صرف قام مالكه بانشاء مطعم في بداية الأمر وكان خاليا من إجراءات السلامة وتم توجيه انذارات له عبر الدفاع المدني في المحافظة".
وأشار إلى أن "صاحب الأرض قام بإزالة المطعم وإنشاء المبنى التجاري بدلا عنه دون الحصول على الموافقات الرسمية ودون علمها"، لافتاً إلى أن "السبب الأبرز وراء قوة الحريق يرجع لوجود كميات كبيرة من العطور ومواد التنظيف في المبنى".
وحذر المياحي من "استغلال موضوع الحريق سياسيا، فيما تعهد بتقديم الدعم الكامل للجهات التحقيقية لكشف ملابسات الحادث وتحديد الجهة المقصرة ومحاسبتها وفق القانون".
ومن الناحية القانونية، يؤكد الخبير القانوني أمير الدعمي أن المسؤولية تقع على عاتق الجهات الحكومية بسبب استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وملف منح الإجازات للمستثمرين.
وقال الدعمي لشبكة "الساعة": إن "المسؤولية في فاجعة الكوت تتحملها السلطات الحكومية بسبب الفساد المستشري في دوائر الدوائر ومنح الاجازات والرخص وانشاء البيانات دون مراعاة القانون وتطبيقه".
وأضاف الدعمي: أن "الفساد هو سبب ما حصل ويصحل من كوارث وفواجع في العراق وبالتالي فإنه يجب مساءلة الحكومة ودوائرها عن مسؤوليتها بالتقصير والاهمال في منح إجازات البناء والاستثمارات دون مراعاة شروط السلامة"، مبينا أنه "لو كانت هناك معايير في تطبيق القانون دون المحاباة والاستثناءات لما حصلت هذه الحوادث المؤلمة".
من جهتها دعت الناشطة المدنية رؤى النعيمي إلى تشديد الإجراءات الوقائية في كافة المؤسسات الخاصة والعامة قبل وقوع كوارث جديدة.
وقالت النعيمي لشبكة "الساعة": إن "حوادث الحريق المتكررة تؤكد غياب إجراءات الوقاية في الكثير من البنايات نتيجة غياب متابعة الجهات المعنية من جهة، ونتيجة الفساد والرشوة التي من شأنها تمرير الموافقات دون إكمال الشروط الخاصة بالسلامة والأمان".
وحذرت النعيمي من "تكرار الحرائق في مناطق ومحافظات أخر، مؤكدةً: "ضرورة تحرك السلطات الحكومية للتأكد من سلامة جميع المباني التي تشهد اكتظاظا وزخما في عدد الوافدين إليها كالمباني الحكومية والمستشفيات والمدارس وقاعات الأعراس والمقاهي والمطاعم والمولات التجارية وعدم انتظار وقوع الكارثة ومن ثم التحرك للتحقيق أو متابعة تلك المواقع".
كما شددت على "ضرورة إزالة جميع المباني الكرفانية القابلة للاحتراق بسرعة وخاصة في المستشفيات لمنع تكرار هذه الحوادث".
لكن الباحث في الشأن السياسي عادل كمال يتوقع عدم اتخاذ أي إجراءات احترازية حقيقية على الأرض تمنع مستقبلا حدوث مثل هكذا كوارث، عازيا السبب في ذلك إلى وجود جهات متنفذة تملك أغلب المشاريع الاستثمارية في البلاد وتستخدم نفوذها من أجل عدم خضوعها لشروط ومتابعات السلطات.
وقال كمال في حديث لشبكة "الساعة": إن "حادثة حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد كانت كافية لتبيه السلطات من أجل فرض إجراءات مشددة في جميع الأبنية لمنع وقوع الحرائق، ولكن استمرار الحرائق بعد تلك الفاجعة في مستشفى الناصرية وقاعة الحمدانية وماركت الكوت دليل ومؤشر على أن نفوذ المستثمرين التابعين لجهات متنفذة أقوى من سلطة الدولة".
وأضاف أن "التحقيقات في حادثة غرق عبارة الجزيرة في الموصل عام 2018 والتي أسفرت عن غرق 200 شخص كشفت عن استثمار فصيل مسلح لذلك المشروع والذي استغل نفوذ الفصيل ورفض الاستجابة لدعوات الجهات الحكومية لإغلاق المدينة السياحية بعد ارتفاع منسوب المياه في تلك الفترة، وهو ما يعني أن شخصيات متنفذة هي من تتجاهل إجراءات وتعليمات الأمن والسلامة وتستخدم نفوذها لعدم الرضوخ للقانون أو الرشوة للحصول على إجازات بالعمل دون أن يكمل شروط الصحة والسلامة".
ولفت كمال إلى أن "حادثة الحريق في الكوت والتي فجعت عشرات العائلات ومن قبلها الحرائق الأخرى تحمل عنوان واحد وهو فساد الموظف وجشع المستثمر ونفوذه على الدولة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام